وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول  (ح 16) - على المسلم تقوية شخصيته بالثقافة الإسلامية  لتنمية عقليته، وبالطاعات لتقوية نفسيته
وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول  (ح 16) - على المسلم تقوية شخصيته بالثقافة الإسلامية  لتنمية عقليته، وبالطاعات لتقوية نفسيته

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: أيها المؤمنون: مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير: السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا:"وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية- الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ السَّادِسَةَ عشرة، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "على المسلم تقوية شخصيته بالثقافة الإسلامية لتنمية عقليته وبالطاعات لتقوية نفسيته".

0:00 0:00
السرعة:
April 06, 2023

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 16) - على المسلم تقوية شخصيته بالثقافة الإسلامية لتنمية عقليته، وبالطاعات لتقوية نفسيته

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول

(ح 16)

على المسلم تقوية شخصيته بالثقافة الإسلامية

لتنمية عقليته، وبالطاعات لتقوية نفسيته

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

أيها المؤمنون:

مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير:

السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا:"وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية- الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ السَّادِسَةَ عشرة، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "على المسلم تقوية شخصيته بالثقافة الإسلامية لتنمية عقليته وبالطاعات لتقوية نفسيته".

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله -: "مع أن الإسلام جاء ليُطبَّق عملياً وهو واقعي أي يعالج واقعاً، لا يصعب تطبيقه. وفي متناول كل إنسان مهما بلغ تفكيره من الضعف ومهما بلغت غرائزه وحاجاته من القوة فإنه ممكن له أن يطبق الإسلام على نفسه بسهوله ويسر بعد أن يدرك العقيدة ويصبح شخصية إسلامية. لأنه بمجرد جعله عقيدة الإسلام مقياساً لمفاهيمه وميوله وسيره على هذا المقياس كان شخصية إسلامية قطعاً. وما عليه بعد ذلك إلا أن يقوّي هذه الشخصية بالثقافة الإسلامية لتنمية عقليته وبالطاعات لتقوية نفسيته حتى يسير نحو المرتقى السامي ويثبت على هذا المرتقى بل يسير من علّي إلى أعلى. لأنه عالج بالعقيدة أفكاره إذ جعل له بها قاعدة فكرية يبني عليها أفكاره عن الحياة، فيميز الفكر الصائب من الفكر الخطأ حين يقيس هذه الأفكار بالعقيدة الإسلامية يبنيها عليها باعتبارها قاعدة فكرية، وبذلك يأمن زلل الفكر، ويتقي الفاسد من الأفكار، ويظل صادق الفكر سليم الإدراك. وعالج بالأحكام الشرعية ميوله حين عالج أعماله الصادرة عن حاجاته العضوية وغرائزه معالجة صادقة تنظِّم الغرائز ولا تضُّر بها لمحاولة القضاء عليها، وتنسقها ولا تطلقها، وتهيّئ له إشباع جميع جوعاته إشباعاً متناسقاً يؤدي إلى الطمأنينة والاستقرار. ولذلك كان المسلم الذي يعتنق الإسلام عن عقل وبيّنة، ويطبق الإسلام كاملاً على نفسه، ويفهم أحكام الله فهماً صحيحاً، كان هذا المسلم شخصية إسلامية متميزة عن غيرها، لدية العقلية الإسلامية في جعله العقيدة الإسلامية أساساً لتفكيره، والنفسية الإسلامية في جعله هذه العقيدة أساساً لميوله". ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته:

السؤال الأول في هذه الحلقة هو هل يمكن للإنسان بوصفه شخصية إسلامية أن يطبق الإسلام على نفسه؟ وكيف له أن يقوي هذه الشخصية؟ وجواب الشق الأول من السؤال هو: إن الإسلام جاء ليُطبَّق عمليًا، وهو واقعي أي يعالج واقعًا، لا يصعب تطبيقه. وفي متناول كل إنسان مهما بلغ تفكيره من الضعف، ومهما بلغت غرائزه وحاجاته من القوة فإنه ممكن له أن يطبق الإسلام على نفسه بسهوله، ويسر بعد أن يدرك العقيدة ويصبح شخصية إسلامية؛ لأنه بمجرد جعله عقيدة الإسلام مقياسًا لمفاهيمه وميوله وسيره على هذا المقياس كان شخصية إسلامية قطعًا.

أما الشق الثاني من السؤال فجوابه: ما على المسلم بعد ذلك إلا أن يقوّي شخصيته الإسلامية بهذين الأمرين:

  1. الأمر الأول بالثقافة الإسلامية؛ لتنمية عقليته.
  2. الأمر الثاني: بالطاعات لتقوية نفسيته حتى يسير نحو المرتقى السامي ويثبت على هذا المرتقى بل يسير من علّي إلى أعلى؛ لسببين اثنين:

أولا: لأنه عالج بالعقيدة أفكاره إذ جعل له بها قاعدة فكرية يبني عليها أفكاره عن الحياة، فيميز الفكر الصائب من الفكر الخطأ حين يقيس هذه الأفكار بالعقيدة الإسلامية يبنيها عليها باعتبارها قاعدة فكرية، وبذلك يأمن زلل الفكر، ويتقي الفاسد من الأفكار، ويظل صادق الفكر، سليم الإدراك. فما أكثر ما يتلقى المسلمون من مبادئ وافدة تشكك في دينهم تشكيكًا يحاول أن يهدم البنيان من أسه، والتشكيك حين يكون في حكم من الأحكام الشرعية، يكون من السهل أن نُقنِع بحكمة ذلك الحكم، ولكن التشكيك يَعظُم خطرُه إن اتصل بأصل العقيدة. كالتشكيك الحاصل هذه الأيام في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية المطهرة. 

ثانيا: ولأنه عالج بالأحكام الشرعية ميوله حين عالج أعماله الصادرة عن حاجاته العضوية، وغرائزه معالجة صادقة تنظِّم الغرائز، ولا تضُّر بها لمحاولة القضاء عليها، وتنسقها، ولا تطلقها، وتهيّئ له إشباع جميع جوعاته إشباعًا متناسقًا يؤدي إلى الطمأنينة والاستقرار. وإليكم بيان تلك المعالجات من خلال البنود الآتية:

1. عالج الإسلام للإنسان أعماله الصادرة عن حاجاته العضوية؛ فبين له وسائل الكسب المشروعة؛ ليتبعها، ووسائل الكسب المحرمة؛ ليتجنبها. فقال تعالى على سبيل المثال: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). (البقرة ‎275)


2. وعالج للإنسان غرائزه معالجة صادقة، تنظمها، ولا تضر بها، فعالج غريزة التدين بعبادة الله وحده، قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا). ‎(النساء 36)


3. وعالج للإنسان غريزة النوع والميل الجنسي من الذكر إلى الأنثى، ومن الأنثى إلى الذكر بالزواج الشرعي على كتاب الله وسنة رسوله، وأباح للرجال تعدد الزوجات، فقال جل جلاله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا). ‎(النساء 3)


4. وأمر المؤمنين والمؤمنات بغض النظر، فقال جل شأنه: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ‎(30)‏ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). ‎(النور31)


5. ومنع الاختلاط، وأمر بالتفريق بين الأبناء في المضاجع عند النوم. جَاءَ في الحَدِيثِ الـشَّرِيفِ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَـشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ».


6. وعالج للإنسان غريزة البقاء التي من مظاهرها حب التملك، فأباح للإنسان التملك، فحدد له طرق ووسائل الكسب المشروعة، ولم يحدد له كمية ومقدار المال الذي يحصل عليه من الكسب المشروع، وفرض على المسلمين الأغنياء أن يعطوا زكاة أموالهم لمن يستحقونها من الفقراء والمساكين، وباقي الأصناف الثمانية الذين ذكرهم القرآن الكريم. قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). ‎(التوبة 60)

والسؤال الثاني: في هذه الحلقة هو: كيف يكون المسلم شخصية إسلامية متميزة؟ وجوابه: إن المسلم الذي يعتنق الإسلام عن عقل وبيّنة، ويطبق الإسلام كاملًا على نفسه، ويفهم أحكام الله فهمًا صحيحًا، كان هذا المسلم شخصية إسلامية متميزة عن غيرها، لدية العقلية الإسلامية في جعله العقيدة الإسلامية أساسًا لتفكيره، والنفسية الإسلامية في جعله هذه العقيدة أساسًا لميوله.

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة، مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِمًا، نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ، سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام، وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا، وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه، وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فِي القَريبِ العَاجِلِ، وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها، إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم عَلى حُسنِ استِمَاعِكُم، وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.