وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 40) الخالق قادر على إيجاد الأشياء من العدم
وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 40) الخالق قادر على إيجاد الأشياء من العدم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: ...

0:00 0:00
السرعة:
May 07, 2023

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 40) الخالق قادر على إيجاد الأشياء من العدم

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول

(ح 40)

الخالق قادر على إيجاد الأشياء من العدم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

أيها المؤمنون:

أحبّتنا الكرام :

السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا:"وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ الأربعين، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "الخالق قادر على إيجاد الأشياء من العدم".

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله -: "على أن الخالق إذا لم يخلق الأشياء المدركة المحسوسة من عدم لا يكون خالقـًا لأنه يعجز عن إيجاد الأشياء بإرادته وحده، ويخضع لوجود شيء معه يستطيع أن يوجد. وبذلك يكون عاجزًا ويكون غير أزلي لأنه عَجِزَ عن الإيجاد بنفسه واحتاج إلى غيره، والعاجز والمحتاج ليس أزليًا. وفوق ذلك فإن الخالق معناه الواقعي هو الموجد من عدم، وذلك أن معنى كونه خالقـًا أن الأشياء تستند في وجودها إليه وحده وهو لا يستند إلى شيء. فإذا لم يخلق الأشياء من عدم وعجز عن الخلق إذا لم تكن هنالك أشياء موجودة، فإنه يكون مستندًا إلى الأشياء في الإيجاد وتكون الأشياء غير مستندة إليه وحده، وهذا يعني أنه ليس هو وحده الخالق، فلا يكون خالقاً. وإذن لا بد أن يكون الخالق موجداً الأشياء من عدم حتى يكون خالقاً وأن يكون متصفـًا بالقدرة والإرادة، مستغنيـًا عن الأشياء، أي لا يستند إلى شيء وتسـتند الأشياء في وجودها إليه. ومن هنا كان لا بد أن يكون الإيجاد إيجاداً من عدم حتى يكون خلقـًا ولا بد أن يكون الموجد موجدًا من عدم حتى يكون خالقـًا".

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: اللهم اغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجملنا بالعافية.

يَا مَن لَهُ عَنَتِ الوُجُوهُ بِأسْرِهَا ... رَغَبــًا وَكُـلُّ الكَائِنَــاتِ تُوَحِّــدُ

أنتَ الإلـهُ الواحِـدُ الحَـقُّ الذي ... كــلُّ القلــوبِ لَـهُ تُقِرُّ وَتَشْــهَدُ

وصلى الله وسلم وبارك على عين الرحمة وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، سيدنا محـمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

الخَلْقُ: هو الإيجاد من العدم على غير مثال سابق. فالصانع حين يصنع من المواد الخام الموجودة في الكون آلة، أو جهازًا يحاكي بصناعته صناعة من سبقه لا يعد صانعًا مبدعًا ذا مهارةٍ فائقةٍ، وبالطبع لا يعد خالقًا لسببين: الأول: لأنه لم يوجد الآلة من العدم، والثاني: لأنه صنعه على مثال سابق. وكذلك صُنَّاع الأجهزة، والآلات الثقيلة، والطائرات، وغيرها من المخترعات الحديثة صنعوها من مواد موجودة في الكون على مثال سابق يحاكي مخلوقات الله تعالى، فالطائرة تحاكي وتماثل الطائر، حيث إن جسمها يشبه جسم الحمامة، وآلة الحفر الضخمة لها ذراع، ومفاصل، وكف وأصابع تشبه ذراع، ومفاصل، وكف، وأصابع يد الإنسان الذي خلقه الله جل جلالـه.

والآن إخواننا الكرام تعالوا بنا نتأمل قول الله تعالى على لسان سيدنا عيسى عليه السلام في سورة أل عمران حين جاء قومه بالمعجزات الدالة على صدق نبوته قال تعالى: (وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ). (آل عمران 49)

الشاهد فيه قوله: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ). حيث استخدم لفظ الفعل (أخلُقُ)، وأسنده إلى نفسه علمًا أن ما يقوم به ليس إيجادًا من العدم، وهو على مثال سابق (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ). وقد جاء هذا الاستخدام مستساغًا ومقبولا؛ لأن مرد هذا الفعل في النهاية عائد إلى الله تعالى خالق كل شيء؛ لذلك جاء الفعل (أخْلُقُ) مقرونًا بقوله تعالى: (بِإِذْنِ اللَّهِ).       

فلا بد أن يكون الخلق من العدم، ولا بد أن يكون الخالق قادرًا على إيجاد الأشياء بإرادته وحده، يقول الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله -: "على أن الخالق إذا لم يخلق الأشياء المدركة المحسوسة من عدم لا يكون خالقـًا؛ لأنه يعجز عن إيجاد الأشياء بإرادته وحده، ويخضع لوجود شيء معه يستطيع أن يوجد. وبذلك يكون عاجزًا ويكون غير أزلي لأنه عَجِزَ عن الإيجاد بنفسه واحتاج إلى غيره، والعاجز والمحتاج ليس أزليًا".  

وقد أشار القرآن إلى مسألة خلق الله تعالى للإنسان من العدم، وأنه سبحانه قادر على الخلق وحده، دون أن يكون معه إله غيره، فقال جل جلالـه في سورة الإنسان (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا)  

إنَّ سورة الإنسان تبدأ باستفهام تقريري رفيق مُنَبِّهٍ للقلب، يوقظه إلى حقيقةِ عدمه قبل أن يكون، ومن الذي أوجده وجعله شيئا مذكورًا بعد أن لم يكن، وجاء على صيغة الاستفهام تشويقـًا للسامع لينتظر الخطاب الذي يلحقه،


وكلمة (الإنسان) في الآية تعم كل إنسان، إذ البشرُ كلهم مخلوقون، حادثون، وُجدوا بعد أن كانوا في العدم، ولم يكونوا شيئا يذكر، كقوله سبحانه وتعالى في شأن النبي زكريا عليه السلام: (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا). (مريم 9)

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله -: ذكر الله في هذه السورة الكريمة أول حالة الإنسان، ومبتدأها، ومتوسطها، ومنتهاها، فذكر أنه مر عليه دهر طويل - وهو الذي قبل وجوده - وهو معدوم، بل ليس مذكورا" انتهى. من كتاب: "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" (صفحة 900)

ويقول العلامة الطاهر ابن عاشور - رحمه الله -: المعنى: هل يقر كل إنسان موجود أنه كان معدومًا زمانـًا طويلا، فلم يكن شيئا يذكر، أي: لم يكن يُسمَّى ولا يُتحدَّث عنه بذاته، وتعريف (الإنسان) للاستغراق، مثل قوله: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا). (العصر 3) أي هل أتى على كل إنسان حين كان فيه معدوما. و (الدهر): الزمان الطويل. انتهى باختصار." من كتاب: "التحرير والتنوير" (29/345-346)

ولعل هذا القول - وهو مروي عن ابن عباس وابن جريج - أقرب من القول بتعيين آدم عليه السلام مرادًا من قوله (الإنسان)، فالسياق عام، ويدل على عمومه الآية التي بعدها، التي يقول الله تعالى فيها: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)، ومعلوم أن بني آدم هم الذين خلقوا من نطفة أمشاج، فهو دليل على أن المراد بكلمة (الإنسان) في الآية الأولى جميع الناس .وهذا النفي لوجود الإنسان إنما هو بالنسبة للخلق والواقع، وبهذا الاعتبار فالنفي في قوله تعالى: (لم يكن شيئا مذكورًا) يشمل جميع الخلق، حتى الرسل والأنبياء، فكلهم كانوا في العدم ثم خلقهم الله تعالى .أما بالنسبة لذكر الله تعالى وعلمه، فالبشر كلهم مذكورون في العلم الأزلي، مكتوبون في اللوح المحفوظ، وللرسل والأنبياء جميعا ذكر خاص في المرتبة العليا، فهم أفضل البشر، وذكرهم في علم الله تعالى يناسب رفيع مقام النبوة والرسالة التي وهبهم الله إياها .

وفي سورة الطور سؤال تقريري مفاده أن البشر ليسوا خالقين، بل مخلوقون من غير شيء، وأنهم لم يخلقوا السماوات والأرض. لم يخلقها إلا اللهُ جلَّ وعلا. قال تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ‎(٣٥)‏ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ). ‎(الطور ٣٦)

وفي سورة مريم في مسألة خلق الإنسان عمومًا قال الله تعالى: (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا).‏ ‎(مريم ٦7)

وفي سورة آل عمران في مسألة خلق نبي الله عيسى عليه السلام قال الله تعالى: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ). (آل عمران ‎٤٧)‏

وفي سورة المؤمنون في مسألة وحدانية الله، وتفرده في عملية الخلق قال تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ). ‎(المؤمنون ٩١)

وفي سورة الأنبياء في مسألة وحدانية الله، وتفرده في عملية الخلق، قال تعالى:‏ (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ). ‎(الأنبياء ٢٢) ‏ 

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله - مؤكدًا ما جاء من معان في تلك الآيات ونظيراتها: وفوق ذلك فإن الخالق معناه الواقعي هو الموجد من عدم، وذلك أن معنى كونه خالقـًا أن الأشياء تستند في وجودها إليه وحده وهو لا يستند إلى شيء. فإذا لم يخلق الأشياء من عدم وعجز عن الخلق إذا لم تكن هنالك أشياء موجودة، فإنه يكون مستندًا إلى الأشياء في الإيجاد وتكون الأشياء غير مستندة إليه وحده، وهذا يعني أنه ليس هو وحده الخالق، فلا يكون خالقـًا. وإذن لا بد أن يكون الخالق موجدًا الأشياء من عدم حتى يكون خالقـًا وأن يكون متصفاً بالقدرة والإرادة، مستغنيـًا عن الأشياء، أي لا يستند إلى شيء وتسـتند الأشياء في وجودها إليه. ومن هنا كان لا بد أن يكون الإيجاد إيجادًا من عدم حتى يكون خلقـًا، ولا بد أن يكون الموجِدُ مُوجِدًا من عدم حتى يكون خالقـًا.

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة، مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِمًا، نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ، سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام، وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا، وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه، وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فِي القَريبِ العَاجِلِ، وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها، إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم ، وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.