تلخيص كتاب التفكير - الحلقة السادسة
تلخيص كتاب التفكير - الحلقة السادسة

   لا بدّ عند التفكير بالتغيير من النظر للأساس أولا؛ لأنه هو الذي تقوم عليه الحياة، وبه تتم ممارسة الحياة، فإن كان عقيدة عقلية تتجاوب مع فطرة الإنسان فلا حاجة للتغيير لأن التغيير يحصل عندما لا تكون الأمور صحيحة. فإذا لم يكن الأساس صحيحا فإن أي تفكير بالتغيير بعده يكون عبثاً،

0:00 0:00
السرعة:
September 27, 2025

تلخيص كتاب التفكير - الحلقة السادسة

تلخيص كتاب التفكير- الحلقة السادسة

 لا بدّ عند التفكير بالتغيير من النظر للأساس أولا؛ لأنه هو الذي تقوم عليه الحياة، وبه تتم ممارسة الحياة، فإن كان عقيدة عقلية تتجاوب مع فطرة الإنسان فلا حاجة للتغيير لأن التغيير يحصل عندما لا تكون الأمور صحيحة. فإذا لم يكن الأساس صحيحا فإن أي تفكير بالتغيير بعده يكون عبثاً، أما إن كان الأساس صحيحاً كان واجبا أن يحدث من عندهم الأساس الصحيح التغيير فيمن ليس عندهم أساس أو أساسهم خاطئ، وبعد أن يوجد الأساس الصحيح يكون من السهل تغيير المقاييس والمفاهيم والقناعات؛ لأن الأساس هو المقياس الأساس، وهو المفهوم الأساس والقناعة الأساسية. والتفكير بالتغيير لا يكون موجودا عند الذين يشعرون بضرورة التغيير، بل هو موجود طالما أن هناك حاجة للتغيير في الكون، فالإنسان يحاول إحداث التغيير في كل مكان يحتاج للتغيير. والتفكير بالتغيير يوجد من مجرد الشعور بالحياة وإن كانت تقاومه القوى التي ترفض التغيير، وجعل الناس يفكرون يأتي إما بالقوة أو بالإقناع بضرورة التفكير بالتغيير، وبعدها يصبح التفكير بالتغيير سهلا.

إن القراءة لا توجد التفكير، فكثير من الذين يقرؤون لا يفكرون، أو لا يصلون إلى الأفكار التي يعبر عنها الكلام، فإن كان الإنسان يحسن فهم التعبير وجدت لديه الأفكار من إحسان فهمه وليس من القراءة، والقراءة لا تنهض بالأمم، فالتفكير يأتي من الواقع والمعلومات السابقة، والقراءة ليست واقعا ولا معلومات سابقة. إن النصوص الشائعة هي الأدبية والسياسية والفكرية والتشريعية، أما الأدبية فإنه يُهتم فيها بالتراكيب والألفاظ وليس المعاني، وإنما يهتم بالمعاني من ناحية صلاحيتها للتصوير أم لا، فالمراد من النصوص الأدبية هو إثارة القارئ وليس إعطاء المعنى، فالغاية الأساسية منها ليست أداء المعاني بل إثارة القارئ، وفهم هذه النصوص يستلزم معارف سابقة عن الألفاظ والتراكيب وقراءة النصوص الأدبية، بشكل يتربى معه الذوق، فالمسألة مسألة ذوق، وهذا لا يأتي إلا بعد المران وكثرة التذوق وكثرة قراءة النصوص، ومعلوماتها السابقة هو تكون الذوق، وإذا لم يتكون هذا الذوق فقد يُدرك الفكر، ولكن يثيرك ولا يؤثر فيك ولا تهتز له، فالأديب يقوم باختيار أبرز الحقائق أو ما يمكن أن يجد فيها مظهرا من مظاهر الجمال ويقربها إلى القارئ. 

وهي عكس النصوص الفكرية، والتي هي لغة العقل لا لغة العاطفة، وهي تقصد إلى تغذية العقل بالأفكار، والاهتمام فيها يكون بالمعاني أولا ثم الألفاظ والتراكيب، وتتسم ألفاظه بالدقة والتحديد، وفهمها يتطلب وجود معلومات سابقة عن النص المقروء، ويجب أن يكون واقع هذه المعلومات السابقة ومدلولها متصورا، وليس فقط فهم مدلولها، فمثلا لا يكفي في النص الذي يتحدث عن السياسة باللغة العربية معرفة اللغة العربية وما تدل عليه كل كلمة، بل لا بد أن تكون الأفكار الموجودة في النص متصورة، فيُعرف الوعي السياسي، واتجاهات النضال، وما يمكن أن يعترضك من اتجاهات معاكسة في النضال... وسواء أثرت النصوص الفكرية على المشاعر أم لا فذلك لا يؤثر على وصفها نصا فكريا، طالما أن العناية موجهة إلى الأفكار. صحيح أن هذه النصوص صالحة لكل الناس، ولكنها في عمقها ليست في متناول الجميع فهمها، بل لكل أن يأخذ منها حسب قدرته على الفهم، والذين لا توجد لديهم معلومات سابقة بمستواها لا يمكن أن يفهموها، ولا بد أن يكون فهم النص الفكري فهما صحيحا. وهكذا، فإنه لفهم النص الفكري يجب - بجانب وجود المعلومات السابقة - أن تكون المعلومات السابقة بمستواه، وأن تُدرك مدلولاته وتفهم فهما صحيحا؛ لأن النص الفكري يفهم ليؤخذ ويُعمل به. فالإسلام بما فيه من عقائد جاء منجما حسب الأحداث، وهكذا فهمه المسلمون، لأنهم تصوروا له واقعا، فانقلبوا رأسا على عقب. 

والفكر إنما يُفهم ليُحدد الموقف منه، إما الأخذ أو الترك والمحاربة، وليس الأخذ مطلقا، وهذا الأمر ضروري حتى لا يقع الزلل والانحراف عن القضية الأساسية، كما حصل في الفلسفة اليونانية التي قام المسلمون في العراق بدراستها، فمنهم من فعل ذلك لاستخدامها في الرد على النصارى، وفريق انصرف إليها للذة واعتنقها حتى أصبحت رأيه مع مراعاة الإسلام، وعدد منهم انحرف وضل ضلالا بعيدا حتى كفر. وأما الذين درسوها للرد على النصارى فمنهم من جعلها أساسا وصار يحاول تأويل أحكام الإسلام بما يتفق معها، وهؤلاء هم المعتزلة، ومنهم من قام بمحاولة الرد عليها وتصحيحها، وهؤلاء هم أهل السنة. وهكذا دار الجدال بين هذين الفريقين، ووجدت بعدها العديد من الفرق، وانقسم المسلمون إلى عشرات الفرق بسبب هذه الفلسفة وعدم إدراك واقعها والتصور الصحيح لمدلولاتها، ولولا أهل السنة والجماعة لضاع الإسلام، وكذلك الحال بالنسبة للأفكار الرأسمالية والاشتراكية وما أحدثته في عقول المسلمين. نعم، إن الشرع قد أباح الدراسة الفكرية، ولكنه جعل الإسلام وحده أساس قبولها، وحتى يُعرف هل سيتم قبول هذا الفكر أم لا يجب إدراك واقعه ومدلوله إدراكا صحيحاً، وأن توجد معلومات سابقة بمستوى الفكر.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.