وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 53)  من الإيمان بالنار الإيمان بأن عذابها عذاب محسوس
وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 53)  من الإيمان بالنار الإيمان بأن عذابها عذاب محسوس

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: ...

0:00 0:00
السرعة:
July 05, 2023

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 53) من الإيمان بالنار الإيمان بأن عذابها عذاب محسوس

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول

(ح 53)

 من الإيمان بالنار الإيمان بأن عذابها عذاب محسوس

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

أيها المؤمنون:

أحبّتنا الكرام :

السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا:"وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ الثالثةِ والخمسين، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "من الإيمان بالنار الإيمان بأن عذابها عذاب محسوس".

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله -: "ومن الإيمان بالنار الإيمان بأن عذابها عذاب محسوس، وأن أهلها يسامون أنواع العـذاب في النار والزمهرير، والقيح المغلي وغير ذلك مما ورد في صريح القرآن مثل التعـذيب بالسلاسل والأغلال والقطران وأطباق النيران وأكلهم الزقوم وشربهم الماء كالمهل والحميم. قال الله تعالى: (سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ). ‎(إبراهيم٥٠)‏ وقال: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا). (الإنسان4) وقال: ( إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ‎(٤٣)‏ طَعَامُ الْأَثِيمِ ‎(٤٤)‏ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ‎(٤٥)‏ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ). (الدخان46)

وقال: ( فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ‎(٤٢)‏ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ ‎(٤٣)‏ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ).‏ (الواقعة44) وقال: (وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا). (الكهف29‏) وقال: (وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ‎(٣٦)‏ لَّا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ). (الحاقة ٣٧)

وقال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا). ‎(النساء ٥٦‏)

وقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ). ‎(فاطر٣٦) وقال: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ‎(٥١)‏ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ ‎(٥٢)‏ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ‎(٥٣)‏ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ‎(٥٤)‏ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ‎(٥٥)‏ هَٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ). (الواقعة51-55) وقال: (‏النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ). ‎(غافر٤٦‏)". 

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: حقًا إن عذاب أهل النار عذاب محسوس، وإن مركز الإحساس في جسم الإنسان موجود تحت الجلد، لم يكتشف علم التشريح ذلك إلا في القرن العشرين حيث وجد الأطباء أن في طبقة الجلد مراكز عصبية وظيفتها تلقّي الإحساس بالحرارة، وتحويله إلى إحساس بالألم، فالحروق الأشد ألمًا هي حروق الدرجة الأولى والثانية التي تصيب طبقات الجلد دون أن تُتْلِفَها نهائيًا. أما حروق الدرجة الثالثة التي تخرق الجلد، وتتلفه، وتصل إلى العضلات والعظام، فألمها وقتي يكون حين الإصابة فقط؛ لذلك كلما نضجت جلود الكفار أي شويت يوم القيامة في نار جهنم، وتوقف الألم؛ فإن الله جل جلالـه يبدل لهم جلودهم؛ كي يتجدد الألم؛ وليذوقوا العذاب الأليم عقابًا لهم على كفرهم، وعصيانهم.

قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا). (النساء 56) ووجه الإعجاز في الآية القرآنية أنها أشارت إلى أن مراكز الألم والإحساس تتركز في الجلد وحده دون بقية الجسم، وهذا ما كشفت عنه الدراسات التشريحية الحديثة، لذلك يبدل الله جلود الكفار كلما نضجت يوم القيامة، ليستمر الألم، قال تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا). فهل كان لنبينا مُحمد صلى الله عليه وسلم دراية في علم التشريح، والأنسجة فاقت عصره حتى جاء بما لم يعلمه البشر إلا بعد أربعة عشر قرناً تلت؟ أم أن هذه آية من آيات الله تشهد أن القرآن كلام الله؟ فسبحان القائل: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ). كشف علم التشريح أن كل أعصاب الإحساس موجودة تحت الجلد مباشرة فلو احترق الجلد ووصل الكيّ إلى اللحم لما كان هناك شعور بالألم، لأن الأعصاب التي تشعر بالألم موجودة تحت الجلد فقط، فتجعل الإنسان يشعر بالألم وتنقله إلى مراكز الجملة العصبية المركزية (المُخَيخ).

إن أهم وظيفة لجلد الإنسان هو الإحساس بجميع أشكاله، من لمس، وحرارة، وألم إذ هو المستقبل الرئيس لها. والجلد ليس عضوًا ثانويًا، إنما هو عضو فعال، وله شأنه الكبير في بقاء الحياة، وحفظ صحتها. وكان قديماً يُعتقد أن الإحساس من صفات الجسد بكل أجزائه، لكن علم التشريح الحديث جاء بحقيقة جديدة وهي: أن مراكز الإحساس بالألم وغيره من أنماط الإحساس إنما تتركز في طبقات الجلد الخارجية بشكل أساسي دون بقية الجسد. والألم يحصل؛ لأن على سطح الجلد الفسيح يوجد ما يدعى بنقاط الحس، فالجلد وحده مصدر الألم والإحساس. حتى إن المريض لا يشعر بالألم عندما يأخذ الحقنة إلا عند دخولها لمنطقة الجلد فقط، وفي قوله تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ). إشارة إلى أنّ جلد الإنسان هو المستقبل لأحاسيس الألم، وبه يشعر الكفار يوم القيامة بالعذاب. نعوذ بالله من النار ومن عذاب أهل النار، وليس جلد الإنسان الخارجي وحده هو الذي يحس بالعذاب فحسب، بل إن جلده الداخلي يحس به كذلك، فلسانه، وأمعاؤه في بطنه تحس بالعذاب أيضًا، لذلك قد أعد الله لأهل النار طعامًا وشرابًا خاصًا بهم يزيدهم عذابا فوق عذابهم، فطعامهم هو الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم، والغسلين، والغساق- والعياذ بالله - قال تعالى مخاطبا أهل النار: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ‏فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ‏ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ‎هَٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ). (الواقعة 51- 55) يجوع أهل النار، فيأكلون من شجرة الزقوم، وهي قبيحة المنظر خبيثة الثمر، يأكلون منها إلى درجة ملء البطون، فإذا امتلأت بطونهم أخذت تغلي في أجوافهم، فيجدون لذلك آلاما مبرحة. فإذا بلغ الحال بهم هذا المبلغ اندفعوا إلى الحميم، وهو الماء الحار الذي تناهى حره فشربوا منه كما تشرب الإبل ولا ترتوي لمرض أصابها. وعند ذلك يقطع الحميم أمعاءهم. قال تعالى: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ). (محمَّد15)

ومن طعام أهل النار الغسلين والغساق، وهما بمعنى واحد، وهو ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد. قال تعالى: (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ). (الحاقة37) وقال: (‏لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ‎جَزَاءً وِفَاقًا‎). (النبأ 24-26) ويسقى الكافر الصديد بعنف، ويتجرعه غصبًا وكرهًا، ولا يكاد يسيغه لقذارته، ومرارته، ويأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان، ولكن كما قال رب العزة: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا). (فاطر36) وذلك لكي يستكمل الكافر عذابه هذا ومن ورائه عذاب غليظ أشد من العذاب الذي قبله، قال تعالى: (مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ). (إبراهيم17) أعاذنا الله وإياكم منه. ولم يقف الأمر في عذاب أهل النار عند حد إحساس الجلد، والطعام والشراب في البطون، بل تعدى ذلك إلى لباسهم، حيث يلبس أهل النار ثيابًا من نار وقطران، قال تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ‏ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ‎). (الحج 19- 22) فالكفار قطعت لهم ثياب من نار أي جهزت، وفصلت لهم ليلبسوها، وليذوقوا حينئذ عذاب الحريق، ووصف الله تعالى قمصانهم فقال: (سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ‎). (إبراهيم 50) سرابيلهم أي قمصانهم من قطران، والقطران الذي تهنأ به الإبل حين طلائها من الجرب، وهو النفط الخام لونه أسود وقابل للاشتعال، وقيل القطران: النحاس المنصهر. أعاذنا الله وإياكم من النار. إن أهل النار يعانون أصنافا كثيرة من العذاب البدني الحسي مثل: إنضاج الجلود، والصهر، وهو صب الحميم على رؤوسهم، والضرب بالمقامع من حديد وهي المطارق، واللفح للوجوه، قال تعالى: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ). (المؤمنون104) والسحب، وهو سحب الكفار على وجوههم، وتسويد الوجوه. قال تعالى: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ). (القمر48) وقال: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ) (الزمر60) وهناك عذاب آخر له وطأة شديدة عليهم ألا وهو العذاب المعنوي أو النفسي، ومن ذلك:

أولا: المقت أي الكره الشديد: لأنفسهم، والمقت الشديد من الله عليهم، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ) (غافر10)

ثانيا: الحسرة والندامة، عندما يرى الكفار النار يندمون أشد الندم، ويعلو صراخهم، ويشتد عويلهم، ويدعون ربهم آملين أن يخرجهم من النار. قال تعالى: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ‎رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ‏قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ). (المؤمنون 106- 108)

ولقد أرعبني وأفزعني هذا المشهد من مشاهد يوم القيامة حين استمعت إليه من الإمام وهو يرتله في الركعة الأخيرة من صلاة القيام في رمضان، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). (يونس 27) ‎ 

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة، مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِمًا، نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ، سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام، وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا، وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه، وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فِي القَريبِ العَاجِلِ، وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها، إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم ، وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.