وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 58)  نشأة المتكلمين ومنهجهم
وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 58)  نشأة المتكلمين ومنهجهم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: ...

0:00 0:00
السرعة:
July 15, 2023

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 58) نشأة المتكلمين ومنهجهم

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول

(ح 58)

 نشأة المتكلمين ومنهجهم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

أيها المؤمنون:

أحبّتنا الكرام :

السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا:"وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ الثامنةِ والخمسين، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "نشأة المتكلمين ومنهجهم".

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله -: "نشـأة المتكلمين ومنهجهم: آمن المسلمون بالإسلام إيمانًا لا يتطرق إليه ارتياب، وكان إيمانهم من القوة بحيث لا يثير فيهم أية أسئلة مما فيه شبهة التشكيك، ولم يبحثوا في آيات القرآن إلا بحثاً يدركون فيه معانيه إدراكًا واقعيًا في الأفكار. ولم يتطرقوا إلى الفروض التي تترتب على ذلك، ولا النتائج المنطقية التي تستخلص منه. وقد خرجوا إلى العالم يحملون هذه الدعوة الإسلامية للناس كافة، ويقاتلون في سبيلها، وفتحوا البلدان، ودانت لهم الشعوب. وقد انصرم القرن الأول للهجرة كله وتيار الدعوة الإسلامية يكتسح أمامه كل شيء، والأفكار الإسلامية تعطى للناس كما تلقاها المسلمون، في فهم مشرق، وإيمان قطعي ووعي مدهش. إلا أن حمل الدعوة الإسلامية في البلدان المفتوحة أدى إلى الاصطدام الفكري مع أصحاب الأديان الأخرى ممن لم يدخلوا الإسلام بعد، وممن دخلوا في حظيرته. وكان هذا الاصطدام الفكري عنيفاً. فقد كان أصحاب الأديان الأخرى يعرفون بعض الأفكار الفلسفية، وعندهم آراء أخذوها عن أديانهم، فكانوا يثيرون الشبهات، ويجادلون المسلمين في العقائد. لأن أساس الدعوة مبني على العقيدة والأفكار المتعلقة بها. فكان حرص المسلمين على الدعوة الإسلامية، وحاجتهم للرد على خصومهم، قد حمل الكثيرين منهم على تعلم بعض الأفكار الفلسفية لتكون بيدهم سلاحاً ضد خصومهم". 

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: اشتملت كلمة الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله - على الأفكار الآتية:

  1. آمن المسلمون الأوائل بالإسلام إيمانًا لا يتطرق إليه ارتياب، وكان إيمانهم من القوة بحيث لا يثير فيهم أية أسئلة مما فيه شبهة التشكيك.
  2. لم يبحث المسلمون الأوائل في آيات القرآن إلا بحثًا يدركون فيه معانيه إدراكًا واقعيًا في الأفكار.
  3. لم يتطرق المسلمون الأوائل إلى الفروض التي تترتب على ذلك، ولا النتائج المنطقية التي تستخلص منه. وقد خرجوا إلى العالم يحملون هذه الدعوة الإسلامية للناس كافة، ويقاتلون في سبيلها، وفتحوا البلدان، ودانت لهم الشعوب.
  4. انصرم القرن الأول للهجرة كله، وتيار الدعوة الإسلامية يكتسح أمامه كل شيء، والأفكار الإسلامية تعطى للناس كما تلقاها المسلمون، في فهم مشرق، وإيمان قطعي ووعي مدهش.
  5. إن حمل الدعوة الإسلامية في البلدان المفتوحة أدى إلى الاصطدام الفكري مع أصحاب الأديان الأخرى ممن لم يدخلوا الإسلام بعد، وممن دخلوا في حظيرته.
  6. كان الاصطدام الفكري عنيفًا. فقد كان أصحاب الأديان الأخرى يعرفون بعض الأفكار الفلسفية، وعندهم آراء أخذوها عن أديانهم، فكانوا يثيرون الشبهات، ويجادلون المسلمين في العقائد.
  7. كان حرص المسلمين على الدعوة الإسلامية عظيمًا؛ لأن أساس الدعوة مبني على العقيدة والأفكار المتعلقة بها.
  8. حاجة المسلمين الأوائل للرد على خصومهم، قد حمل الكثيرين منهم على تعلم بعض الأفكار الفلسفية لتكون بيدهم سلاحًا ضد خصومهم.

تعريف علم الكلام:

علم الكلام: "علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج، ودفع الشبه". قال ابن خلدون: "هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية". وعرف أيضًا بأنه: "علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى، وصفاته، وأحوال الممكنات من المبدأ، والمعاد على قانون الإسلام". وعُرِّفَ كذلك بأنه "علم يقتدر معه على إثبات الحقائق الدينية بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها".

وسمي علم الكلام بهذا الاسم لعدة أسباب منها:

  1. أن مسألة الكلام هي من أشهر مباحثه التي وقع فيها نزاع وجدل بين المتكلمين، والمقصود من مسألة الكلام هي مسألة خلق القرآن التي تبنتها المعتزلة، ونفوا صفة الكلام عن الله تعالى، وأكثروا فيها القيل والقال.
  2. وقيل لأن العادة جرت عند المتكلمين الباحثين في أصول الدين أن يعنونوا لأبحاثهم بـ "الكلام في كذا... إلخ".
  3. وقيل لأن الكلام، والمجادلة، والقيل، والقال قد كثر فيه وأصبح سمة لأهله.

نشأة علم الكلام:

من خلال استعراض كتب العقيدة والفرق الإسلامية، يتضح أن الكلام في العقيدة ظهر في أواخر عصر الصحابة رضي الله عنهم، ولم يكن بعد قد اتضحت معالمه، وأصبح هو الأصل في تقرير العقيدة، ولكن ضل الكلام في هذه الحقبة في بعض جوانب العقيدة دون بعض، وموافقة أغلب المتكلمين لأهل السنة في سائر أبواب العقيدة، حتى إذا اجتمعت هذه الأصول التي تكلم فيها المتكلمون ولملم شتاتها ظهر علم الكلام الذي يمثل الشق والطرف المخالف لأهل السنة في إثبات وتقرير العقائد ابتداء على أيدي المعتزلة. وأول ما يطلعنا في كتب العقائد والفرق، الكلام في القدر.

فقد روى مسلم، بسنده عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة، معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوافق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن، ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف. (قوله: يتقفرون العلم: أي: يطلبون العلم ويقرءون القرآن، أي أن في البصرة أناسًا يقرءون القرآن ويطلبون العلم، ولكنهم يعتقدون هذه العقيدة الخبيثة وهي نفي القدر، وقوله: وأن الأمر أنُفٌ: أي مستحدث لم يسبق أن الله قدره وكتبه وأوجده). قال عبد الله بن عمر: "إذا لقيت أولئك، فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم ساق حديث جبريل الطويل المعروف المشهور، وسؤاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، والساعة.

يقول الشهرستاني: "أما الاختلافات في الأصول فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة قام بها معبد الجهني وغيلان الدمشقي، ويونس الأسواري، في القول بالقدر، وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر، ثم ظهر القول بخلق القرآن، ونفي الصفات على يد الجعد بن درهم، قال بن كثير: "كان الجعد بن درهم من أهل الشام وهو مؤدب مروان الحمار - مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية - ولهذا يقال له: مروان الجعدي - فنسب إليه -، وهو شيخ الجهم بن صفوان، الذي تنسب إليه الطائفة الجهمية الذين يقولون: "إن الله في كل مكان بذاته".

وقد روى الإمام البخاري رحمه الله في (خلق أفعال العباد) أن خالد بن عبد الله القسري، قام بواسط في يوم أضحى وقال: "ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد بن درهم زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله علوًا كبيرًا عما يقول الجعد بن درهم ثم نزل فذبحه"، وكان ذلك عام 188هـ تقريبًا.

وفي مقابل غلو الخوارج برز قرن المرجئة والكلام في الإيمان، وظهر الكلام في الإرجاء، وإخراج العمل عن مسمى الإيمان، وأول من أظهر هذا القول، ذر ابن عبد الله الهمداني. روى أن إبراهيم النخعي أنه كان يقول لذر: "ويحك يا ذر ما هذا الدين الذي جئت به؟"، قال ذر: "ما هو إلا رأي رأيته". قال: ثم سمعت ذرًا يقول: "إنه لدين الله الذي بُعث به نوح". وقيل: "أول من أحدث الإرجاء، وتكلم في مسألة الإيمان قيس الماصر، نقل الحافظ ابن حجر ذلك عن الأوزاعي قال: "أول من تكلم في الإرجاء رجل من أهل الكوفة يقال له قيس الماصر". وقيل: "أول من أحدثه حماد بن أبي سليمان، شيخ أبي حنيفة، وتلميذ إبراهيم النخعي، ثم تبعه أهل الكوفة وغيرهم، ذكر ذلك شيخ الإسلام بن تيمية.

قال البغدادي: ثم حدث في زمان المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية في القدر، والاستطاعة من معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، والجعد بن درهم، وتبرأ منهم المتأخرون من الصحابة كعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، وعقبة بن عامر الجهني، وأقرانهم، وأوصوا أخلافهم بأن لا يسلموا على القدرية، ولا يصلوا على جنائزهم، ولا يعودوا مرضاهم، ثم اختلفت الخوارج بعد ذلك فيما بينها،


ثم أتت البدايات الأولى لوعيدية المعتزلة، والقول بالمنزلة بين المنزلتين، يقول البغدادي: ثم حدث في أيام الحسن البصري خلاف واصل بن عطاء الغزالي، في القدر، وفي المنزلة  بين المنزلتين، وانضم إليه عمر بن عبيد في بدعته، فطردهما الحسن من مجلسه، فاعتزلا إلى سارية من سواري مسجد البصرة، فقيل لهما ولأتباعهما "معتزلة" لاعتزالهم، وقولهم: "إن الفاسق من أمة الإسلام لا مؤمن، ولا كافر".

وقال الشهرستاني في معرض الحديث عن البدع والمُحدَثات التي كانت في أواخر عصر الصحابة أولها بدعة القدر كما مر معنا قال: "ونسج على منوالهم واصل بن عطاء الغزال، وكان تلميذ الحسن البصري، وتلمذ له عمر بن عبيد، وزاد عليه في مسائل القدر، والوعيدية من الخوارج، والمرجئة من الجبرية، والقدرية، ابتدءوا بدعتهم في زمان الحسن، واعتزل واصل عنهم، وعن أستاذه بالقول منه بالمنزلة بين المنزلتين، فسمي هو وأصحابه معتزلة، وقد تلمذ له زيد بن علي، وأخذ الأصول، فلذلك صارت الزيدية كلهم معتزلة".

وهكذا بدأ الكلام في مسائل الاعتقاد، وإن كان مفرقًا، لكنه أشبه ما يكون بالسيل، يبدأ قطرات ثم ما يلبث أن يتجمع ثم يطبق بعد ذلك الأرض.

وهكذا انتقل علم الكلام إلى طور جديد أكثر تطورًا، وأكثر فاعلية ووضوحًا، على يد الجهم بن صفوان الذي جمع شتات الأقوال السابقة، وأخرجها من مخرج واحد، وصبها في بوتقة واحدة.

قال الذهبي رحمه الله: "عن الجهم أبي محرز الراسبي مولاهم السمرقندي الكاتب رأس الضلالة ورأس الجهمية كان صاحب ذكاء وجدل... وكان ينكر الصفات وينزه الباري عنها بزعمه ويقول بخلق القرآن ويقول بأن الله في كل مكان". يقول الدكتور سفر الحوالي: "أما الجهم بن صفوان فهو رأس الضلالات وأس البليات جعله الله فتنة الناس، وسبباً للإضلال، كما جعل السامري في بني إسرائيل، وحسبنا أن نعلم أن هذا الرجل الذي كان من شواذ المبتدعة في مطلع القرن الثاني قد ترك من الأثر في الفرق الإسلامية الاثنتين والسبعين، ما لا يعادله أثر أحد غيره، هذا مع أنه ليس بإمام يحتج بقوله ولا عالم يعتد بخلافة ولا شهد له أحد بخير". روى اللالكائي، بسنده عن أحدهم: "قرأت في دواوين هشام بن عبد الملك، إلى عامله بخرسان نصر بن سيار، أما بعد فقد نجم قبلك رجل من الدهرية من الزنادقة يقال له جهم بن صفوان، فإن أنت ظفرت به فاقتله، وإلا فادسس إليه من الرجال غيلة ليقتلوه".

ونقل الحافظ بن حجر عن ابن أبي حاتم، أن سلم بن أحواز، عامل نصر بن سيار على مرو، لما قبض على جهم قال: "يا جهم، إني لست أقتلك لأنك قاتلتني، أنت عندي أحقر من ذلك، ولكن سمعتك تتكلم بكلام باطل أعطيت لله عهدًا أن لا أملك إلا قتلك. فقتله". وبظهور الجهم بن صفوان، تحول علم الكلام من طور الإنشاء إلى طور أكثر تناسقاً، بل إلى طور الظاهرة، وذلك للأثر السيئ الذي تركه الجهم بن صفوان في الفرق الإسلامية المختلفة، حتى تأثرت هذه الفرق به في قليل أو كثير من أصوله، ولاسيما في الصفات حتى المنتسبون للسنة من أهل الكلام، فهم على أصوله في كثير من أصول الاعتقاد.

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة، مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِمًا، نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ، سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام، وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا، وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه، وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فِي القَريبِ العَاجِلِ، وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها، إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم ، وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.