وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 29)  وقعت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مع الصحابة بعض المخالفات
وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 29)  وقعت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مع الصحابة بعض المخالفات

  الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: ...

0:00 0:00
السرعة:
April 19, 2023

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 29) وقعت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مع الصحابة بعض المخالفات

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول

(ح 29)

 وقعت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مع الصحابة بعض المخالفات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

أيها المؤمنون:

أحبتنا الكرام :

السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا:"وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ التاسعَةِ والعشرين، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "وقعت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مع الصحابة بعض المخالفات".

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله -: "وقد وقعت مع الصحابة في عهد الرسول عدة حوادث كان الصحابي يخالف بعض الأوامر والنواهي فلم تطعن هذه المخالفات بإسلامه ولم تؤثر في كونه شخصية إسلامية. ذلك أنهم بشر وليسوا ملائكة. وأنهم كباقي الناس وليسوا معصومين، لأنهم ليسوا أنبياء. فقد أرسل حاطب بن أبي بلتعة لكفار قريش خبر غزو الرسول لهم مع أن الرسول كان حريصاً على كتمانه، ولوى الرسول عنق الفضل بن العباس حين رآه ينظر إلى المرأة التي كانت تكلم الرسول نظرة مكررة تنم عن الميل والشهوة. وتحدث الأنصار عام الفتح عن رسول الله أنه تركهم ورجع إلى أهله مع أنه كان بايعهم على أن لا يتركهم. وفرّ كبار الصحابة في حنين وتركوا الرسول في قلب المعركة مع نفر قليل من أصحابه، إلى غير ذلك من الحوادث التي حصـلت ولم يعتبرها الرسـول طاعنة بإسـلام مرتكبيها، ولا مؤثرة في كونهم شخصيات إسلامية. وهذا وحده كافٍ لأن يكون دليلاً على أن الثغرات التي تحصل في السلوك لا تخرج المسلم عن الإسلام، ولا تُخرجه عن كونه شخصية إسلامية. ولكن ذلك لا يعني إباحة مخالفة أوامر الله ونواهيه. فإن حرمة مخالفتها أو كراهتها أمر لا شبهة فيه، ولا يعني أن الشخصية الإسلامية لها أن تخالف صفات المسلم المتمسك بدينه، فإن هذا لا بد منه لتكون شخصية إسلامية، وإنما يعني أن المسلمين بشر، وأن الشخصيات الإسلامية من البشر وليسوا من الملائكة، فإذا زلّوا عوملوا بما يقتضيه حكم الله من المعاقبة على الذنب إن كان مما يعاقب عليه، ولكن لا يقال عنهم إنهم أصبحوا شخصيات غير إسلامية".

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: اللهم اغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجملنا بالعافية.

يَا مَن لَهُ عَنَتِ الوُجُوهُ بِأسْرِهَا ... رَغَبــًا وَكُـلُّ الكَائِنَــاتِ تُوَحِّــدُ

أنتَ الإلـهُ الواحِـدُ الحَـقُّ الذي ... كــلُّ القلــوبِ لَـهُ تُقِرُّ وَتَشْــهَدُ

وصلى الله وسلم وبارك على عين الرحمة وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، سيدنا محـمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: لدينا في هذه الحلقة عدة تساؤلات، وهي:

أولا: هل الصحابة رضوان الله عليهم معصومون عن الوقوع في الخطأ؟ وجوابه أن الصحابة بشر، ليسوا أنبياء معصومين، ولا ملائكة على الطاعة مفطورين، فغرائزهم موجودة، وحاجاتهم موفورة، يصيبون، ويخطئون، ويعصون، ويطيعون، تأخذهم الحمية، وتغلبهم الأنفة أحيانا، لكنهم دائمًا يسترجعون، وإلى ربهم يؤوبون، ولذنبهم يستغفرون، وللحق يخضعون، هم خيرة الخلق بعد الأنبياء، وصفوة الأولياء بين الناس، تؤلمهم المعصية، وبالطاعة يفرحون، يخافون ربهم من فوقهم. وقد وقعت مع الصحابة في عهد الرسول عدة حوادث كان الصحابي يخالف بعض الأوامر، والنواهي فلم تطعن هذه المخالفات بإسلامه، ولم تؤثر في كونه شخصية إسلامية.

ثانيا: هل لكم أن تَعرِضُوا علينا نماذج من أخطاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم؟ وجواب هذا السؤال: حُبًا، وكرامة سنعرض عليكم نماذج أربعة على سبيل المثال لا الحصر: 

  1. منها أن حاطب بن أبي بلتعة أرسل لكفار قريش خبر غزو الرسول صلى الله عليه وسلم لهم مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على كتمانه.
  2. ومنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم لوى عنق الفضل بن العباس حين رآه ينظر إلى المرأة التي كانت تكلم الرسول صلى الله عليه وسلم نظرة مكررة تنم عن الميل، والشهوة.
  3. ومنها أن الأنصار عام الفتح تحدثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تركهم، ورجع إلى أهله مع أنه كان بايعهم على أن لا يتركهم.
  4. ومنها أن كبار الصحابة في حنين فرُّوا، وتركوا الرسول صلى الله عليه وسلم في قلب المعركة مع نفر قليل من أصحابه، إلى غير ذلك من الحوادث التي حصـلت، ولم يعتبرها الرسـول طاعنة بإسـلام مرتكبيها، ولا مؤثرة في كونهم شخصيات إسلامية.

ثالثا: علام يدل وقوع الصحابة في أخطاء ومخالفات شرعية؟ وجوابه: إن ذلك يدل على الثغرات التي تحصل في السلوك لا تخرج المسلم عن الإسلام، ولا تُخرجه عن كونه شخصية إسلامية.

ثالثا: هل وقوع الصحابة في أخطاء ومخالفات يعني إباحة مخالفة أوامر الله ونواهيه؟ وأن الشخصية الإسلامية لها أن تخالف صفات المسلم المتمسك بدينه؟ وجوابه: لا يعني ذلك مطلقا؛ لأن حرمة، أو كراهة مخالفة أوامر الله ونواهيه أمر لا شبهة فيه، ولا يعني أن الشخصية الإسلامية لها أن تخالف صفات المسلم المتمسك بدينه، فإن هذا لا بد منه لتكون شخصية إسلامية، وإنما يعني أن المسلمين بشر، وأن الشخصيات الإسلامية من البشر، وليسوا من الملائكة، فإذا زلّوا عوملوا بما يقتضيه حكم الله من المعاقبة على الذنب إن كان مما يعاقب عليه، ولكن لا يقال عنهم إنهم أصبحوا شخصيات غير إسلامية.

رابعًا: هلا عرضتم علينا حالة أخرى - بكافة تفصيلاتها - من وقوع الصحابة في أخطاء، ومخالفات شرعية، وكيفية معالجة الرسول صلى الله عليه وسلم لها؟ وجوابه: حبًا وكرامةً. إليكم قصة محلم بن جثامة الذي قتل شخصًا بعد نطقه بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله: 

روى ابن اسحق عن أبي حُدردَ عن أبيه قال: بَعَثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أضم، وهو مكان في الجزيرة العربية، في نفر من المسلمين منهم أبو قتادة الحارث بن ربعي، ومحلم بن جنادة بن قيس، فخرجنا حتى أتينا بطن أضم، فمر بنا "عامر بن الأخبط الأشجعي" على قعود له، ومعه متاع له، فسلم علينا بتحية الإسلام، وعرفنا بأنه مسلم، فأمسكنا عنه، لما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلاَّ بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق لدينه، التارك للجماعة».

وحمل "محلم بن جثامة" على "عامر بن الأخبط" فقتله؛ لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتاعه. فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله؟ والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا على رسول الله أخبروه.

 وكان الوقت ظهرًا، ثم قام إلى ظل شجرة فقعد فيه، فقام إليه "عيينة بن بدر" فطالب بدم "عامر بن الأخبط" فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا، وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟ وهذه هي الدية الشرعية، الدية المحمـدية كما يقولون، فقال عيينة ابن بدر: والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزن ما أذاق نسائي! ثم أعاد النبي صلى الله عليه وسلم مقالته الأولى فرفضوا، فلم يزل النبي بهم حتى رضوا بالدية. قال قوم محلم بعضهم لبعض: اذهبوا بمحلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر له، امتثالا لقول الله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ‎). (النساء ٦٤) فلما ذهبوا به، وقام محلم بين يدي رسول الله r وطلب منه أن يستغفر له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا تغفر لمحلم! اللهم لا تغفر لمحلم! اللهم لا تغفر لمحلم !! فقام محلم يتلقى دموعه بطرف ثوبه.

قال الحسن البصري: فو الله ما مكث محلم إلا سبعًا حتى مات، فدفنوه فلفظته الأرض! ثم دفنوه فلفظته الأرض! ثم دفنوه فلفظته الأرض! فوضعوا عليه من الحجارة حتى واروه! فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: «إن الأرض لتقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم من حرمتكم».

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة، مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِمًا، نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ، سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام، وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا، وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه، وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فِي القَريبِ العَاجِلِ، وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها، إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم ، وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.