وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 61)  تكوُّن علم الكلام، ونشوء جماعة المتكلمين
وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 61)  تكوُّن علم الكلام، ونشوء جماعة المتكلمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: ...

0:00 0:00
السرعة:
August 10, 2023

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 61) تكوُّن علم الكلام، ونشوء جماعة المتكلمين

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول

(ح 61)

 تكوُّن علم الكلام، ونشوء جماعة المتكلمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

أيها المؤمنون:

أحبّتنا الكرام:

السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا: "وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ الخامسة والخمسين، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "تكوُّن علم الكلام ونشوء جماعة المتكلمين".

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله -: "فهذان العاملان وهما: أحكام الإسلام وأفكاره في الجدال، ووجود أفكار فلسفية، هما اللذان دفعا المسلمين للانتقال إلى الأبحاث العقلية والأفكار الفلسفية يتعلمونها ويتخذونها مادة في مناقشاتهم ومجادلاتهم وبررا ذلك. إلا أن ذلك كله لم يكن دراسة فلسفية كاملة، وإنما دراسة أفكار فلسفية للرد على النصارى واليهود، لأنه ما كان يتسنى للمسلمين الرد إلا بعد الاطلاع على أقوال الفلاسفة اليونان. لا سيما ما يتعلق منها بالمنطق واللاهوت. ولذلك اندفعوا إلى الإحاطة بالفرق الأجنبية وأقوالها وحججها. وبذلك أصبحت البلاد الإسلامية ساحة تُعرض فيها كل الآراء وكل الديانات ويُتجادل فيها. ولا شك أن الجدل يستدعي النظر والتفكير ويثير مسائل متعددة تستدعي التأمل، وتحمل كل فريق على الأخذ بما صح عنده، فكان هذا الجدل والتفكير مؤثراً إلى حد كبير في إيجاد أشخاص ينهجون نهجاً جديداً في البحث والجدل والنقاش. وقد أثَّرت عليهم الأفكار الفلسفية التي تعلموها تأثيراً كبيراً في طريقة استدلالهم، وفي بعض أفكارهم، فتكوَّن من جراء ذلك علم الكلام وصار فناً خاصاً، ونشأت في البلاد الإسلامية بين المسلمين جماعة المتكلمين". 

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: هذه الفقرة في الصفحة الحادية والخمسين من كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول وضحت، وبينت كيف تكون علم الكلام، وكيف نشأت جماعة المتكلمين، وقد اشتملت على الأفكار الآتية:

أولا: أحكام الإسلام، وأفكاره في الجدال، ووجود أفكار فلسفية، هذان العاملان هما اللذان دفعا المسلمين الأوائل للانتقال إلى الأبحاث العقلية والأفكار الفلسفية يتعلمونها ويتخذونها مادة في مناقشاتهم ومجادلاتهم وبررا لهم ذلك.

ثانيا: ذلك كله لم يكن دراسة فلسفية كاملة، وإنما دراسة أفكار فلسفية للرد على النصارى واليهود؛ لأنه ما كان يتسنى للمسلمين الرد إلا بعد الاطلاع على أقوال الفلاسفة اليونان، لا سيما ما يتعلق منها بالمنطق واللاهوت.

ثالثا: اندفع المسلمون الأوائل إلى الإحاطة بالفرق الأجنبية وأقوالها وحججها. وبذلك أصبحت البلاد الإسلامية ساحة تُعرض فيها كل الآراء وكل الديانات ويُتجادل فيها.

رابعا: إن الجدل يستدعي النظر والتفكير، ويثير مسائل متعددة تستدعي التأمل، وتحمل كل فريق على الأخذ بما صح عنده، فكان هذا الجدل والتفكير مؤثراً إلى حد كبير في إيجاد أشخاص ينهجون نهجاً جديداً في البحث والجدل والنقاش.

خامسا: لقد أثَّرت على المسلمين الأوائل الأفكار الفلسفية التي تعلموها تأثيراً كبيراً في طريقة استدلالهم، وفي بعض أفكارهم، فتكوَّن من جراء ذلك علم الكلام وصار فناً خاصاً، ونشأت في البلاد الإسلامية بين المسلمين جماعة المتكلمين.

منطق أرسطو طاليس:

منطق أرسطو طاليس من الأفكار الفلسفية التي تأثر بها المسلمون الأوائل، تعالوا بنا نلقي الضوء عليه. يُقال في تعريف المنطق: إنه علم القوانين الذي يعصم الذهن عن الخطأ في التفكير، ويُقال فيه أيضا: أنه الميزان الذي تُقاس به الأفكار، والقدماء لم يعرفوا إلا منطقاً واحداً، والمتعارف عليه باسم "منطق أرسطو" وهو المنطق الكامل التام في نظر الأغلبية من الذين يتناولونه بشكل مباشر في دراستهم أو بشكل غير مباشر في حياتهم العامة، وهذا الرأي كان ولا زال شائعا عنه.

يقول الفيلسوف الشهير "كانت" عنه: "إنه منذ أيام أرسطو لم يتراجع في المنطق خطوة واحدة إلى الوراء، وكذلك لم يتقدم إلى الأمام، ولعله تم اعتباره على ما يبدو تاماً كاملاً." هذا الاقتناع الشديد بتمام منطق أرسطو لم يقتصر على الآباء الغربيين فقط، ولكنه انتقل إلى مفكري المسلمين الأوائل.

ولم يختلف منهم أحد على صحة هذا الكلام إلا العلامة ابن خلدون، وهو الوحيد الذي ثار على هذا النمط من التفكير، وقد حاول هذا المفكر العبقري والمؤرخ العظيم أن يهدم منطق أرسطو ويبني بدلا منه منطقاً جديداً يستند إلى الواقع الاجتماعي المُتغير، ولكن لم يفهمه أحد وقتها، ولا ننسى مقولته الشهيرة التي ذهبت مع الريح وكأنها صرخة في وادٍ مُعللاً رأيه في منطق أرسطو فيقول: إن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط لكثرة ما فيها من الانتزاع وبُعدها عن المحسوس.

وبالفعل انتقلت قوانين منطق أرسطو إلى الأجيال المسلمة لا شعورياً ودون أي وعي، وقد يكون انقطاع المسألة البحثية من حياة المسلمين هو السبب الأهم في انتشار المنطق القديم بين جوانب تفكيرنا إلى الآن، وعلى عكس الغرب الذين قاموا بثورة فكرية ضخمة بعد نشأة العلوم الاجتماعية على قوانين منطقهم القديم، فما زلنا نحن إلى الآن نقوم بتدريس القوانين نفسها في حلقات العلم ولقاءات الفلسفة وغيرها، نُدرسها وكأنها صورة كاملة تامة عن الكون والحياة كما كان يتم تدريسها في بلاد الإغريق عند نشأة هذا العلم.

يقول عالم الاجتماع د.علي الوردي في كتابه "خوارق اللاشعور": وقد تغلغل هذا المنطق في أعماق عقولنا بحيث أمسينا متأثرين به تأثراً لا شعورياً، فكثير منّا لم يدرس قواعد المنطق في حياته، ولكنه مع ذلك يجري في تفكيره على النمط نفسه الذي يقتضيه منطق أرسطو، وهذا ناتج من تأثير الجو الفكري العام على أذهاننا، فنحن في طفولتنا نسمع الكبار يتجادلون ويكتبون ويخطبون على وتيرة معينة، هذه الوتيرة في عقولنا الباطنة ونبقى متأثرين بها طول حياتنا من حيث نشعر أو لا نشعر.

ويدور منطق أرسطو حول ما يُسمى "القياس المنطقي"، وتتلخص فكرة عمله في التسلسل من المقدمات إلى النتائج أو بمعنى آخر من المعلوم إلى المجهول، وذلك حسب قوانين تم صياغتها لخدمة هذا القياس، وهي قوانين المنطق الثلاثة: المقدمة الكبرى، والمقدمة الصغرى، والنتيجة).

لنعُد مرة أخرى إلى القياس المنطقي، حيث يقوم المناطقة بإعطاء مثال شهير لتوضيح مقصدهم من التسلسل (من المعلوم إلى المجهول) فيقولون "كل إنسان فان، وسقراط إنسان، إذًا فإن سقراط فان" هذا هو النمط الفكري الذي يتميز به منطق أرسطو، وهذا منطق شائع جداً في تفكيرنا، ويغلب على أكثر أحاديثنا. وهنا سنقف لنوضح أمراً مهماً، وهو أن العلوم الاجتماعية ترى إشكاليات ضخمة في البنية الأساسية التي قام عليها هذا المنطق، وذلك لأن النتائج التي يؤدي إليها هذا المنطق هي نتائج بعيدة كل البعد عن الحياة الواقعية، لذا فإن بعض علماء الاجتماع أطلقوا على هذا المنطق "منطق البرج العاجي" فهو ليس بالمنطق الذي يسعى للوقوف على المشكلات الاجتماعية وحلها، ولكنه عبارة عن مجموعة من القوانين التي أخذت صور ثابتة عن الكون والحياة، في حين أن الحياة تعتمد في بنيتها على الصيرورة الدائمة والحركة المستمرة.

إننا لو نظرنا إلى الظروف الاجتماعية والفكرية التي أحاطت بنشأة هذا المنطق، بدايةً من ظهور جماعة السفسطائيين، والذين توصلوا إلى حقيقة مؤداها: إن الحقيقة نسبية غير مطلقة، وإن مقياس هذه الحقيقة هو الإنسان بمصالحه، ورغباته، وشهواته، وبالتالي فإنهم جعلوا من الإنسان مصدراً للحقيقة المتغيرة بتغير مصالحه، ورغباته، ثم وقوف سقراط ضدهم، ثم أفلاطون من بعده، ثم اكتمال قوانين المنطق على يد أرسطو من بعدهم، وكان هذا المنطق هو الضربة القاضية على الحركة السفسطائية، ونصراً لفلسفة أرسطو التي تؤمن بحقيقة واحدة فقط، وهي الحقيقة المطلقة، وعلى قدرة العقل البشري من النظر فيها، والوصول إليها. نعم للأسف انتصر منطق أرسطو، وأصبح لفظ السفسطة ذماً لا يتمنى أي إنسان أن يُوصف به!

يقول الدكتور علي الوردي في كتابه "خوارق اللاشعور": لعلنا لا نُغالي إذا قلنا بأن انتصار منطق أرسطو واندحار الفلسفة السفسطائية كان من سوء حظ البشرية، فالسفسطة فلسفة لا تخلو من صواب، وهي تُمثل وجهاً لا بأس به من حقيقة الكون. ويقول "مانهايم" أيضا: "إن الحقيقة نسبية، ومطلقة في آن واحد، أو هي بعبارة أخرى ذاتية وموضوعية معاً. كان فلاسفة الإغريق من أصحاب العبيد، فكانوا غير مضطرين للتفكير في كيفية الحصول على رزقهم، إنهم لم يعانوا من مشاكل الحياة ما يجعلهم يفكرون فيها تفكيراً جدياً، فقد كان انتصار أرسطو سبباً ضخماً في جعل المفكرين يشتغلون بالنظر في جانب واحد من الحقيقة وهو الجانب المطلق، وأهملوا الجانب الآخر الذي له الأهمية نفسها، وبالتالي فقد كان منطق أرسطو عاملاً مهماً في عزل أصحاب الفكر عن الناس، فصنع طبقتين منفصلتين: الأولى طبقة جلست في برجها العاجي تتلذذ بالتأمل في الحقيقة المجردة. والثانية طبقة بقيت منجرفة بتيار الحياة ونزاعاتها اليومية، وكل آمالها أن تستطيع التكيف مع وقائع الحياة وحقائقه المتغيرة يومياً.

هرقليطس وعدم إمكانية النزول في النهر مرتين:

ماذا كان يعني هرقليطس بقوله الشهير: "نحن لا يمكننا النزول في النهر الواحد مرتين؛ لأن مياهه تتجدد باستمرار"؟ رفض هرقليطس نظريات أحادية الكون لأرسطو طاليس وغيره، وبدلا من ذلك أكّد على عملية التدفق أو التغيير المستمر. اعتقد هرقليطس أن لا شيء في هذا الكون يميل للاستقرار والدوام؛ لأن كل شيء بالنهاية سيتحطم، ويتغير إلى شيء آخر، وهنا من بين الأشياء المتغيرة يدخل الإنسان بعنصريه: الجسم، والروح في تأكيده على أن كل شيء هو في تدفق مستمر.

استخدم هرقليطس النهر تشبيهاً لذلك التدفق المستمر، باعتبار أن النهر في تغير دائم، وعندما ننزل في المرة القادمة يكون ماء النهر قد تغيّر. إن هرقليطس يدّعي أن جميع الأشياء بما فيها الكون ذاته هو في تغيير مستمر، لكن هذا لا يعني افتراض أن التغيير عشوائي. هذا التغيير الكوني هو منهجي، ومنطقي يتم طبقا لنظرياته حول وحدة الأضداد.

بالنسبة لهرقليطس، يعتقد أن التغيير هو شرط أساسي للوجود. لم ينكر هرقليطس تعايش التغيير مع الدوام، كذلك آمن بأن كل الأشياء، وليس فقط بعض الأجزاء كانت تتغير في كل الأزمان. هذا أيضا كان تفسير الرواقيين الذين تبنّوا لاحقا رؤى هرقليطس في نظرياتهم في "الفيزياء". الرواقيون ادّعوا أن كل شيء ينهض ويزول: الماء يظهر ويزول مثلما يفعل النهر ذاته. غير أن التغيير المستمر في النهر لا ينفي وجوده. وجود النهر ليس في حالة ثبات، وإنما في حالة ديناميكية. إن الرؤيتين صحيحتان جزئياً فقط. أما رؤية الرواقيين فهي التفسير الحقيقي لإدّعاء هرقليطس الشهير.

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة، مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِمًا، نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ، سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام، وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا، وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه، وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فِي القَريبِ العَاجِلِ، وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها، إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم، وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.