وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول  (ح 20)  نموذج للشخصية الإسلامية المعاصرة: الأستاذ محمد حسين عبد الله (رحمه الله)
وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول  (ح 20)  نموذج للشخصية الإسلامية المعاصرة: الأستاذ محمد حسين عبد الله (رحمه الله)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: أيها المؤمنون: مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير: السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا:"وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ العِشرِينَ، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "نموذج للشخصية الإسلامية المعاصرة".

0:00 0:00
السرعة:
April 10, 2023

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 20) نموذج للشخصية الإسلامية المعاصرة: الأستاذ محمد حسين عبد الله (رحمه الله)

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول

(ح 20)

نموذج للشخصية الإسلامية المعاصرة: الأستاذ محمد حسين عبد الله (رحمه الله)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

أيها المؤمنون:

مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير:

السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا:"وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ العِشرِينَ، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "نموذج للشخصية الإسلامية المعاصرة".

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله -: "وهو حين يكون بطل جهاد يكون حليف محراب، وفي الوقت الذي يكون فيه سريًا يكون متواضعًا. ويجمع بين الإمارة والفقه، وبين التجارة والسياسة. وأسمى صفة من صفاته أنه عبد لله تعالى خالقه وبارئه. ولذلك تجده خاشعًا في صلاته، معرضًا عن لغو القول، مؤديًا لزكاته، غاضَّا لبصره، حافظًا لأماناته، وفيًا بعهده، منجزًا وعده، مجاهدًا في سبيل الله. هذا هو المسلم، وهذا هو المؤمن، وهذه هي الشخصية الإسلامية التي يكوّنها الإسلام، ويجعل الإنسان بها خير بني الإنسان".

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: اللهم اغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجملنا بالعافية.

يَا مَن لَهُ عَنَتِ الوُجُوهُ بِأسْرِهَا ... رَغَبــًا وَكُـلُّ الكَائِنَــاتِ تُوَحِّــدُ

أنتَ الإلـهُ الواحِـدُ الحَـقُّ الذي ... كــلُّ القلــوبِ لَـهُ تُقِرُّ وَتَشْــهَدُ

وصلى الله وسلم وبارك على عين الرحمة وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، سيدنا محـمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: المسلم حين يعرف خالقه حق المعرفة، فإنه يعظِّمه تعظيم محبة وإجلال، ويبدأ البحث عن كل طريق توصل إلى رضاه مهما بلغ طولها، أو مشقاتها غير آبهٍ لدم يسيل منه، أو مال يضيع تحصيله، أو دنيا تناديه بزخرفها. وفيما يأتي نعرض على أسماعكم نموذجا للشخصية الإسلامية المعاصرة:

الأستاذ محمد حسين عبد الله - أبو سفيان – رحمه الله.

لمن لا يعرف الأستاذ محمد حسين عبد الله هو أستاذي في المرحلة الابتدائية، تلقيت عنه دروسي في إحدى سنوات الدراسة في ستينات القرن الماضي، وذلك في مدارس وكالة الغوث الكائنة في مخيم الوحدات الذي كان يسكنه اللاجئون الذين لجئوا من الضفة الغربية في فلسطين إلى شرق الأردن بعد أن احتل اليهود أرضهم في الحرب الصورية المصطنعة التي اصطنعها حكام دويلات سايكس وبيكو من أجل تسليمها لهم.

ودارت الأيام، وكبرت، وشاءت إرادة الله تعالى أن حملت الدعوة مع شباب حزب التحرير، وتم اعتقالي، وسجني في سجن المحطة سنة شمسية كاملة أول مرة، وكان ذلك عام ثلاثة وثمانين وتسعمائة وألف ميلادية، وهناك التقيت أستاذي الفاضل أبا سفيان، الذي كان يعقد في السجن حلقة يدرس فيها الشباب في كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الثالث المتعلق ببحث أصول الفقه. سألته قائلا: أنا أحد طلابك. ترى هل تذكرني؟ قال لي: نعم أذكرك، فأنا أحتفظ في سجل خاص لدي، فيه أسماء الطلاب الذين درَّست لهم على مدار السنين وأذكر أنك واحد منهم. قلت له: أريد أن ألتحق بدروسك في أصول الفقه. فقال لي: هذا العلم صعب عليك لأنك لم تكن معنا منذ البداية ونحن قطعنا فيه شوطا كبيرا، وإذا حضرت معنا سوف تتعبنا بأسئلتك، وسوف تجبرنا للعودة في البحث إلى الوراء. قلت له: لا تهتم لهذا الموضوع فأنا متخصص في مادة اللغة العربية وأفهم مقصود الكلام في يسر وسهولة. ولن أسألك. قال لي: أنا لا أمنعك، ولكن ستذكر ما قلته لك. وفعلا التحقت بدروس أستاذنا في أصول الفقه، واستمعت إلى كلماتهم ومصطلحات هذا العلم، وكنت لا أفهم كثيرًا منها، وأريد أن أسأل، لكنني امتنعت عن ذلك وفاء مني بوعدي له.

الأستاذ محمد حسين عبد الله هو صاحب كتاب: "الواضح في أصول الفقه".وصاحب كتاب: "الطريقة الشرعية لاستئناف الحياة الإسلامية". وصاحب مجموعة كتيبات تبحث في الغرائز والحاجات العضوية سماها: "مفاهيم إسلامية" وقد صممت له غلافها بالخط الكوفي الجميل. وأذكر أنه بعد أن أنهى تأليفها وهو معنا في السجن استشار الشباب في اختيار عنوان مناسب لها فاقترح عليه أحد الشباب واسمه (موسى) أن يطلق عليها اسم: "الوكائز في شرح الغرائز". فلما سمع أستاذنا هذا العنوان علق عليه بقوله تعالى: (فوكزه موسى فقضى عليه) فضحكنا ملء أشداقنا!!

والأستاذ محمد حسين عبد الله خبير من كبار خبراء التعليم، ومن ذوي الخبرة العالية في التدريس، وتأليف المناهج المدرسية، وإن أمراء حزب التحرير الثلاثة بما فيهم أميرنا الحالي عطاء بن خليل أبو الرشتة - حفظه الله وأعزه ونصره - يعرفون له قدره، ويعلمون ما لدى شباب الحزب من طاقات، وقدرات، وإبداعات، ومن المؤكد أنهم يوظفون هذه الطاقات، والقدرات، والإبداعات على الوجه الأكمل والأفضل بما يحقق الخير للإسلام والمسلمين، وعند قيام دولة الخلافة قريبا بإذن الله تعالى سيظهر هذا الخير للناس أجمعين، وسيعلم العالم كله أن حزب التحرير لم يكن نائمًا ولا غافلا، ولا خاملًا متكاسلًا، بل كان يعمل، ويعمل لله تعالى بصمت، وأن ثمة جنودٌ مجهولون منهم أستاذنا الفاضل - حفظه الله وكحل ناظريه برؤية راية دولة الخلافة خفاقة عالية في جو السماء - إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو سبحانه نعم المولى ونعم النصير!! 

والأستاذ محمد حسين عبد الله من الرعيل الأول الذين كلفهم الشيخ تقي الدين النبهاني بالذهاب إلى سوريا من أجل القيام بأعمال الدعوة، وقد تعرض هناك للاعتقال، والأذى، والتعذيب الشديد، تعالوا بنا نستمع إليه وهو يحدثنا عما لاقاه من جلاوزة الحكام، يقول - حفظه الله وأمد في عمره -: 

"من الأحداث المؤلمة أنهم منعونا من الصلاة، وصاروا يراقبوننا داخل الزنازين، فإذا ما رأوا أحدا يصلي كانوا يدخلون عليه ويمنعونه من الصلاة. أما أنا فقد قررت أن أصلى مهما بذلوا من محاولات في منعي من أدائها!

كنت ذات مرة أؤدي صلاة المغرب، وأنا بين الجنود يحيطون بي يريدون منعي من الصلاة إذ مر مدير الفرع وهو رجل شركسي من آل الأحمد، يكُنى بأبي أحمد. تقدم نحوي وقال لي: "اترك الصلاة" فلم أستجب له، ولم أطعه، بل بقيت أصلي حتى أتممت صلاتي حتى وصلت إلى الجلوس الأخير لقراءة التشهد، فلم يمهلني كي أتم صلاتي، فما كان منه إلا أن دخل عليَّ في زنزانتي، وما إن أنهيت صلاتي وسلمت على اليمين انهال علي، وبدأ يضربني بقوة وعنف، ثم أخذني إلى الإدارة، وهناك صار يضربني بكل شيء يصل إلى يده من الأغراض الموجودة لديه في غرفة الإدارة، ولم من تلك الأغراض شيء من كرسي، أو طاولة، أو أداة من أدوات المكتب إلا حمله بيديه، وضربني به!! حينها دعوت الله قائلًا: "اللهم انتقم من الظالمين"، وبعد ربع ساعة تقريبًا سقط مدير الفرع أبو أحمد على الأرض مغشيًّا عليه!!

جاء العناصر من الأمن وتحلقوا حوله، وحركوه. قالوا: "لقد قتلت المدير". ثم أخذوني إلى الزنزانة الانفرادية، وتم نقله إلى المستشفى، فعلمت من العناصر في الليلة نفسها أنه قد أصيب شقه الأيمن بشلل نصفي، شمل يده اليمنى، ورجله اليمنى أيضًا.

وفي اليوم الثاني استدعاني مدير الفرع واسمه: "فريد النُّقُل" وقال لي: سيتم نقلك إلى زنزانة جماعية يوجد فيها أربع أو خمسة سجناء عراقيين من آل صدام. نقلوني عندهم، وفي اليوم نفسه ذهبت لكي أتوضأ، فجاء عنصر من عناصرهم، وقال لي: أنت ممنوع من الوضوء، ومن الصلاة. قلت له: بل سأتوضأ وأصلي، وتوضأت وهو يضربني، ثم صليت الظهر في الزنزانة الجماعية، وصرت منذ ذلك الوقت لست ممنوعا من الصلاة؛ لأن المدير قال لي: أنت لست ممنوعا من الصلاة، صل إن شئت، لا شيء عليك!! أديت صلاة الظهر. وعندما جاء وقت العصر جاء تليفون لهذا العنصر الذي منعني من الوضوء يحمل إليه أمرا أن يحضر إلى قريته، أعاد الاتصال بالعناصر تليفونيا ليعلم ما الخبر، فأخبروه بما حصل. فقال لي: ها أنت أيضًا قتلت ابن العنصر الذي كُنيتُهُ أبو الهيثم!! ألا يكفيك أنك تسببت بالشلل لأطراف المدير؟؟ قلت لهم: كيف ذلك؟؟ قالوا: إنك تدعو عليهم. قلت: أنا أدعو فأقول: "اللهم انتقم من الظالمين!!". فإن كنتم ظالمين، فإن دعوتي تصيبكم!! فقال لي: إن ابن العنصر الوحيد، وهو في قريته حمص، بينما كان يقطع الطريق داسته سيارة فقتلته!! وبعدها تركوني أتوضأ، وأصلي بسهولة وقتما أشاء، وكيفما أشاء دون أي منع، أو أي اعتراض، وأبقوا على منع باقي السجناء من الوضوء ومن الصلاة!!"

اللهم انتقم من الظالمين في كل وقت وحين!! فهل يتعظ الحكام وجلاوزتهم من كلام أستاذنا أبي سفيان قبل أن يأتيهم أمر الله، وتصيبهم من الله قارعة؟؟!! قال تعالى: (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ). ( ‎الرعد٣١)

 وقال تعالى: (أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ). ‎(التوبة١٢٦) ترى هل يتوبون قبل أن يمن الله على عباده المستضعفين ويمكن لهم في الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين لسلطانهم الذي سيسلبه الله من الطغاة المجرمين؟؟

قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ‎(٥) ‏وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ). ( ‎القصص٦). وقال تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا). ‎(الإسراء ٥١)        

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة، مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِمًا، نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ، سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام، وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا، وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه، وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فِي القَريبِ العَاجِلِ، وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها، إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم عَلى حُسنِ استِمَاعِكُم، وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.