وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 66)  خطأ منهج المتكلمين في جعل العقل أساسًا للقرآن
وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 66)  خطأ منهج المتكلمين في جعل العقل أساسًا للقرآن

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: ...

0:00 0:00
السرعة:
August 22, 2023

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 66) خطأ منهج المتكلمين في جعل العقل أساسًا للقرآن

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول

(ح 66)

 خطأ منهج المتكلمين في جعل العقل أساسًا للقرآن

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

أيها المؤمنون:

أحبّتنا الكرام :

السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا:"وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ السادسة والستين، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "خطأ منهج المتكلمين في جعل العقل أساسا للقرآن".

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله -: "فكان التأويل أول مظاهر المتكلمين، فإذا أداهم البحث إلى أن الله منـزه عن الجهة والمكان أولوا الآيات التي تُشعر بأنه تعالى في السماء وأولوا الاستواء على العرش. وإذا أداهم البحث إلى أن نفي الجهة عن الله يستلزم أنَّ أعْين الناس لا يمكن أن تراه، أولوا الأخبار الواردة في رؤية الناس لله، وهكذا كان التأويل عنصرًا من عناصـر المتكلمين وأكبر مميّز لهم عن السلف.

فهذا المنهج من البحث في إعطاء العقل حرية البحث في كل شيء فيما يُدرك وفيما لا يُدرك، في الطبيعة وفيما وراء الطبيعة، فيما يقع عليه الحس وفيما لا يقع عليه الحس يؤدي حتمًا إلى جعله الأساس للقرآن، لا جعل القرآن أساسًا له، فكان طبيعيًا أن يوجد هذا المنحى في التأويل، وكان طبيعيًا أن يتجه هؤلاء إلى أية جهة يرونها على اعتبار أن العقل يراها في نظرهم. وهذا يستلزم اختلافًا كبيرًا بينهم. فإن أدى النظر قومًا إلى الاختيار وتأويل الجبر، فإنه قد يؤدي النظر غيرهم إلى إثبات الجبر وتأويل آيات الاختيار، وقد يؤدي غيرهم إلى التوفيق بين رأي هؤلاء ورأي هؤلاء برأي جديد. وبرز على جميع المتكلمين أمران؛ أحدهما: الاعتماد في البراهين على المنطق وتأليف القضايا لا على المحسوسات، والثاني: الاعتماد على تأويل الآيات التي تخالف النتائج التي توصلوا إليها". 

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: تحدث الشيخ تقي الدين - رحمه الله - في هذه الفقرة عن خطأ كبير، بل جسيم وعظيم ارتكبه المتكلمون، ألا وهو جعل العقل أساسًا للقرآن الكريم، وسار في هذا البحث على النحو الأتي:

أولًا: ذكر الشيخ تقي الدين - رحمه الله - التأويل على أنه أول مظهر من مظاهر المتكلمين فقال: "فكان التأويل أول مظاهر المتكلمين".

ثانيًا: أورد الشيخ مثالا من أمثلة التأويل عند المتكلمين، فقال: "فإذا أداهم البحث إلى أن الله منزه عن الجهة والمكان أولوا الآيات التي تُشعر بأنه تعالى في السماء، وأولوا الاستواء على العرش.

ثالثًا: ثم تابع الشيخ حديثه عن لجوء المتكلمين إلى التأويل، فقال: "وإذا أداهم البحث إلى أن نفي الجهة عن الله يستلزم أنَّ أعْين الناس لا يمكن أن تراه، أولوا الأخبار الواردة في رؤية الناس لله.

رابعًا: ذكر الشيخ أن التأويل كان أكبر ما يميز المتكلمين عن السلف فقال: "وهكذا كان التأويل عنصرًا من عناصـر المتكلمين وأكبر مميّز لهم عن السلف".

خامسا: انتقل الشيخ إلى الحديث عن الخطأ الكبير، بل الجسيم، والعظيم الذي ارتكبه المتكلمون، ألا وهو جعل العقل أساسا للقرآن، فقال: "فهذا المنهج من البحث في إعطاء العقل حرية البحث في كل شيء: فيما يُدرك، وفيما لا يُدرك، في الطبيعة، وفيما وراء الطبيعة، فيما يقع عليه الحس، وفيما لا يقع عليه الحس، يؤدي حتمًا إلى جعله الأساس للقرآن، لا جعل القرآن أساسًا له".

سادسًا: ذكر الشيخ أن لجوء المتكلمين إلى التأويل هو الذي أدى بهم إلى جعل العقل أساسًا للقرآن، فقال: "فكان طبيعيًا أن يوجد هذا المنحى في التأويل، وكان طبيعيًا أن يتجه هؤلاء إلى أية جهة يرونها على اعتبار أن العقل يراها في نظرهم.

سابعا: ذكر الشيخ أن جعل العقل أساسًا للقرآن أوقع المتكلمين في متاهات، وأدى بهم إلى الاختلاف فقال: "وهذا يستلزم اختلافًا كبيرًا بينهم.

فإن أدى النظر قومًا إلى الاختيار وتأويل الجبر، فإنه قد يؤدي النظر غيرهم إلى إثبات الجبر وتأويل آيات الاختيار، وقد يؤدي غيرهم إلى التوفيق بين رأي هؤلاء ورأي هؤلاء برأي جديد".

ثامنًا: ذكر الشيخ أبرز أمرين ظهرا على جميع المتكلمين، فقال: "وبرز على جميع المتكلمين أمران:

أحدهما: الاعتماد في البراهين على المنطق، وتأليف القضايا لا على المحسوسات.

والثاني: الاعتماد على تأويل الآيات التي تخالف النتائج التي توصلوا إليها". ومن الأمثلة التي تحضرني على تأويل الآيات عند من توصلوا إلى أن صفة الكلام حادثة، وأن الله تعالى أزلي، وصفاته ينبغي أن تكون أزلية، فلما واجهتهم الآية الكريمة التي يقول الله تعالى فيها: (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكلِيمًا) اضطروا إلى تأويل الآية الكريمة؛ ليعطلوا صفة الكلام لله تعالى، فجعلوا لفظ الجلالة (اللهُ) المرفوع على اعتبار أنه سبحانه وتعالى هو الفاعل، جعلوا لفظ الجلالة منصوبًا على التعظيم (اللهَ) على اعتبار أنه سبحانه وتعالى مَفْعُولًا به مقدمًا، وَصَارَ مُوسى فاعلًا مُؤخرًا، فأثبتوا صفة الكلام لمُوسى عليه السلام، وعطلوا إسنادها لله تعالى؛ فَصَارَ نَصُّ الآية كالآتي: (وَكَلَّمَ اللهَ مُوسَى تَكلِيمًا). 

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة، مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِمًا، نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ، سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام، وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا، وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه، وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فِي القَريبِ العَاجِلِ، وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها، إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم ، وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.