وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 59)  تطور الظاهرة الكلامية
وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 59)  تطور الظاهرة الكلامية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: ...

0:00 0:00
Speed:
August 06, 2023

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 59) تطور الظاهرة الكلامية

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول

(ح 59)

 تطور الظاهرة الكلامية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

أيها المؤمنون:

أحبّتنا الكرام :

السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا:"وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ التاسعةِ والخمسين، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "تطور الظاهرة الكلامية".

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله -: "لأن أساس الدعوة مبني على العقيدة والأفكار المتعلقة بها. فكان حرص المسلمين على الدعوة الإسلامية، وحاجتهم للرد على خصومهم، قد حمل الكثيرين منهم على تعلم بعض الأفكار الفلسفية لتكون بيدهم سلاحًا ضد خصومهم". 

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: إن الظواهر المختلفة لا تستقر ولا تترعرع إلا بعد أن تمر بمراحل مختلفة، وأطوار عديدة متغيرة، وأزمان متباعدة. ولقد انتقل علم الكلام بهذه المراحل، والأطوار جميعًا حتى صار ظاهرة تُحمَل العامة على مقتضاه، وتُمثل هذه المرحلة منعطفًا خطيرًا في عقيدة الأمة، وهو سبق خطير ليس له نظير قبله في تاريخ خلفاء الأمة، وكان ذلك في زمن المأمون العباسي، وهذه هي مرحلة الاستقرار الأول لعلم الكلام.

يقول الشهرستاني: "ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين نشرت أيام المأمون، فخلطت مناهجها بمناهج علم الكلام، وأفردتها فنًا من فنون العلم، وسمَّتها علم الكلام، إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها، وتقاتلوا عليها هي مسألة الكلام، فسمي النوع باسمها، وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنًا من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان".

يقول شيخ الإسلام - ملاحظًا هذا التطور-: "في أواخر عصر التابعين حدث ثلاثة أشياء الرأي، والكلام، والتصوف، فكان جمهور الرأي في الكوفة، وكان جمهور الكلام والتصوف في البصرة. ومر علم الكلام بمراحل مختلفة:

المرحلة الأولى: وهي مرحلة قدامى المتكلمين، كواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبي الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، وغيرهم. وقد تميزت هذه المرحلة بالتأثر بالمصطلحات اليونانية، وخاصة عند المتأخرين منهم كالعلاف، حيث ترجمت كتب الفلسفة اليونانية، وقد كانت المباحث الكلامية في هذه المرحلة متناثرة حسب موضوعاتها التي يتفق الكلام فيها دون وضع قواعد صريحة لهذا العلم، كما خلت هذه المرحلة من الاستعانة بعلم المنطق الأرسطي.

المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي دخل فيها الأشاعرة معترك الكلام في مقابل المعتزلة، وتعد هذه المرحلة أكثر تطورًا، نظرًا لوضع قواعد علم الكلام ومقدماته التي يحتاج إليها الدارس مثل: إثبات الجوهر، وغيره.

المرحلة الثالثة: حيث تتميز هذه المرحلة بمناقشة كلام الفلاسفة وإدخال ذلك في علم الكلام، كما تتميز أيضًا باستعمال المنطق الأرسطي في مقدمات علم الكلام، ودراسة أدلته، وبراهينه.

المرحلة الرابعة: تتميز بالخلط بين مذاهب الفلسفة والكلام، واشتباه الأمر فيها على الكاتب والقارئ جميعًا، ثم التقليد المحض لتلك الآراء من غير نظر في أصولها. وهناك أسباب كامنة وراء تفشي الظاهرة الكلامية منها:

أولا: تسامح المسلمين: فلقد كانت شروط الفتح الإسلامي تسمح ببقاء بذور الحضارات المختلفة عند طوائف كبيرة من الأهالي الذين واصلوا التمتع بعاداتهم وقوانينهم على شريطة أن يعطوا الجزية، وكان طبيعيًا أن تتأسس الروابط والعلاقات بين الفاتحين وأهل البلاد في وقت مبكر سواء أكان ذلك بسبب الحوار أم بسبب اعتناق الإسلام، وكان قد التحق بالإسلام طوائف وفئام من كل ملة، دخلوا حاملين لما كان عندهم من فلسفات وديانات راغبين أن يصلوا بين الإسلام وبين تلك الأديان والفلسفات، فثارت الشبهات بعد ما هبت على الناس أعاصير الفتن، ولاشك أن هذا التمازج والاختلاط والتوسع في الفتوحات مع السماح ببقاء بذور ورواسب الحضارات السابقة كان له الأثر في نشأة علم الكلام ولم يستطع المصلحون أن يواجهوا تلك الفتنة وإخمادها بل على العكس من ذلك.

ما إن فتحت البلدان على المسلمين، وتوسعت الرقعة التي يظلها الإسلام بظله، حتى تأثر المسلمون بما وفد عليهم من عوامل ومؤثرات، وحتى اختلطوا بأبناء الأمم المفتوحة الذين كانوا متأثرين بسابق حضارتهم، وما تحمله ثقافتهم ودياناتهم من أفكار ومعتقدات بل ومناهج نظر وبحث، تختلف باختلاف تلك الأمم، إلى جانب أن الكثير من أبناء الأمم قد دخلوا الإسلام حاملين ذلك التراث المثقل بركام التصورات القديمة، والمناهج الضالة، فكانوا كبذور فتنة ألقيت في تربة الإسلام، فتأثر بهم من تأثر من أبناء المسلمين، وركبوا من المناهج مراكب الوافدين، فجاءت الثمار تحمل مناهج استدلال غير المنهج الذي عرفه السلف من الصحابة والتابعين، ولا يغيب عن أذهاننا أن بعض من دخل في الإسلام لم يدخل إلا لبث الشبهات، وزلزلة العقائد، ودس المناهج الضالة، والمتأمل في رؤوس الضلالة ورواد البدعة سيجد أن أغلبهم من بقايا الديانات والفلسفات التي سحقها الإسلام، مثل اليهودية، والنصرانية، والمجوسية.

ثانيًا: حركة التعريب (الترجمة): وهناك سبب آخر من أهم أسباب انتشار الظاهرة الكلامية، ذلك السبب هو حركة التعريب (الترجمة) لكتب الفلسفة والمنطق، وهي من أعظم أبواب الشر التي فتحت في زمن المأمون، فكثر تعريب كتب فلاسفة اليونان الأوائل، مما كان له أسوأ الأثر في تكدير صفو العقيدة، وبلبلة الناس، وشغلهم بالمنطق الإغريقي عن الكتاب والسنة، حيث ترجمت العديد من الكتب مثل: كتاب (الطبيعة)، وكتاب (ما بعد الطبيعة) لأرسطو، وترجم كتاب (كليلة ودمنة)، وكثير من كتب الكيمياء، والطب والنجوم مثل كتاب (الحكم الذهبية) لفيثاغورث، ومصنفات أبقراط وجالينوس وكتاب (النواميس) لأفلاطون، و(جوامع المحاورات) له أيضًا. ولعل السر يكمن في أن أغلب المترجمين كانوا غير المسلمين، مثل يحيى البطريق، وجورجس بن جبرائيل، وتيادورس، وعبد المسيح بن ناعمة الحمصي، وقسطا ابن لوقا البعلبكي، وحنين بن إسحاق وغيرهم.

قال الإمام السفاريني: "قال العلماء إن المأمون لما هادن بعض ملوك النصارى أظنه صاحب قبرص، طلب منه خزانة كتب اليونان، وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد، فجمع الملك خواصه من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك، فكلهم أشاروا بعدم تجهيزها إليه إلا مطران واحد فإنه قال: جهزها إليهم، فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها، وأوقعت بين علمائها". وحدثني من أثق به أن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كان يقول: "ما أظن أن الله يغفل عن المأمون، ولا بد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية بين أهلها".

وفي هذه الأثناء مد أهل البدعة رواق بدعتهم، وتنفذوا على البلاد والعباد، وصارت المنابر والحلق والقضاء حكرًا عليهم، وضيق على أهل السنة، ونالهم العنت الشديد. وهكذا ظل علم الكلام يترقى في مراحله المذكورة سابقًا حتى صارت مباحثه مختلطة بالمباحث الفلسفية البحتة، وصار هو الطريق المعبر عن عقيدة المسلمين على ما فيه من إغماض، وتعقيد، وتكلف يصعب على العلماء أنفسهم فَهْمُ أغلب مباحثه، ومصطلحاته، هذا عابه السلف، وإن لهم منه موقف.

موقف السلف الصالح من علم الكلام:

لقد كان موقف السلف الصالح من علم الكلام موقفًا حازمًا هو المنع من تعاطي هذا العلم والاشتغال به ومجالسة أصحابه أو حتى الرد عليهم، وذلك أنهم نظروا إلى منهج الرسالة من الكتاب والسنة، فوجدوه قد انتهج منهجًا خاصًا في تقرير العقيدة الإسلامية، فاتجه إلى العقل الإنساني والفطرة البشرية يخاطب ما جبلت عليه من حقائق تجعل الإيمان بوجود الخالق وضرورة عبادته وحده أمرًا بديهيًا، لا حاجة فيه إلى الجدل والسفسطة، وأن الإسلام مبناه على الخضوع والاستسلام.

ثم نظروا إلى الأصول والمحاضن التي نشأ فيها علم الكلام، فوجدوا أن علم الكلام ترعرع في بيئة وثنية خالية من التوحيد، أساسه الفلسفة اليونانية، وبيئة المجتمع الإغريقي الإباحي المنحل، فأطلقوا صيحات الإنذار إشفاقًا على هذه الأمة من أن تأخذ مأخذ الأمم السابقة فكثرت أقوالهم في التحذير من علم الكلام، وهذه الورقات مع ما سبق طرحه من الأمر بلزوم السنة تعطينا صورة واضحة متكاملة عن حرص السلف الصالح الكرام على هذه الأمة، وإليك نماذج من أقوالهم المحذرة من علم الكلام.

  • يقول الإمام أحمد في رسالته للخليفة المتوكل في أمر القرآن: "ولست بصاحب كلام ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله - عز وجل - أو في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن أصحابه، أو عن التابعين. فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود".
  • وعن صالح بن أحمد بن حنبل قال: كتب رجل إلى أبي فسأله عن مناظرة أهل الكلام والجلوس معهم فأملى علي جوابه: "أحسن الله عاقبتك، ودفع عنك كل مكروه ومحذور، الذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا من أهل العلم أنهم كانوا يكرهون الكلام والخوض مع أهل الزيغ، وإنما الأمر بالتسليم والانتهاء إلى ما في كتاب الله  جل وعلا".
  • وقال: "لا يفلح صاحب كلام أبدًا، ولا أرى أحدًا نظر في الكلام إلا في قلبه دغل".
  • وعن الإمام الشافعي رحمه الله قال: "إياكم والنظر في الكلام فإن الرجل لو سئل عن مسألة الفقه فأخطأ فيه كان أكثر شيء أن يضحك منه عليه، ولو سئل عن مسألة في الكلام فأخطأ فيها نسب إلى البدعة، لقد رأيت أهل الكلام يكفر بعضهم بعضًا، ورأيت أهل الحديث يخطئ بعضهم بعضًا، والتخطئة أهون من الكفر".
  • وقال أيضًا: "لأن يبتلى المرء بكل ذنب نهى الله عنه ما عدا الشرك، خير له من الكلام".
  • وقال أيضًا: "لقد اطلعت من أصحاب الكلام على شيء ما ظننت أن مسلمًا يقول ذلك".
  • وقال أيضًا: "حكمي على أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، فيقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام".
  • وقال الإمام مالك: "إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله ما البدع؟، قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته، وكلامه، وعلمه، وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة وتابعيهم".
  • وقال أيضًا: "كلما جاءنا رجل أجدل من رجل، تركنا ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدله".
  • وقال أبو يوسف - من الحنفية -: "من طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب الدين بالكلام تزندق".
  • وقال أبو محمد البربهاري: "واعلم أنها لم تكن زندقة، ولا كفر، ولا شكوك، ولا بدعة، ولا ضلالة، ولا حيرة في الدين، إلا من الكلام، وأهل الكلام".
  • وقال أيضًا: "وإذا أردت الاستقامة على الحق، وطريق السنة قبلك، فاحذر الكلام، وأصحاب الكلام".
  • وقال الإمام الدارمي بعد ذكره لمقتل الجعد بن درهم، عن أهل الكلام: "ثم لم يزالوا بعد ذلك مقموعين، أذلة مدحورين، حتى كان الآن بأخرى، حيث قلت الفقهاء، وقبض العلماء، ودعا إلى البدع دعاة الضلال، فشد ذلك طمع كل متعوذ في الإسلام من أبناء اليهود والنصارى وأنباط العراق، ووجدوا فرصة للكلام فحدوا في هدم الإسلام، وتعطيل ذي الجلال والإكرام، وإنكار صفاته وتكذيب رسله وإبطال وحيه، إذ وجدوا فرصتهم وأحسوا من الرعاع جهلًا، ومن العلماء قلة، فنصبوا عندها الكفر للناس إمامًا، بدعوتهم إليه وأظهروا لهم أغلوطات من المسائل، وعمايات من الكلام ليغالطوا بها أهل الإسلام".

هذا كلام أهل العلم الأساطين الأثبات، أخذنا منه قطرة من فيض عطائهم، وكلامهم في التحذير من علم الكلام والاشتغال به. فيا ترى ما هو قول أصحاب هذا الفن ممن اشتغل حياته بتحصيله، والنظر فيه، والاستدلال بموجبه، إليك بعضاً من كلامهم. يقول أبو حامد الغزالي: فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه؟ فاعلم أن الناس في هذا غلواً وإسرافاً في أطراف، فمن قائل إنه بدعة وحرام، وأن العبد إن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام، ومن قائل إنه فرض إما على الكفاية، وإما على الأعيان، وأنه أفضل الأعمال وأعلى القربات، فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله، وإلى التحريم ذهب الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، وسفيان، وجميع أئمة الحديث من السلف.. وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، لا ينحصر ما نقل عنهم من التشديد فيه؛ قالوا ما سكت عنه الصحابة مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح في ترتيب الألفاظ من غيرهم إلا لما يتولد من الشر. وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون». أي المتعمقون في البحث والاستقصاء واحتجوا أيضاً بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلم طريقه ويثني على أربابه... فإن قلت فما المختار عندك؟ فأجاب: فيه منفعة وفيه مضرة، فهو في وقت الانتفاع حلال أو مندوب أو واجب كما يقتضيه الحال، وهو باعتبار مضرته في وقت الاستقرار ومحله حرام، فأما مضرته فإثارة الشبهات، وتحريف العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل بالابتداء، ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الأشخاص، فهذا ضرورة في اعتقاد الحق، وله ضرر في تأكيد اعتقاد البدعة وتثبيتها في صدورهم. بحيث تنبعث دواعيهم، ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، لكن هذا الضرر بواسطة التعب الذي يثور من الجدل، أما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه وهيئتها، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل أكثر من الكشف والتعريف، وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى المعرفة في هذا الوجه مسدود، ولعمري لا ينفعك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور.

أما كبير المتكلمين الذي يدور على مقالاته مذاهبهم، أوحد زمانه في المعقول والمنقول، أبو عبد الله الفخر الرازي، فقد أوصى عند موته كما في كتاب (عيون الأنباء) فقال: "وكنت أكتب في كل شيء شيئاً، لا أقف على كميه وكيفيه سواء كان حقاً أو باطلاً، غثاً أو سميناً.. ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقصات، وما ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشي، وتضمحل في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية.. وأقول ديني متابعة محمد سيد المرسلين، وكتابي هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما".

وأما الإمام الجويني، فإنه ندم على ما كان منه من تضييع عمره في تحصيل علم الكلام، ونهى أصحابه عن الخوض فيه فقال: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ إلى ما بلغ ما اشتغلت به، وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني، ها أنا أموت على عقيدة أمي، أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور، وقال: اشهدوا علي أني رجعت عن كل مقالة يخالف فيها السلف".

ولقد اقتصرنا في سرد أقوال بعض المتكلمين وتركنا آخرين لكفاية ما ذكرنا، فرجوع هؤلاء الأكابر وقضاؤهم على النظر المتعمق فيه بما سمعت، بعد أن أفنوا فيه أعمارهم من أوضح الحجج على من دونهم، وبطلان مأخذهم، واشتغالهم بعلم الكلام، واستدلالهم بموجبه. ومن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسًا، تائهًا، شاكًا، لا مؤمنًا مصدقًا، ولا جاحدًا مكذبًا.

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة، مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِمًا، نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ، سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام، وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا، وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه، وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فِي القَريبِ العَاجِلِ، وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها، إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم ، وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

More from null

تأملاتی در کتاب: "از مؤلفه‌های روانشناسی اسلامی" - قسمت پانزدهم

تأملاتی در کتاب: "از مؤلفه‌های روانشناسی اسلامی"

تهیه کننده: استاد محمد احمد النادی

قسمت پانزدهم

الحمدلله رب العالمین، و الصلاة و السلام علی امام المتقین، و سید المرسلین، مبعوث رحمت للعالمین، سیدنا محمد و علی آله و صحبه اجمعین، و اجعلنا معهم، و احشرنا فی زمرتهم برحمتک یا ارحم الراحمین.

شنوندگان گرامی، شنوندگان رادیو دفتر اطلاع رسانی حزب التحریر:

السلام علیکم و رحمه الله و برکاته، و بعد: در این قسمت، تأملات خود را در کتاب: "از مؤلفه های روانشناسی اسلامی" ادامه می دهیم. و به منظور ساختن شخصیت اسلامی، با توجه به ذهنیت اسلامی و روانشناسی اسلامی، می گوییم و از خدا توفیق می طلبیم:

ای مسلمانان:

در قسمت گذشته گفتیم: برای مسلمان نیز سنت است که برای برادرش در غیابش دعا کند، همانطور که برایش سنت است که از برادرش بخواهد که برایش دعا کند، و برای او سنت است که پس از دوست داشتن او، از او دیدار کند و با او بنشیند و با او پیوند برقرار کند و در راه خدا با او بذل و بخشش کند. و برای مسلمان مستحب است که با آنچه دوست دارد با برادرش ملاقات کند تا او را با این کار خوشحال کند. و در این قسمت اضافه می کنیم و می گوییم: برای مسلمان مستحب است که به برادرش هدیه دهد، به دلیل حدیث ابوهریره که بخاری در الأدب المفرد و ابویعلی در مسندش و نسائی در الکنی و ابن عبدالبر در التمهید آورده اند، و عراقی گفته است: سند آن خوب است، و ابن حجر در تلخیص الحبیر گفته است: سند آن حسن است، گفت: رسول خدا صلی الله علیه و آله و سلم فرمود: "به همدیگر هدیه دهید تا یکدیگر را دوست داشته باشید".

و همچنین مستحب است که هدیه او را بپذیرد، و در مقابل آن پاداش دهد، به دلیل حدیث عایشه نزد بخاری که گفت: "رسول خدا صلی الله علیه و آله و سلم هدیه را می پذیرفت و در مقابل آن پاداش می داد".

و حدیث ابن عمر نزد احمد و ابوداود و نسائی، گفت: رسول خدا صلی الله علیه و آله و سلم فرمود: "هر کس به خدا پناه برد، به او پناه دهید، و هر کس از شما به نام خدا چیزی خواست، به او بدهید، و هر کس از خدا طلب پناهندگی کرد، به او پناه دهید، و هر کس به شما احسانی کرد، به او پاداش دهید، و اگر نیافتید، برای او دعا کنید تا بدانید که به او پاداش داده اید".

و این بین برادران است، و هیچ ارتباطی با هدایای رعیت به حاکمان ندارد، زیرا آنها مانند رشوه حرام هستند، و از پاداش دادن این است که بگوید: خدا به تو جزای خیر دهد.

ترمذی از اسامه بن زید رضی الله عنهما روایت کرده و گفته است حسن صحیح است، گفت: رسول خدا صلی الله علیه و آله و سلم فرمود: "هر کس به او احسانی شود و به کننده آن بگوید: "خدا به تو جزای خیر دهد" به درستی که در ستایش مبالغه کرده است". و ستایش شکر است، یعنی پاداش دادن، به ویژه از کسی که غیر از آن چیزی نمی یابد، به دلیل آنچه ابن حبان در صحیح خود از جابر بن عبدالله روایت کرده است، گفت: شنیدم که پیامبر صلی الله علیه و آله و سلم می فرمود: "هر کس نیکی کند و جز ستایش برای او خیری نیابد، پس او را شکر کرده است، و هر کس آن را پنهان کند، کفر ورزیده است، و هر کس به باطل زینت کند، مانند کسی است که دو لباس دروغ پوشیده است". و با سند حسن نزد ترمذی از جابر بن عبدالله روایت شده است که گفت: رسول خدا صلی الله علیه و آله و سلم فرمود: "هر کس عطایی کند و چیزی بیابد، باید آن را جبران کند، و اگر نیابد، باید او را ستایش کند، پس هر کس او را ستایش کند، او را شکر کرده است، و هر کس آن را پنهان کند، کفر ورزیده است، و هر کس به چیزی که به او داده نشده است زینت کند، مانند کسی است که دو لباس دروغ پوشیده است". و کفر ورزیدن به عطاء یعنی پنهان کردن و پوشاندن آن.

و با سند صحیح ابوداود و نسائی از انس روایت کرده اند که گفت: "مهاجرین گفتند ای رسول خدا، انصار همه پاداش را بردند، ما قومی را ندیدیم که بهتر از آنها در دادن چیزهای زیاد بذل و بخشش کنند، و نه بهتر از آنها در همدردی در چیزهای کم، و آنها مخارج ما را کفایت کردند، فرمود: آیا شما آنها را به خاطر آن ستایش نمی کنید و برای آنها دعا نمی کنید؟ گفتند: آری، فرمود: پس آن در مقابل آن است".

و شایسته است که مسلمان کم را مانند زیاد شکر کند، و از مردمی که به او خیری می رسانند تشکر کند، به دلیل آنچه عبدالله بن احمد در زوائد خود با سند حسن از نعمان بن بشیر روایت کرده است که گفت: رسول خدا صلی الله علیه و آله و سلم فرمود: "هر کس کم را شکر نکند، زیاد را شکر نکرده است، و هر کس از مردم تشکر نکند، خدا را شکر نکرده است، و سخن گفتن از نعمت خدا شکر است، و ترک آن کفر است، و جماعت رحمت است، و تفرقه عذاب است".

و از سنت است که برای برادرش برای منفعت خیر یا آسان کردن دشواری شفاعت کند، به دلیل آنچه بخاری از ابوموسی روایت کرده است، گفت: "پیامبر صلی الله علیه و آله و سلم نشسته بود که مردی آمد و سؤال کرد، یا نیازمندی حاجتی را طلب کرد، رو به ما کرد و فرمود: شفاعت کنید تا پاداش داده شوید و خداوند بر زبان پیامبرش آنچه را که می خواهد جاری کند".

و به دلیل آنچه مسلم از ابن عمر از پیامبر صلی الله علیه و آله و سلم روایت کرده است که فرمود: "هر کس برای برادر مسلمانش به صاحب قدرتی برای منفعت خیر یا آسان کردن دشواری واسطه شود، در روزی که قدم ها می لغزند، برای عبور از صراط یاری می شود".

و همچنین برای مسلمان مستحب است که در غیاب از آبروی برادرش دفاع کند، به دلیل آنچه ترمذی روایت کرده و گفته است این حدیث حسن است از ابودرداء از پیامبر صلی الله علیه و آله و سلم که فرمود: "هر کس از آبروی برادرش دفاع کند، خداوند در روز قیامت آتش را از صورتش دور می کند". و حدیث ابودرداء را احمد آورده و گفته است سندش حسن است، و هیثمی نیز همین را گفته است.

و آنچه اسحاق بن راهویه از اسماء بنت یزید روایت کرده است که گفت: شنیدم که رسول خدا صلی الله علیه و آله و سلم می فرمود: "هر کس در غیاب از آبروی برادرش دفاع کند، بر خدا حق است که او را از آتش آزاد کند".

و قضاعی در مسند الشهاب از انس آورده است، که گفت: رسول خدا صلی الله علیه و آله و سلم فرمود: "هر کس در غیاب برادرش را یاری کند، خداوند او را در دنیا و آخرت یاری می کند". و قضاعی همچنین از عمران بن حصین با این اضافه آورده است: "و او توانایی یاری کردن او را دارد". و به دلیل آنچه ابوداود و بخاری در الأدب المفرد آورده اند، و زین عراقی گفته است: سندش حسن است از ابوهریره که رسول خدا صلی الله علیه و آله و سلم فرمود: "مؤمن آینه مؤمن است، و مؤمن برادر مؤمن است، از هر کجا که او را ملاقات کند، زیان او را از او دفع می کند و از پشت سر از او محافظت می کند".

ای مسلمانان:

از طریق احادیث نبوی شریفی که در این قسمت و قسمت قبل وارد شده است، دانستید که برای کسی که برادری را در راه خدا دوست دارد، سنت است که او را از دوست داشتن خود آگاه کند و به او اطلاع دهد. و همچنین برای مسلمان سنت است که برای برادرش در غیابش دعا کند. همانطور که برایش سنت است که از برادرش بخواهد که برایش دعا کند. و برای او سنت است که پس از دوست داشتن او، از او دیدار کند و با او بنشیند و با او پیوند برقرار کند و در راه خدا با او بذل و بخشش کند. و برای مسلمان مستحب است که با آنچه دوست دارد با برادرش ملاقات کند تا او را با این کار خوشحال کند. و برای مسلمان مستحب است که به برادرش هدیه دهد. و همچنین مستحب است که هدیه او را بپذیرد، و در مقابل آن پاداش دهد.

و شایسته است که مسلمان از مردمی که به او خیری می رسانند تشکر کند. و از سنت است که برای برادرش برای منفعت خیر یا آسان کردن دشواری شفاعت کند. و همچنین برای او مستحب است که در غیاب از آبروی برادرش دفاع کند. پس آیا به این احکام شرعی و سایر احکام اسلام پایبند باشیم؛ تا همانگونه باشیم که پروردگارمان دوست دارد و از آن راضی می شود، تا آنچه را که در ماست تغییر دهد، و احوال ما را اصلاح کند، و به خیر دنیا و آخرت دست یابیم؟!

شنوندگان گرامی: شنوندگان رادیو دفتر اطلاع رسانی حزب التحریر:

در این قسمت به این مقدار بسنده می کنیم، به این امید که تأملات خود را در قسمت های آینده ان شاء الله تعالی تکمیل کنیم، تا آن زمان و تا زمانی که شما را ملاقات کنیم، شما را در پناه خدا و حفظ و امان او می گذاریم. از حسن توجه شما سپاسگزاریم و السلام علیکم و رحمه الله و برکاته.

بدانید ای مسلمانان! - قسمت 15

بدانید ای مسلمانان!

قسمت 15

اینکه از دستگاههای دولت خلافت، یاری دهندگان هستند، و آنها وزیرانی هستند که خلیفه آنها را با خود منصوب می کند، تا در تحمل بارهای خلافت و انجام مسئولیت های آن به او کمک کنند، زیرا فراوانی بارهای خلافت، به ویژه هر چه دولت خلافت بزرگتر و گسترده تر شود، خلیفه به تنهایی از حمل آن ناتوان می شود و نیاز به کسی دارد که در حمل آن برای انجام مسئولیت هایش به او کمک کند، اما درست نیست که آنها را بدون قید و شرط وزیر بنامیم تا معنای وزیر در اسلام که به معنای معاون است، با معنای وزیر در نظام های عرفی کنونی بر اساس دموکراسی سرمایه داری سکولار یا سایر نظام هایی که در عصر حاضر شاهد آن هستیم، اشتباه نشود.