وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول  (ح 22)  أشكال الشـخصـية
وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول  (ح 22)  أشكال الشـخصـية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: أيها المؤمنون: مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير: السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا: "وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ الثانيةِ وَالعِشرِينَ، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "أشكال الشخصية".

0:00 0:00
السرعة:
April 12, 2023

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 22) أشكال الشـخصـية

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول

(ح 22)

أشكال الشـخصـية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

أيها المؤمنون:

مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير:

السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا: "وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ الثانيةِ وَالعِشرِينَ، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "أشكال الشخصية".

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله -: "حين يجري عقلُ الإنسان للأشياء أي إدراكه لها حسب كيفية معينة تكون له عقلية معينة. وحين يجري ربط دوافع الإشباع المبلورة بواسطة امتزاجها الحتمي بالمفاهيم عن الأشياء بمفاهيم معينة عن الحياة تكون له نفسية معينة. وحين تتحد مفاهيمه عن الحياة في تحكمها به عند عقل الأشياء وعند ميله لها تكون له شخصية معينة. فالشخصية هي جعل الاتجاه لدى الإنسان في عقله للأشياء وميله لها اتجاهاً واحداً مبنياً على أساس واحد. وعلى ذلك يكون تكوين الشخصية إيجاد أساس واحد للتفكير والميول لدى الإنسان. وهذا الأساس قد يكون واحداً، وقد يكون متعدداً. فإن كان متعدداً كأن جعلت عدة قواعد أُسساً للتفكير والميول، كانت للإنسان شخصية، ولكنها شخصية لا لون لها. وإن كان الأساس واحداً كأن جُعلت قاعدة واحدة أساساً للتفكير والميول كانت للإنسان شخصية معينة لها لون معين، وهذا هو الذي يجب أن يكون للإنسان، والذي يجب أن يسعى إليه عند القيام بتهذيب الأفراد". 

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: اللهم اغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجملنا بالعافية.

يَا مَن لَهُ عَنَتِ الوُجُوهُ بِأسْرِهَا ... رَغَبــًا وَكُـلُّ الكَائِنَــاتِ تُوَحِّــدُ

أنتَ الإلـهُ الواحِـدُ الحَـقُّ الذي ... كــلُّ القلــوبِ لَـهُ تُقِرُّ وَتَشْــهَدُ

وصلى الله وسلم وبارك على عين الرحمة وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، سيدنا محـمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: لدينا في هذه الحلقة عدة أسئلة:

أولا: السؤال الأول في هذه الحلقة هو: متى تكون للإنسان عقلية معينة ونفسية معينة؟؟ والجواب هو الآتي: حين يجري عقلُ الإنسان للأشياء أي إدراكه لها حسب كيفية معينة تكون له عقلية معينة. وحين يجري ربط دوافع الإشباع المبلورة بواسطة امتزاجها الحتمي بالمفاهيم عن الأشياء بمفاهيم معينة عن الحياة تكون له نفسية معينة.

ثانيًا: والسؤال الثاني في هذه الحلقة هو: متى تكون لإنسان شخصية معينة؟ وجوابه هو الآتي: حين تتحد مفاهيمه عن الحياة في تحكمها به عند عقل الأشياء، وعند ميله لها تكون له شخصية معينة.

ثالثا: والسؤال الثالث هو: ماذا نعني بقولنا: إن للإنسان شخصية معينة؟ وجوابه أن الشخصية هي جعل الاتجاه لدى الإنسان في عقله للأشياء، وميله لها اتجاهًا واحدًا مبنيًا على أساس واحد.

رابعا: أما السؤال الرابع فهو: كيف يكونُ تكوينُ الشخصية المعينة؟ والجواب على ذلك هو الآتي: يكون تكوين الشخصية بإيجاد أساس واحد للتفكير، والميول لدى الإنسان. وهذا الأساس قد يكون واحدًا، وقد يكون متعددًا. فإن كان متعددًا كأن جعلت عدة قواعد أُسسًا للتفكير والميول، كانت للإنسان شخصية، ولكنها شخصية لا لون لها. وإن كان الأساس واحدًا كأن جُعلت قاعدة واحدة أساسًا للتفكير، والميول كانت للإنسان شخصية معينة، لها لون معين، وهذا هو الذي يجب أن يكون للإنسان، والذي يجب أن يسعى إليه عند القيام بتهذيب الأفراد.

فالشخصيات عند تكوينها على حسب عقلها للأشياء تنقسم إلى ثلاثة أشكال هي:

  1. شخصية مميزة راقية.
  2. شخصية مميزة غير راقية.
  3. وشخصية هلامية لا منهج محدد لها.

أولا: الشخصية المميزة الراقية: هي الشخصية الإسلامية فقط إذ إنها تتبع نظامًا راقيًا، مميزًا، وضعه لها الله تعالى خالقها، وخالق كل شيء، الذي يتصف بكل صفات الكمال، والقدرة، والغنى، وهو أعلم بما يصلح لها، فجاء نظام الإسلام متصفا بصفات الله تعالى، الشخصية الإسلامية تقيدت بما حدده الله لها؛ وعقلت الأشياء وفق منهج الله، فارتقت عن الترهات، وحصرت إشباع غرائزها، وحاجاتها العضوية أيضًا بمحددات شرعية سماوية، لم، ولن تتجاوزها إلا بتصريح من خالقها؛ فقد تجوع، وتصبر، وتقدِّم أغلى ما تملك دون اكتراث ما دام الأمر إرضاءً لخالقها، وليس أرقى من التعبير عن هذه الشخصية، وفي أشد الظروف من قول الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ). (التوبة ٦‏) كي لا يُجبر على تغيير معتقده خوفًا لا قناعة.

ثانيا: الشخصية المميزة غير الراقية: هي الشخصية التي تحدد سلوكها في كل اتجاهاتها وفق منظومة محددة من المفاهيم المستمدة من المبادئ البشرية، كالشخصية الرأسمالية التي تنتهج منهج المبدأ الرأسمالي، والشخصية الاشتراكية التي تنتهج نهج المبدأ الاشتراكي. وهذان المبدآن باطلان بطلانا كبيرا، وقد ذكر الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله - في كتاب نظام الإسلام بالتفصيل أسباب بطلان كل منها. فهما مبدآن، ونظامان من أنظمة الحياة من وضع البشر، وصفات النظام تأتي مماثلة لصفات واضعه. فالإنسان محدود، وناقص، وعاجز، ومحتاج. والنظامان الرأسمالي والاشتراكي يحملان هذه الصفات وصفات أخرى تزيدهما وهنا على وهن، فهما عرضة، للتفاوت، والتناقض، والاختلاف. وقد اختصر علينا القرآن الكريم المسألة بأنه عدَّ كل شرع غير شرع الله طاغوتا يجب الكفر به. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ‎(٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا). (النساء ٦١‏)    

ثالثا: الشخصية الهلامية الفوضوية: هي الشخصية التي تتخذ إلهها هواها، وليس لها منهج محدد، وهي التي لا تنطلق في إشباعها غرائزها وحاجاتها العضوية من منهج معين، بل تتبع نفسها هواها، وتلبي لها جميع ما تطلبه دون أي مراعاة لمبدأ، أو عقيدة، أو دين، وتسير في الحياة متبعة أهواءها، وملبية لنفسها جميع رغباتها، وشهواتها، إذ ليس لديها مقياس لا للأفعال، ولا للأشياء، فكل فعل مباح، وكل شيء حلال، وسلوكها في الحياة ليس له ضوابط محددة. والله تعالى يقول: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ). ‎(الجاثية ٢٣) ويقول: (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم). ‎(محمد ١٤) ويقول: (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). ‎(القصص ٥٠)

إن أعظم نصر حققه خالد بن الوليد - رضي الله عنه - لم يكن في أُحُد، وَلا فِي اليَرمُوكِ، إِنَّمَا كَانَ يَومَ انتصر على نفسه، وهواها عندما عزلهُ عُمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - عن قيادة الجيش، فأخذ مكانه جنديًا عاديًا بعد أن كان القائد الأعلى لجيش المسلمين، وقال: "أنا لا أقُاتل لأجل عُمر، وإنما أقاتل لأجل ربِّ عُمر!!". لذلك فإن أعظم انتصار هو انتصار الإنسان على نفسه وأهوائها!!

قال إبراهيم بن أدهم - رحمه الله - : "أشد الجهاد جهاد الهوى، من منع نفسه هواها فقد استراح من الدنيا وبلائها، وكان محفوظا ومعافى من أذاها". (حلية الأولياء)  

وقال الشيخ عبد العزيز الطريفي - فرج الله كربه، وفك أسره -: "أخطر أنواع العبودية عبودية الهوى، يتحرر من عبودية الأحجار إلى عبودية الأفكار، فيظن أنه لا يطوف حول صنم، وهو يطوف حول هواه، ولا يراه".

وقال الماوردي: "أما الهوى فهو عن الخير صادٌّ، وللعقل مضادٌّ؛ لأنه ينتج من الأخلاق قبائحَهَا، ويُظهِرُ مِنَ الأفعَال فَضَائِحَهَا، وَيَجعَلُ سِترَ المروءة مَهتُوكًا، ومَدخلَ الشر مَسلُوكًا".

ونقول: "من لم يجعل الحكم الشرعي مقياسًا له في الحياة كان عبدًا لهواه". ونقول: "إن من يريد أن يصحح لله أحكامه، وشرعه، ودستوره، فليراجع دينه وإيمانه فقد جعل إلهه هواه!!". 

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة، مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِمًا، نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ، سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام، وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا، وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه، وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فِي القَريبِ العَاجِلِ، وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها، إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم عَلى حُسنِ استِمَاعِكُم، وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.