قيصر يطمع بالمزيد ويتجرأ على ما هو لله!!
September 10, 2014

قيصر يطمع بالمزيد ويتجرأ على ما هو لله!!

لطالما زعم بعض الناس أن الدين والسياسة أمران منفصلان وخلطهما من المهلكات، يصرفون الناس عن أي خلط بينهما، ويضعون التنافر كأساس للنظرة، ويدعون أن الدين والدولة كالزيت والماء، لا يعُم السلام ولا يحل الوئام أو ينعم العباد بالاستقرار إلا إذا تم هذا الفصل. انطلقت الدعوات بين الفينة والأخرى بتحييد المساجد وترسيخ فصل المؤسسات الدينية عن السلطة السياسية. وركز الإعلام في بلاد المسلمين على ضرورة حصر العلماء والمشايخ بأمور الدين، وعزلهم عن السياسة، وتبع تلكم الدعوات جملة من القرارات التي تنظم دُور العبادة ودَور "رجال الدين" في كل من مصر وتونس والمغرب وغيرها. واتخذت إجراءات مثل: مراقبة المساجد، ووضعها تحت سيطرة وإشراف كامل من الدولة، ومنع الاعتكاف في رمضان إلا بقانون، وتوحيد الخطب، وإجراءات أخرى يقصد منها التضييق على رواد المساجد، وتقليص دَور المساجد في حدود الصلوات الراتبة؛ بذريعة حماية الدين من المتسلقين وتجار الدين.


ولعل من أبرز هذه الإجراءات وأكثرها تحدياً الظهير الملكي المغربي رقم 1.14.104 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 6268 والمتعلق بتحديد مهام القيّمين الدينيين، وأهم ما جاء فيه هو مادته السابعة التي منعت "ممارسة أي نشاط سياسي أو نقابي، أو اتخاذ أي موقف يكتسي بصبغة سياسية أو نقابية". والمفارقة هنا أن الملك المغربي يدعو لفصل الدين عن السياسة بعد أن أعلن نفسه كرئيس أعلى للمؤسسة الدينية يستمد شرعيته من تعاليم الشريعة، ويسمي نفسه بأمير المؤمنين، ويحافظ على تقاليد البيعة، بل إنه يترأس اللجنة العلمية التي يرجع إليها علماء المغرب. وإن كان الملك هو المرجع الأساس في أمور الدين، مع وجوب الفصل التام الذي أقره في مرسومه. فلأي جهة ينتمي ولماذا يُزجِي الأمور الدينية.. فهل يمثل السلطة الدينية أم المدنية؟ وأين مؤهلاته الشرعية وإجازته التي تمكنه من ترأس السلطة الدينية؟


إنه لمن عجائب الأمور أن تحارب الأنظمة الوضعية تطبيق الشريعة، وتلتزم بنموذج الدولة المدنية العلمانية بدساتيرها المستوردة، ثم تضع صبغة شرعية على قوانين من وضع البشر. بل إن المبررين للظهير الملكي تمادوا في هذا التدليس واستشهدوا بأدبيات السياسة الشرعية، وذكروا قول الماوردي: "إن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا"، وقد فسر الماوردي "حراسة الدين" بأنها "صونه على أعرافه المستقرة"!! وهذه حجة عليهم. إذ إن الديمقراطية والليبرالية والسياسات الاقتصادية الرأسمالية والمعاملات الربوية ليست من أحكام الدين المستقرة؟!


لعل من يتابع هذه الدعوة لفصل الدين عن السياسة، يتصور أن أئمة المساجد منفصلون عن الإرادة السياسية، ثم أتى من يغير عليهم الحال، أو أن الحكومات لم تفطن من قبل لأهمية تحييدهم! بينما الواقع على عكس ذلك، فالمساجد كانت خاضعة لسيطرة الحكومة منذ قيام هذه الدول القُطرية وعلماء السلاطين من دواعم ترسيخ حكم أكثر الأنظمة استبداداً وقهراً، وهذا الإبعاد للخطباء إنما هو مغالاةٌ في فصل الدين عن الحياة، وخوف من مارد الإسلام السياسي الذي بدأ يتململ، وذعرٌ من إرهاصات عودة الإسلام لسدة الحكم. أما علماء السلاطين فليس لهم شأن يذكر، ولم تتجاوز خطبهم آداب السلام وحسن التبعل، في أوقات عم الفساد حولهم وجاوز الظالمون المدى..


لم تنطق ألسنة علماء السلاطين إلا بالدعاء للطغاة، في وقت كان المسلمون يقتلون ويحرقون ويهجرون من ديارهم. أضف إلى ذلك أن أنظمة الحكم تعود لهؤلاء الخطباء أنفسهم؛ لإضفاء الشرعية على بعض القوانين التي تخالف شرع الله ولفرض هيمنة تامة للنظام؛ لكي يأمن أي محاسبة شرعية لتقصيره في شؤون الرعية، أو إضعاف البلاد وتبديد ثرواتها.


لم يكتفِ الملك المغربي في ظهيره بتنظيم شؤون رجال الدين، بل أعلن عن التزام البلاد بتبني المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية كمذهب للبلاد، وهذا يلفت الانتباه لمدى بُعد هذه العلمانية، المطبقة في بلادنا عن أصل العلمانية.. إنها علمانية أخذت الحل الوسط لمدى جديد، يقول الفيلسوف الإنجليزي جون لوك في موضوع العلمانية: "من أجل الوصول إلى دين صحيح، ينبغي على الدولة أن تتسامح مع جميع أشكال الاعتقاد دينيًا أو فكريًا أو اجتماعيًا، ويجب أن تنشغل في الإدارة العملية وحكم المجتمع فقط، لا أن تنهك نفسها في فرض هذا الاعتقاد ومنع ذلك التصرف. يجب أن تكون الدولة منفصلة عن الكنيسة، وألا يتدخل أي منهما في شؤون الآخر. هكذا يكون العصر هو عصر العقل، ولأول مرة في التاريخ البشري سيكون الناس أحرارًا، وبالتالي قادرين على إدراك الحقيقة." انسلخ قيصر زماننا من لب العلمانية، ولم يلتزم بفصل الدين والدولة حينما تدخل في مواعيد فتح المساجد، وأحوال الصيام والقيام والزكاة، والصدقات والاعتكاف وخطب الجمع والأعياد. ومتى وكيف يصلي المسلم على النبي وآله الأطهار.. هدم ركن العلمانية حينما تدخل في الأصول والفروع، ومناهج الدين في المدارس ومحتوى الموعظة الدينية، بل ومكان الآية والحديث في النص. فما باله لا يَعُدُّ كل هذا مزجاً بين الدين والسياسة..؟ بل هو المزجُ عينُه.


هلل مُدَّعُو العقلانية لهذه المراسيم، وهذه اللغة التي تركز علاقة السياسة بالدين كعلاقة تضاد، وباركوا الإجراءات بحجة أنها تحرر الشعب من أهواء رجال الدين، وتدخلهم في ما لا يفقهون فيه، وتحمي الناس من صراعات طائفية لا تحمد عُقباها. هذه الإجراءات التي تحيد دور المساجد، وتُلزم رجال الدين بالابتعاد عن السياسة، وإبعاد السياسة عن المساجد، تدعو ضمنًا إلى تأكيد علمانية النشطاء والأحزاب التي تحمل شعارات ومسميات دينية وتفرض عليهم التلبس بالعلمانية الصرف إذا ما أرادوا المشاركة في العملية السياسية.


هذا الموقف من الدول يستدعي وقفة من الأحزاب التي تدعي العمل للإسلام، وأن تتنبه ولا تقع في الفخ المنصوب لها بالمشاركة في هكذا ألعوبة تركز الفصل بين الدين والحياة، وتجعل منهم مجرد واجهة مسلمة لفكر قديم ومستهلك، لفظتها الشعوب المسلمة في الصحوة الإسلامية المباركة.


لقد تم تغليف هذه القوانين بعبارات براقة منمقة مثل "بناء مجتمع متراص متضامن"، و"التمسك بالمقومات الروحية"، و"التفتح على روح العصر" ونبذ "كل تعصب أو غُلُو أو تطرف". ادَّعَوا أن الإجراءات تهدف لحماية الدين، ولكنها في حقيقتها هدفت إلى نشر هيمنة أكبر للحكومة على المساجد والمنابر، من أجل حماية الأنظمة. لعل هذا التركيز على تقنين دَور الدين من دُور العبادة يطرح بعض التساؤلات في تعريف العلمانية وتطورها اليوم. تقول دائرة المعارف البريطانية: " "Secularism" حركة اجتماعية، تهدف إلى صرف الناس، وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة، إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها، وذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا، والتأمل في الله واليوم الآخر".


اتفق العلمانيون أن لا يكون للدين شأن في الحياة ولكن اختلفوا بين علمانية تقبل بالدين وعلمانية ترفضه أما ما نراه في عالمنا اليوم فهو علمانية متطرفة تراقب الدين وتهابه.. تكيل بمكيالين: فتحارب الإسلام، ولكن لا تستغني عنه، بل تكتفي منه بالقدر الكافي لاستغلال الشعوب. أحياناً تطرح العلمانية الناعمة المتكيفة مع الأنظة الوضعية، وأحيانا تكشف اللثام عن علمانية متطرفة تحاصر المتدينين. لم تقم العلمانية في الأصل لتواجه الدين وتمنعه، بل أتت لتحل النِّزاع القائم بين الكنيسة والسلطة المدنية ولتبعث روح التجدد في مجتمع متحجر، أتت العلمانية لتستقل بالسياسة بعيداً عن الدين الذي اتهمته بقتل الإبداع وتسلط رجال الدين والعجز عن معالجة القضايا المعاصرة. ولكن النِّزاع الآن مختلف ويتعدى النِّزاع القائم في القرون المظلمة في الغرب، وهذا الاختلاف يكمن في حقيقة أن الإسلام مبدأ.


إنَّ التجاذُب بين الدين والسياسة، ليس له أصل في الفكر الإسلامي، بل هو دخيل عليه؛ لأن الإسلام لا يعترف بهذا الطرح، ولا يواجه الثيوقراطية (التي تعني الحكومة الدينية أو الحكم الديني) بالديمقراطية (والتي يراد منها حكم الشعب لنفسه سواء أكانت ديمقراطية رئاسية أم برلمانية) إذ إن كليهما مناقض للفقه السياسي في الإسلام.


الإسلام ليس فيه حكم لرجال دين، ولا يستمد نظام الحكم شرعيته من صك مؤسسة دينية، ولا قدسية لأفراد أيًا كانوا، فالحكم في الإسلام قائم على أن السيادة للشرع، فالذي يُحَسِّنُ ويُقبِّحُ هو الشرع، والذي يجيز ويمنع هو المولى عز وجل، ولذلك كانت القوانين في الشريعة الإسلامية مستمدة من الشرع؛ فلذلك وجب أن تكون العقيدة الإسلامية هي أساس الدولة، وأن لا يوجد في كيانها أو جهازها أو محاسبتها أو كل ما يتعلق بها، إلا ما كان مبنياً عليها. والإسلام لا يمكن أن يُختَزَلَ في أحكام شرعية منتقاة؛ لأنه يؤثر على كل صغيرة وكبيرة في حياة المسلم، حتى إن المستشرقين وعُوا لِهَذَا الأمر من خلال دراسة نصوص الإسلام، وسير المجتمع المسلم عبر القرون، يقول المستشرق الشهير هاملتون جب (1895-1971): "الإسلام ليس مجرد مجموعة من القوانين الدينية، ولكنه حضارة كاملة".


فالإسلام مبدأ قائم على جملة من الأفكار والمفاهيم والمقاييس التي تنبثق من مشكاة واحدة هي العقيدة الإسلامية. وقد من الله علينا بآليات للاجتهاد الشرعي، ومعالجات لمشاكل الإنسان تضمن استيعاب أي واقع جديد. ولا يصح أن يرجع المسلم إلا لهذه العقيدة، فكما جعل الله المساجد لله ليُذكَرَ فيها اسمه جلَّ وعلا، جعل السلطان للأمة، والأمة تختار من يحكمها بشرع الله عز وجل، فلا يأخذ المسلم نظمه إلا من عند الله، ولا يتبنى دساتير إلا بما هو مبني على أسس شرعية. وكما روت أمنا عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما عن الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». (رواه الإمام أحمد في مسنده)


أما ادعاء العلمانيين بأن فصل الدين عن الحياة هو لتنْزيه الدين عن السياسة؛ لأنه عرضة لفساد النفس البشرية، فما هو إلا محض افتراء. إنهم يعارضون بهذا أساسًا من أسس عقيدة المسلم، فقد تعهد رب العباد بأن يحفظ دينه، فكيف لفكرة بشرية أيًا كانت أن تلوث الدين المنَزَّل من عند الله جل شأنه؟! لم تأتِ العلمانية في السياق الأوروبي إلا لتحقق فصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية الكهنوتية المتحكمة، في إطار عجزت فيه عن مواكبة تطور العلم وافتقدت آلية التجدد والحيوية. هذا الواقع منافٍ تمامًا للإسلام؛ لأن الإسلام مبدأ، وهو عقيدة كلية ينبثق عنها نظام يعالج جميع مشاكل الحياة.


لعل الإشكالية الكبرى في هذه الأراجيف هي كونها بنيت على تاريخ الآخر، الذي يصور الدين كأساس للحروب والنِّزاعات، وتستند إلى رسومات على جدران كنائس الغرب، تشهد إلى يومنا هذا على حمامات الدم ومحاكم التفتيش، والحروب الطائفية في بلادهم. تخلَّص الغرب من هذا الإرث الثقيل بتناسيه، ورمي اللوم على الإسلام والمسلمين، وتشويه تاريخهم، بأن جعلَهُ مليئًا بالدموية. وتغافل المروجون للعلمانية على أنها منقذ للبشرية عن الحروب الكثيرة والنِّزاعات التي لم يكن الدين طرفاً فيها. لا يوجد في العالم اليوم دولة قائمة على أساس ديني سوى الفاتيكان، وبالرغم من ذلك فالتهمة ما زالت عالقة بأن الدين أساس الحروب، يصور كمصدر للعنف مثلما اتخذه ماركس في السابق كأفيون للشعوب. ثم هل قامت الحرب العالمية الأولى أو الثانية إلا على أساس ديني؟ وهل أدى النِّزاع الديني إلا لترنح العالم بين قطبين في سنوات الحرب البادرة، يتقاسمان مناطق نفوذ في العالم ويرعبان البشرية بسباق أسلحة تجاوزت حدود الأرض ووصل للفضاء؟


الدولة الحديثة القائمة على أساس المبدأ الرأسمالي أبرزت في الإنسان أسوأ ما فيه، وتميزت بتعزيز الطائفية، والفشل في صهر الشعوب. الكرة الأرضية أصبحت بؤر نزاع وقلاقل تستبد فيه مجموعة من البشر على غيرها، تارة باسم القبليات والجهوية، وتارة باسم الدين، ويظل البقاء للأقوى، وما أحداث ميانمار وسيرلانكا وأفريقيا الوسطى عنا ببعيدة. العلمانية لم تُؤدِّ للسلم، بل على النقيض شهد العالم حربين عالميتين، مات فيهما الملايين من البشر، وعاش العالم مهدداً لعقود بحرب ثالثة، وشهد العالم التطهير العرقي وحروب الإبادة، وأسلحة الدمار الشامل ومعتقلات التعذيب، والإضرار بالبيئة بشكل لم تشهده البشرية من قبل.


إن مكتسبات العلمانية المزعومة هي سراب يحسبه الظمآن ماء فهي تدَّعي العقلانية، ولكنها لم تنتج المنهج العقلي للوصول للحقائق، بل إن العلمانية نفسها جاءت نتيجة تطور تاريخي، ولم تأتِ بنتاج كبحث فكري (بل أتت كحل وسط لنِزَاعِ الكنيسة والسلطة)، تفادت العلمانية السؤال المحوري في ما وراء الكون، وما هي الغاية من خلق الإنسان، بالرغم من أنه لب النقاش ولا غنى عن الوصول لهذه الحقيقة، ولا يمكن أن يعتبر التفكير جديًا إن لم يُبنَ على أساس متين، ويستند إلى قاعدة فكرية ثابتة. العلمانية تفادت فكرة الثوابت وإدراك الحقيقة.


ومسألة التفكير في الخلق هو ما أتت العلمانية لتطمسه إذ لم تجعل هذا السؤال المصيري محل بحث، بل كونت ثقافة شعبوية تقوم على تفاديه، وأغرقت المجتمع بما بات يعرف بثقافة "الجنس، والمخدرات والروك أند رول" فهي بهذا صارت منهجاً يحارب الطريقة العقلية.


وإذا كانت العلمانية تهدف لمحاربة تحالف السلطة المستبدة مع ما يعرف برجال الدين، فإن هذا العصر شهد ازدهارًا لهذا التحالف، وتضخمًا لثروات الذين يُفتون على ذهب المعز وسيفه. شهد تملق علماء السلاطين للسلطة، حتى بات يُضرب بهم المثل في تذبذب الرأي، وخيانة الأمة، وتجلت عندهم أزمة حياء وهم يظهرون على الفضائيات ويسوقون الباطل للشعوب من أجل مصالحهم الشخصية. وكيف يردعهم تحييد المساجد، ولم يردعهم يوم الوعيد؟ لعل واقع رجال الدين عبر العالم يصور فشل هذا الادعاء إذ أصبحوا الإقطاعيين الجدد بأملاك وعقارات لا تعد ولا تحصى، بل إن المؤسسات الدينية ومشاهير رجال الدين يقومون بمشاركات اقتصادية لا يمكن تجاهلها. هيمن قيصر وترك الفاسدين في فسادهم واكتفى هو بالسلطة زاعمًا أن السلطة مفسدة!


إن هذه الدعوات لتحييد المساجد، وعلمنة الدين تستند إلى مراجعة الثقافة الإسلامية، والدعوة لتطويع الفكر الإسلامي، وتقوم على أساس استشراقي يشكك في سند النص، ويفهم ربع المتن، ثم يسيء توظيفه بخبث، ويجعل العقل مناط الحكم والفاصل فيه. إنها نظرة قائمة على خلق لَبسٍ في فهم الواقع وإسقاط تجربة الكنائس البروتستانتية على واقع المسلمين اليوم، ودون اعتبار لما حدث للكنيسة في مواكبتها للحداثة عبر سلسلة من المراجعات الفكرية التي سلختها عن النص الديني. يريدون أن يطوعوا الفكر الإسلامي لأهواء البشر؛ لأنهم لم يعرفوا إلا فكرًا مطاطيًا قابلاً للتطويع، ينصاع لأبعد مدى إذا ما مورس عليه القليل من الضغط. ألا يعتبرون مما آل إليه اللاهثون وراء الحداثة والعقلانية؟ تارة يشككون في حمل مريم البتول بذريعة أن حمل العذراء يتعارض مع العلم، متجاهلين ما ذكره رب العزة من كونها آية، وتارة أخرى يتراجعون عن رفض تولي المرأة الأسقفية، يتنازلون إلى أن تميل كفة الكنيسة في الجدال الدائر لعقود حول حقوق الشواذ وتمكينهم من مناصب قيادية في الكنيسة عبر تأويل النصوص الدينية. أيريد دعاة العلمانية من بني جلدتنا أن نسير في هذا الدرب الوحل؟! إنهم يفعلون فعلة إبليس فيتبعهم الغاوون. يعلمون الناس ما يضرهم ويغررون بالسذج دون أن يقولوا لهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.


لعل من يروج لتحييد المساجد، وفرض العلمانية، والاحتذاء بالغرب، وتقليد عقيدته وفكره وسياساته يظن أن الأمة مغيبة لا خير فيها، ولا تتعلم من أخطاء الماضي. يقول خير الدين التابع للغرب "سمعت من بعض أعيان أوروبا ما معناه (أن التمدن الأوروبي تدفق سيله في الأرض، فلا يعارضه شيء إلا استأصلته قوة تياره المتتابع، فيخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيار، إلا إذا أخذوه وجروا مجراه في التنظيمات فيمكن نجاتهم من الغرق" (1)


نعم انكشف نموذج المصلح الظلامي الذي يروج بضاعة مستوردة، تناقض عقيدة وحضارة وذوق الأمة، وإن كان الناس قد غرر بهم في السابق بمقولات من ادَّعَوا العلم والتجديد؛ فإن عقارب الساعة لا تعود للخلف، وهذا زمان التمحيص وتمايز الصفوف، ولسان حال الأمة اليوم يقول مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لست بالخبِّ ولا الخبُّ يخدعُنِي".


لقد قسَّم قيصر مَا لَهُ وَمَا لله، ولم يحترم هذا التقسيم، فطمع فيما هو لله.. طمع في الملك كله بعد أن تجاوز حده وتعدَّى على النصف، وأخذ مكانًا ليس له؛ فأفسد في الأرض أيما إفساد.. تجاوز حده؛ لأنه في الأصل إنسان ضعيف محدود قاصر ناقص عاجز محتاج.. تجاوز حده، ولم يحسب حساب يوم يقول فيه الملك القهار: أنا الملك، فأين ملوك الأرض؟


﴿اللَّـهُ نُورُ‌ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْ‌ضِ ۚ مَثَلُ نُورِ‌هِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّ‌يٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَ‌ةٍ مُّبَارَ‌كَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْ‌قِيَّةٍ وَلَا غَرْ‌بِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ‌ ۚ نُّورٌ‌ عَلَىٰ نُورٍ‌ ۗ يَهْدِي اللَّـهُ لِنُورِ‌هِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِ‌بُ اللَّـهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّـهُ أَن تُرْ‌فَعَ وَيُذْكَرَ‌ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِ‌جَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَ‌ةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ‌ اللَّـهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ‌﴾


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد


(1) خير الدين التونسي: أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك.

More from null

Fehlende Rolle des Staates bei der Bewältigung der Gesundheitskatastrophe Dengue-Fieber und Malaria

Fehlende Rolle des Staates bei der Bewältigung der Gesundheitskatastrophe

Dengue-Fieber und Malaria

Angesichts der weitverbreiteten Ausbreitung von Dengue-Fieber und Malaria im Sudan zeichnen sich die Konturen einer akuten Gesundheitskrise ab, die das Fehlen der aktiven Rolle des Gesundheitsministeriums und die Unfähigkeit des Staates aufdeckt, eine Epidemie zu bekämpfen, die Tag für Tag Menschenleben fordert. Trotz des wissenschaftlichen und technologischen Fortschritts in der Krankheitslehre werden die Fakten aufgedeckt und die Korruption sichtbar.

Fehlen eines klaren Plans:

Obwohl die Zahl der Infektionen Tausende überschreitet und es laut einigen Medienberichten Massensterben gibt, hat das Gesundheitsministerium keinen klaren Plan zur Bekämpfung der Epidemie angekündigt. Es ist ein Mangel an Koordination zwischen den Gesundheitsbehörden und ein Mangel an vorausschauendem Denken im Umgang mit Epidemiekrisen festzustellen.

Zusammenbruch der medizinischen Versorgungsketten

Selbst die einfachsten Medikamente wie "Paracetamol" sind in einigen Regionen selten geworden, was einen Zusammenbruch der Versorgungsketten und das Fehlen einer Kontrolle über die Verteilung von Medikamenten widerspiegelt, in einer Zeit, in der man die einfachsten Mittel zur Beruhigung und Unterstützung benötigt.

Fehlende Aufklärung der Bevölkerung

Es gibt keine wirksamen Medienkampagnen, um die Menschen über Möglichkeiten zur Vorbeugung von Mückenstichen oder zur Erkennung von Krankheitssymptomen aufzuklären, was die Ausbreitung der Infektionen verstärkt und die Fähigkeit der Gesellschaft zum Schutz ihrer selbst schwächt.

Schwache gesundheitliche Infrastruktur

Die Krankenhäuser leiden unter einem akuten Mangel an medizinischem Personal und Ausrüstung, sogar an grundlegenden Diagnosewerkzeugen, was die Reaktion auf die Epidemie langsam und willkürlich macht und das Leben Tausender gefährdet.

Wie sind andere Länder mit Epidemien umgegangen?

 Brasilien:

- Startete Boden- und Luftsprühkampagnen mit modernen Pestiziden.

- Verteilt Moskitonetze und aktivierte gemeinschaftliche Sensibilisierungskampagnen.

- Stellte Medikamente in den betroffenen Gebieten dringend bereit.

Bangladesch:

- Richtete temporäre Notfallzentren in Armenvierteln ein.

- Stellte Hotlines für Meldungen und mobile Einsatzteams bereit.

Frankreich:

- Aktivierte Frühwarnsysteme.

- Verstärkte die Kontrolle der übertragenden Mücken und startete lokale Sensibilisierungskampagnen.

Gesundheit ist eine der wichtigsten Pflichten und die Verantwortung des Staates ist uneingeschränkt

Der Sudan verfügt immer noch nicht über wirksame Mechanismen zur Erkennung und Meldung, was die tatsächlichen Zahlen viel höher macht als die gemeldeten und die Krise zusätzlich verkompliziert. Die gegenwärtige Gesundheitskrise ist eine direkte Folge des Fehlens einer aktiven Rolle des Staates in der Gesundheitsversorgung, die das menschliche Leben an erste Stelle setzt, ein Staat, der den Islam anwendet und das Sprichwort von Omar Ibn Al-Khattab, möge Gott mit ihm zufrieden sein, anwendet: "Wenn ein Maultier im Irak stolpern würde, würde Gott mich am Tag der Auferstehung danach fragen".

Vorgeschlagene Lösungen

- Einrichtung eines Gesundheitssystems, das in erster Linie Gott im Leben des Menschen fürchtet und wirksam ist, das keiner Vetternwirtschaft oder Korruption unterliegt.

- Gewährleistung einer kostenlosen Gesundheitsversorgung als grundlegendes Recht für alle Untertanen. Und die Aufhebung der Lizenzen für Privatkrankenhäuser und das Verbot von Investitionen im Bereich der Medizin.

- Aktivierung der Rolle der Prävention vor der Behandlung durch Aufklärungskampagnen und Mückenbekämpfung.

- Umstrukturierung des Gesundheitsministeriums, damit es für das Leben der Menschen verantwortlich ist und nicht nur eine Verwaltungsstelle ist.

- Einführung eines politischen Systems, das das menschliche Leben über wirtschaftliche und politische Interessen stellt.

- Lösung der Verbindung zu kriminellen Organisationen und der Medikamentenmafia.

In der Geschichte der Muslime wurden Krankenhäuser eingerichtet, um den Menschen kostenlos zu dienen, mit hoher Effizienz verwaltet und aus der Staatskasse finanziert, nicht aus den Taschen der Menschen. Die Gesundheitsversorgung war also Teil der Verantwortung des Staates, nicht eine Gunst oder ein Handel.

Was heute im Sudan mit der Ausbreitung von Epidemien und der Abwesenheit des Staates von der Bildfläche geschieht, ist ein Warnsignal, das nicht ignoriert werden kann. Erforderlich ist nicht nur die Bereitstellung von Paracetamol, sondern die Einrichtung eines echten Wohlfahrtsstaates, der sich um das menschliche Leben kümmert und die Wurzeln der Krise behandelt, nicht nur ihre Symptome, ein Staat, der den Wert des Menschen und seines Lebens und den Zweck, für den er gefunden wurde, nämlich die Anbetung Gottes allein, erkennt. Und der islamische Staat ist der einzige, der in der Lage ist, die Probleme der Gesundheitsversorgung durch das Gesundheitssystem zu lösen, das nur im Schatten des zweiten Kalifats nach dem Vorbild des Prophetentums, das bald mit Gottes Erlaubnis gegründet wird, umgesetzt werden kann.

﴿O die ihr glaubt, antwortet Allah und dem Gesandten, wenn er euch zu dem aufruft, was euch Leben gibt﴾

Geschrieben für das Radio des Zentralen Medienbüros von Hizb ut-Tahrir

Hatem Al-Attar - Bundesstaat Ägypten

Die Ehre der Gefährtschaft mit Abu Osama, Ahmad Baker (Hazim), möge Gott ihm gnädig sein

Die Ehre der Gefährtschaft mit Abu Osama, Ahmad Baker (Hazim), möge Gott ihm gnädig sein

Am Morgen des zweiundzwanzigsten Rabi' al-Awwal 1447 n. H., entsprechend dem vierzehnten September 2025 n. Chr., verstarb Ahmad Baker (Hazim) im Alter von fast siebenundachtzig Jahren und wurde von seinem Herrn aufgenommen. Er war einer der ersten Pioniere der Hizb ut-Tahrir. Er trug die Da'wa viele Jahre lang und ertrug dafür lange Haft und schwere Folter, ohne nachzugeben, schwach zu werden, sich zu verändern oder sich mit der Gnade und Hilfe Gottes auszutauschen.

In den 1980er Jahren verbrachte er unter der Herrschaft des verstorbenen Hafez lange Jahre in Syrien im Untergrund, bis er 1991 mit einer Gruppe junger Leute der Hizb ut-Tahrir vom Luftnachrichtendienst verhaftet wurde, um unter der Aufsicht der Kriminellen Ali Mamlouk und Jamil Hassan die schlimmsten Arten von Folter zu erleiden. Mir wurde von jemandem berichtet, der den Verhörraum nach einer Verhörrunde mit Abu Osama und einigen seiner Gefährten betrat, dass er einige umherfliegende Fleischstücke und Blut an den Wänden des Verhörraums gesehen habe.

Nach mehr als einem Jahr in den Zellen der Zweigstelle des Luftnachrichtendienstes in Al-Mazza wurde er mit dem Rest seiner Kollegen in das Saidnaya-Gefängnis überführt, wo er später zu zehn Jahren Haft verurteilt wurde, von denen er sieben Jahre geduldig und rechnend verbrachte, bis Gott ihm mit Erlösung gnädig war.

Nach seiner Entlassung aus dem Gefängnis setzte er die Da'wa direkt fort, bis die Verhaftungen junger Leute der Partei begannen, die Mitte Dezember 1999 Hunderte in Syrien betrafen, als sein Haus in Beirut überfallen und entführt wurde, um in die Zweigstelle des Luftnachrichtendienstes am Flughafen Al-Mazza gebracht zu werden, wo eine neue Phase schrecklicher Folter begann. Trotz seines hohen Alters war er mit Gottes Hilfe geduldig, standhaft und rechnend.

Nach fast einem Jahr wurde er erneut in das Saidnaya-Gefängnis verlegt, um vor dem Staatssicherheitsgericht verurteilt zu werden, und wurde später zu einer zehnjährigen Haftstrafe verurteilt, von der Gott ihm auferlegte, fast acht Jahre zu verbringen, bis Gott ihm mit Erlösung gnädig war.

Ich verbrachte das ganze Jahr 2001 mit ihm im Saidnaya-Gefängnis, sondern war in Schlafsaal fünf (A) links im dritten Stock direkt neben ihm. Ich nannte ihn meinen lieben Onkel.

Wir aßen zusammen, schliefen nebeneinander und studierten Kultur und Ideen. Von ihm haben wir Kultur erworben und von ihm haben wir Geduld und Standhaftigkeit gelernt.

Er war tolerant, liebte die Menschen und war auf die Jugend bedacht und pflanzte in sie das Vertrauen in den Sieg und die baldige Erfüllung von Gottes Verheißung.

Er kannte das Buch Gottes auswendig und las es jeden Tag und jede Nacht und stand die meiste Nacht auf, und wenn sich der Morgengrauen näherte, rüttelte er mich wach, um mich zum Qiyam-Gebet und dann zum Morgengebet zu wecken.

Ich verließ das Gefängnis und kehrte 2004 dorthin zurück, und wir wurden Anfang 2005 erneut in das Saidnaya-Gefängnis verlegt, um diejenigen wiederzutreffen, die bei unserer ersten Entlassung Ende 2001 im Gefängnis geblieben waren, darunter der liebe Onkel Abu Osama Ahmad Baker (Hazim), möge Gott ihm gnädig sein.

Wir gingen lange vor den Schlafsälen spazieren, um mit ihm die Mauern des Gefängnisses, die Eisengitter und die Trennung von Familie und Geliebten zu vergessen. Wie könnte es anders sein, wenn er so viele Jahre im Gefängnis verbracht und so viel erlitten hat!

Obwohl ich ihm nahe stand und ihn lange begleitete, sah ich ihn nie jammern oder sich beschweren, als wäre er nicht in einem Gefängnis, sondern würde außerhalb der Gefängnismauern schweben; er schwebt mit dem Koran, den er die meiste Zeit rezitiert, er schwebt mit den Flügeln des Vertrauens in Gottes Verheißung und die frohe Botschaft seines Gesandten ﷺ vom Sieg und der Ermächtigung.

Selbst unter den dunkelsten und härtesten Bedingungen sehnten wir uns nach dem Tag des großen Sieges, dem Tag, an dem sich die frohe Botschaft unseres Gesandten ﷺ erfüllt: „Dann wird es ein Kalifat nach dem Vorbild des Prophetentums geben“. Wir sehnten uns danach, uns im Schatten des Kalifats und unter dem wehenden Banner von Al-Oqab zu versammeln. Aber Gott hat verfügt, dass Sie vom Haus des Elends zum Haus der Ewigkeit und des Fortbestehens ziehen.

Wir bitten Gott, dass Sie im höchsten Paradies sind, und wir empfehlen niemanden vor Gott.

Unser lieber Onkel Abu Osama:

Wir bitten Gott, Sie mit seiner Barmherzigkeit zu bedecken, Sie in seinen weiten Gärten wohnen zu lassen, Sie mit den Aufrichtigen und Märtyrern zusammenzubringen und Sie für das Leid und die Qualen, die Sie erlitten haben, mit den höchsten Graden im Paradies zu belohnen, und wir bitten ihn, den Allmächtigen, uns mit Ihnen am Becken mit unserem Gesandten ﷺ und an einem Ort seiner Barmherzigkeit zu vereinen.

Unser Trost ist, dass Sie zum Barmherzigsten der Barmherzigen kommen, und wir sagen nur, was Gott gefällt: Wahrlich, wir gehören Gott und zu ihm kehren wir zurück.

Verfasst für den Radiosender des Zentralen Medienbüros der Hizb ut-Tahrir

Abu Sutayf Jiju