وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 39) عجز العالم عن الإيجاد من عدم، دليل يقيني على أنه ليس أزليًا
وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 39) عجز العالم عن الإيجاد من عدم، دليل يقيني على أنه ليس أزليًا

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: ...

0:00 0:00
السرعة:
May 06, 2023

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 39) عجز العالم عن الإيجاد من عدم، دليل يقيني على أنه ليس أزليًا

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول

(ح 39)

عجز العالم عن الإيجاد من عدم، دليل يقيني على أنه ليس أزليًا

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

أيها المؤمنون:

أحبّتنا الكرام :

السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا:"وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ التاسعة والثلاثين، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "عجز العالم عن الإيجاد من عدم، دليل يقيني على أنه ليس أزليًا".

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله -: "أما بالنسبة للأشياء التي توجد فواضح في أنها وجدت من أشياء مدركة محسوسة، وواضح أيضاً في أنها في وجودها خضعت لنسبة معينة فُرضت عليها فرضاً. وأما بالنسبة للأشياء التي وجدت فواضح في عجزها عن الإيجاد من عدم وواضح في أنها خاضعة جبراً عنها إلى ترتيب معين فرض عليها فرضاً، وهو ليس آتياً منها، وإلا لكانت قادرة على تركه وعلى عدم الخضوع له، فهو آت من غيرها. فعجز الأشياء المدركة المحسوسة في العالم أي عجز العالم عن الإيجاد من عدم، وخضوعه لترتيب معين آتٍ من غيره دليل يقيني على أن العالم ليس أزلياً ولا قديماً بل هو مخلوق للأزلي القديم. أما الذين يقولون إن الخلق هو التقدير والتكييف وينكرون وجود الخالق من عدم فإن قولهم هذا معناه أن الأشياء المدركة المحسوسة والترتيب المعين المفروض عليها هما اللذان يخلقان، لأن التقدير والتكييف لا يمكن أن يتأتى إلا بوجود شيء مدرك محسوس وبوجود ترتيب معين آت من غير هذا الشيء. وهذا يجعل الخلق آتياً من هذين الأمرين - الأشياء المدركة المحسوسة والترتيب المعيَّن - فيكونان هما الخالقين. هذا هو ما يعنيه القول بأن الخلق هو التقدير والتكييف، وهذا باطل قطعاً. لأن الترتيب المعين لم يأت من الأشياء ولا من نفسه بل قد فرضه على الأشياء المدركة المحسوسة غيرها مما هو ليس مُدركاً ولا محسوساً، وبذلك يتبين أنه لا يمكن أن يكون التكييف والتقدير خلقاً، لأنه يستحيل به وحده أن يتم الإيجاد، بل لا بد من وجود شيء غير مدرك ولا محـسـوس يفرض ترتيباً معيناً للأشـياء المدركة المحـسـوسـة حتى يتأتى الإيجاد. وبهذا يظهر أن التكييف والتقدير ليس بخلق، ولا يمكن أن يتم به وحده إيجاد مطلقاً".

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: اللهم اغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجملنا بالعافية.

يَا مَن لَهُ عَنَتِ الوُجُوهُ بِأسْرِهَا ... رَغَبــًا وَكُـلُّ الكَائِنَــاتِ تُوَحِّــدُ

أنتَ الإلـهُ الواحِـدُ الحَـقُّ الذي ... كــلُّ القلــوبِ لَـهُ تُقِرُّ وَتَشْــهَدُ

وصلى الله وسلم وبارك على عين الرحمة وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، سيدنا محـمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

الخلق هو الإيجاد من العدم، ولا يقوى على الخلق إلا الله الخالق سبحانه وتعالى؛ أما المخلوق فيظل عاجزًا لا يقوى على تدبير شؤون نفسه بنفسه، يدبر بعضها، ويحتاج إلى غيره في تدبير ما تبقى منها. وقد ذكرنا فيما مضى صفات الخالق، وصفات المخلوق المناقضة لها تماما فقلنا: "إن المخلوق عاجز، وناقص، ومحتاج، ومحدود غيرُ أزلي. أما الخالق فهو قادر، وكامل، وغني، وأزليٌ غيرُ محدود".

وقد ناقش القرآن قضية الخلق نقاشًا عقليًا، ليثبت عجز البشر عن الخلق أي عن إيجاد شيء ما من العدم، وأن الله تعالى وحده هو القادر على ذلك، متبعًا في ذلك أسلوب الأسئلة الحوارية:

ففي سورة النحل يسألنا الله جل جلالـه سؤالًا استنكاريًا فيقول: (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ). ‎(النحل ١٧)

وفي سورة الرعد يسأل الله تعالى الذين جعلوا له شركاء: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ). ‎(الرعد ١٦)‏ 

وفي سورة الطور يلقي الله جل جلالـه مجموعة من الأسئلة، يقول الله تعالى وهو خير القائلين: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ‎(٣٥)‏ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ ‎(٣٦) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ). ‎(الطور 37)

‏ وفي سورة فاطر يخاطب الله المشركين فيقول لهم: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا). ‎(فاطر٤٠)

وفي سورة الحج ينادي الله جل في علاه الناس أجمعين متحديا إياهم أن تكون آلهتهم التي يعبدونها من دون الله قادرة على خلق أضعف مخلوق ألا وهو الذباب فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ‎(٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ). ‎(الحج ٧٤) 

بعد هذا العرض السريع لآيات الذكر الحكيم التي تتحدث عن الخلق والإيجاد من العدم، نأتي على ذكر ما ورد في كتاب الشخصية للشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله تعالى - في إثبات صفة القدرة على الخلق من العدم لله سبحانه وتعالى، وإثبات صفة العجز عن الخلق للبشر؛ وقد اتبع الشيخ الخطوات الآتية:

أولا: ذكر أن الأشياء الموجودة قد وجدت من أشياء مدركة ومحسوسة، وأنها خاضعة لنسبة معينة فرضت عليها. فيقول: "أما بالنسبة للأشياء التي توجد فواضح في أنها وجدت من أشياء مدركة محسوسة، وواضح أيضًا في أنها في وجودها خضعت لنسبة معينة فُرضت عليها فرضًا".

ثانيا: بين أن الأشياء الموجودة عاجزة عن إيجاد شيء ما من العدم، وأنها تخضع لنظام معين مفروض عليها، فقال: "وأما بالنسبة للأشياء التي وجدت فواضح في عجزها عن الإيجاد من عدم وواضح في أنها خاضعة جبرًا عنها إلى ترتيب معين فرض عليها فرضًا.

ثالثًا: استدل الشيخ - رحمه الله - من عجز الأشياء عن الإيجاد من العدم، وخضوعها لنظام معين، وهو ليس آتياً منها، وإلا لكانت قادرة على تركه، وعلى عدم الخضوع له، فهو آت من غيرها. استدل بذلك على أن العالم ليس أزليًا، ولا قديمًا، بل هو مخلوق للأزلي القديم. فقال - رحمه الله:- "فعجز الأشياء المدركة المحسوسة في العالم، أي عجز العالم عن الإيجاد من عدم، وخضوعه لترتيب معين آتٍ من غيره دليل يقيني على أن العالم ليس أزليًا، ولا قديمًا، بل هو مخلوق للأزلي القديم".

رابعًا: رد الشيخ على الذين يقولون: إن الخلق هو التقدير والتكييف وينكرون وجود الخالق، فقال - رحمه الله:- "أما الذين يقولون إن الخلق هو التقدير والتكييف وينكرون وجود الخالق من عدم فإن قولهم هذا معناه أن الأشياء المدركة المحسوسة، والترتيب المعين المفروض عليها هما اللذان يخلقان، لأن التقدير والتكييف لا يمكن أن يتأتى إلا بوجود شيء مدرك محسوس، وبوجود ترتيب معين آت من غير هذا الشيء.

خامسًا: وضح الشيخ - رحمه الله - معنى قولهم: "إن الخلق هو التقدير والتكيف". فقال: "وهذا يجعل الخلق آتيًا من هذين الأمرين: -

الأشياء المدركة المحسوسة، والترتيب المعيَّن- فيكونان هما الخالقين. هذا هو ما يعنيه القول بأن الخلق هو التقدير والتكييف، وهذا باطل قطعًا. لأن الترتيب المعين لم يأت من الأشياء ولا من نفسه بل قد فرضه على الأشياء المدركة المحسوسة غيرها مما هو ليس مُدركًا، ولا محسوسًا.

سادسًا: ذكر الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله - في نهاية حديثه النتيجة، والمحصلة النهائية، وخلاصة البحث فقال: "وبذلك يتبين أنه لا يمكن أن يكون التكييف والتقدير خلقـًا؛ لأنه يستحيل به وحده أن يتم الإيجاد، بل لا بد من وجود شيء غير مدرك، ولا محـسـوس يفرض ترتيبًا معينـًا للأشـياء المدركة المحـسـوسـة حتى يتأتى الإيجاد. وبهذا يظهر أن التكييف والتقدير ليس بخلق، ولا يمكن أن يتم به وحده إيجاد مطلقـًا.

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة، مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِمًا، نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ، سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام، وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا، وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه، وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فِي القَريبِ العَاجِلِ، وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها، إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم ، وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.