اقتصاد

الفئات الفرعية: مال أعمال
مقال مميز

تصريحات سلطان السامعي... وشهد شاهد منهم أظهر فسادهم وتبعيتهم للغرب

في مقابلة بثتها قناة الساحات، يوم الأحد 2025/8/3 فجّر الفريق سلطان السامعي، عضو المجلس السياسي الأعلى في صنعاء، جملة من التصريحات الصادمة، أبرزها اعترافه بأن المجلس السياسي الأعلى مجلس شكلي لا يملك القرار الفعلي، وأنهم عاجزون حتى عن إيقاف فاسد واحد، رغم أن الفساد يُمارَس علناً ويُدار من جهات عليا. وأشار إلى خروج أكثر من 150 مليار دولار من البلد، وتحوّل أشخاص من حفاة إلى

اقرأ المزيد
عقد الاستصناع- مع الأستاذ إياد العطار

عقد الاستصناع- مع الأستاذ إياد العطار

إن الحمد لله وأشهد أن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) وعلى آله و صحبه ومن تبعه بإحسان و إتقان إلى يوم الدين و بعد:- سبحان الذي خلق الارض وجعل الإنسان مستخلفا فيها وسخر ما فيها لخدمته حيث قال: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ }لقمان20 . وقال: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الجاثية13,وقال:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165. وخلق الإنسان فأحسن خلقه وحباه بالعقل القدرة على التفكير والحكم على الأشياء على هذه الارض وبالعمل لاستغلال مقدراتها وثرواتها بما يشبع طاقته الحيوية ويلبي حاجاته و احتياجاته فمارس منذ وجوده على الارض صناعة أدواته وما يحتاجه ولا زال ,وقد استعرض القران الكريم إحدى هذه الصور التي من الله بها على البشرية بنجاة المؤمنين مع نبي الله نوح من الطوفان بقوله تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ }هود37 . ومما لا شك فيه أن الله تعالى قد سخر بني البشر لخدمة بعضهم بعضا حيث يقول في محكم التنزيل: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }الزخرف32. وأن الإنسان بطبعه بحاجة ومحتاج إلى غيره وهذا يجعل المجتمع حيويا ومستقرا من جهة تحرك الأموال بين الناس وينعش الحركة الاقتصادية ويزيد من مصادر الدخل و يلبي حاجاته المتخصصة من خلال تفريغ أصحاب التخصصات في تخصصاتهم. أن الاستصناع قديم بين الناس, و يتزايد العمل به مع ازدياد الحاجة وتقدم الصناعة و ظهور الآلات والأدوات والمصانع وقد تطور تطورا هائلا و انتشر وعم أرجاء الارض لزيادة الطلب و الحاجة إليه و أورد هنا ما ورد في كتاب مجموع فتاوى ابن تيمية كمثال: (احتاج المجاهدون إلى أهل الصناعات والتاجرات كصناع الطعام و اللباس والسلاح ومصالح الخيل وغير ذلك و طلب منهم تلك الصناعة بعوضها). لذا فانه لا يخفى على أحد أن الإنسان يتطور ويرقى بتطور ورقي وسائل وأساليب عيشه التي يقوم بصناعتها فالصناعة والتصنيع والاستصناع استغلال للمادة بما يتلاءم وحاجات الإنسان بتشكيلها بصورة ما يلزمه ويريده ويحتاجه بكيفية وحالة أو هيئة مرغوبة. والتصنيع يتم بتقنية معينة أي :( المعلومات والبيانات اللازمة لإجراء عملية التصنيع),و عملية التصنيع: تمثل المراحل والمعطيات التي من خلالها تحول المادة أو المواد من حالتها الأصلية إلى حالة أخرى أكثر صلاحية وفعالية ومرغوبة من أجل خدمة الإنسان ومتطلبات عيشه واستفادته. وحيث أن للصناعة والتصنيع أثر بالغ الأهمية في حياة الفرد والمجتمع والدولة ,فلا تكاد تجد شيئا من مظاهر الحياة إلا وقد أدخلت الصناعة فيه أو شكلت جزءا مهما وحيويا منه. فقد دخلت الصناعة والتصنيع في المجالات كافة السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والعلمية حتى غدت تشكل الصفة الأبرز التي تدل على تقدم الأمة والدولة وعلى قوتها ورخائها ورفاهيتها. وقد كان لذلك أثرا بالغا في بروز دول كبرى هيمنة على العالم من خلال تقدمها الصناعي والاقتصادي والتكنولوجي والالكتروني وحسن استغلالها , وأن الصناعة الذرية و صناعة الطائرات وأسلحة الدمار الشامل والأجهزة الالكترونية والكهربائية والصواريخ والدبابات والبوارج العملاقة وغيرها هو الذي أتاح لها السيطرة والنفوذ والتحكم بالعلاقات والموقف الدوليين . ونحن بصفتنا مسلمين قد استخلفنا في هذه الأرض وحملنا أمانة لتحقيقها بتكليف من الله سبحانه وتعالى كان واجبا علينا أن نكون روادا وقادة في التصنيع والصناعة لأننا حملنا أمانة إسعاد البشرية ورعايتها فوق كونه مطلوبا لنا,وبحسب قاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ) فعلينا أن نعمل جادين لإعادة دولة الإسلام التي تباشر ذلك لان لها حق الرعاية الصحيحة للأمة والمجتمع داخليا بتطبيق أحكام الشرع وتوفير ما يلزم الفرد والمجتمع من السلع والحاجات والخدمات الأساسية وعلى أرقى مستوى والكمالية منها إذا أمكن,ومن ثم حمل الإسلام للعالم بقوة وإخلاص ووعي. إن ما يلزم للتصنيع من ناحية عملية سلسلة إجراءات ووجود ما يلي:1- إرادة سياسية وإدارة مؤمنة واعية مخلصة و مسؤولة .2- مواد خام وموارد أساسية كافية.3- أدوات وآلات و وسائل وإمكانيات وطاقات مادية و مالية وتكنولوجية وفنية.4- معرفة علمية وعلماء(أدمغة وعقول) متخصصة ومتقدمة.5- وجود أجواء ملائمة و مناخا مناسبا من الأمن والاستقرار والسيادة في ظل عملية التصنيع. فإن تحقق ذلك فان الدولة تكون قد خطت الخطوة الأولى ووضعت نفسها على أولى درجات التصنيع ثم تمتلك ناصيته ومع وعد الله لنا بدولة خلافة راشدة قريبة إن شاءا لله فإنها ستكون الدولة الأولى في صناعة التصنيع وإنتاج قطاعات التصنيع المختلفة لأنها ستمتلك كل ذلك وقبله القيادة الفكرية المبدئية العالمية. وسأستعرض بعون الله وحوله مفهوم الإستصناع ونشأته و مشروعيته ودلالاته وصفته وأركانه و شروطه وأحكامه من الناحية الشرعية كما ورد في الشريعة الإسلامية ومن مصادر الفقه المختلفة ما أمكنني إلى ذلك سبيلا وفي حدود استطاعتي سائلا الله أن يعينني و يلهمني الصدق والحق و الصواب. = تعريف الاستصناع و مفهومه: * في اللغة:- استفعال من صنع (الألف والسين للطلب) بمعنى طلب الصنع,والصناعة حرفة الصانع ,واصطنعه اتخذه:قال تعالى :(واصطنعتك لنفسي ),والصنع مصدر كقولك صنع إليه معروفا أي فعل واصطنع فلان خاتما إذا سأل الرجل أن يصنع له خاتما واستصنع الشيء دعا إلى صنعه ,لذا فهو لغة طلب الفعل. * في الاصطلاح:اختلف العلماء كثيرا في تعريفه لاختلافهم في حقيقته وكيفيته واختلفوا في كونه عقد أم وعد , والذين عدوه عقدا اختلفوا في كونه عقد بيع أم عقد إجارة أو نوع خاص كالسلم وكذلك اختلفوا في كونه عقد لازم أم جائز أو محظور وساقوا الأدلة على ما وصلوا إليه , وبذلك اختلفوا على أركانه وشروطه وكل ما تعلق بهما وسأسوق في بداية البحث هذا بعض هذه الاختلافات مع بعض أدلتهم حتى تعم الفائدة : لقد اعتبره جمهور العلماء من (السلم), أما الأحناف فعدوه عقدا مستقلا واختلفوا في تعريفه لإدخالهم بعض القيود أو إخراجها, وملخص قولهم باعتباره عقدا( وليس وعدا) بأن الاستصناع :- طلب العمل من الصانع في شيء خاص بمقابل عوض معلوم. أو(عقد مقاولة بين شخصين يطلب فيه أحدهما وهو المستصنع من الآخر وهو الصانع أن يصنع له شيئا معينا بأوصاف مخصوصة مقابل ثمن معين يدفعه له أو يتفقان على تأجيله أو تقسيطه. أو (عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل على وجه مخصوص بثمن معلوم)وهذا التعريف معناه : 1- أن الاستصناع عقد وليس وعد كما قال أكثر فقهاء الأحناف.2- وكونه على مبيع يخرجه من الإجارة فهو عقد على منافع لا على عين, وفي الذمة قيد ثالث احترز به عن كونه مبيع على عين حاضرة.3- وكون العمل فيه شرط إخراج للاستصناع من كونه سلما .4- وكونه على وجه مخصوص أي جامع لشروط الاستصناع ببيان الجنس و النوع و القدر إلى غير ذلك بحيث لا يؤدي إلى نزاع وخلاف .5- وكونه بثمن معلوم أي قدره ونوعه بحيث لا يتم قبض الثمن في مجلس العقد. مشروعيته:- الاستصناع مشروع في الفقه الإسلامي, فجمهور الفقهاء من المالكية و الشافعية يقولون بمشروعية الاستصناع قياسا على السلم(وهو اسم لعقد يوجب الملك في الثمن عاجلا و في المثمن آجلا) وعدوه أحد أنواعه و اشترطوا فيه شروط السلم و طبقوا عليه أحكامه أي أنهم لا يرونه عقدا مستقلا. أما جمهور الحنفية فقالوا بمشروعية الاستصناع بوصفه عقدا مستقلا له أحكام خاصة وأفردوه بالبحث في كتبهم وفصلوا القول فيه و بعضهم عده وعدا لا عقدا.ومجمل قول الحنفية فيه:-أن مقتضى القياس أن لا يجوز الاستصناع لأنه بيع لمعدوم و بيع المعدوم لا يجوز لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان وان قيل انه إجارة فلا يصح أيضا لأنه استئجار على تحصيل عمل بشرط أن تكون المادة التي يصنع منها ملك الصانع. وقالوا يجوز الاستصناع استحسانا لتعامل الناس به من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارفهم عليه في سائر البلدان من غير إنكار و العرف عندهم احد مصادر الفقه الإسلامي فكان ذلك دليل على الجواز و يترك به القياس. و صح في السنة النبوية أن الرسول صلى الله عليه و سلم استصنع خاتما وان كان المعقود عليه في الاستصناع معدوما إلا انه محقق الوجود في العادة فلا غرر فيه و ألحق بالموجود لمسيس الحاجة إليه فعد كأنه موجود حكما. حكم الاستصناع: و الحكم على الاستصناع بأنه عقد أو وعد يترتب عليه أن العقد ملزم عند الاتفاق فلا يحق فسخه أما الوعد فيكون ملزم شرعا و يأثم بعدم الإمضاء ولا ضمانه لأحدهما على الآخر وهو عقد على رأي أكثر الأحناف وأكثر المعاصرين و(المجمع الفقهي الإسلامي).أما بعض علماء الأحناف (مثل الحاكم الشهيد, محمد بن سلمه, أبو القاسم الصغار, السمرقندي) فيعتبرونه وعد. *فالعقد لغة: من عقد الحبل أحكم ربطه و مثله عقد اليقين أي وثقها و غلظها و عقد البيع أي أحكمه و أكده و المعاقدة للقوم أي تعاهدهم من المعاهدة. * واصطلاحا: هو العهد (ما أحل الله و حرمه)كما في قوله تعالى :{وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ }الرعد25 . و يدخل تحته كافة العقود و البيوع. *بينما الوعد لغة : وعد يعد وعدا وعدة و يطلقان على الخير و الشر ( وعد خيرا و وعد شرا) أو قيل في الخير الوعد و العدة وفي الشر الايعاد و الوعيد. * أما اصطلاحا : فهو ما يطلبه الطالب فيعده صاحبه بإنفاذ ما طلب كالوعد ببيع شيء لشخص آخر فيلزمه شرعا لا قضاء . = أدلة القائلين بأنه عقد وليس وعد هي:-1- أنه أجري في الاستصناع القياس و الاستحسان فلو كان وعد لما احتاج إلى ذلك.2- إن الاستصناع يثبت به خيار الرؤية و الوعد ليس كذلك.3- إن الاستصناع يجوز فيما فيه تعامل بين الناس لا فيما لا تعامل فيه كما في الوعد4- إن الصانع يملك المال لقبضه و لو كان وعدا لم يملكها.5- إن الاستصناع يجري فيه التقاضي و التقاضي يكون في المعقود لا الموعود.6- أن الاستصناع لو كان وعدا لما صح أن يحكم فيه بعدم الصحة لأن الوعد لا يوصف بالصحة أو عدمها و إنما يختص بالعقود. = أدلة من قال أنه وعد وليس عقد هي:-1-أن للمستصنع الحق في أن يرد المصنوع و الرجوع عما استصنعه قبل رؤيته وتسليمه و لو كان عقدا لما أمكن ذلك بل يلزمه القبول.2- إن للصانع أن لا يعمل فلا يجبر بينما العقد يلزمه بالعمل.3- أنه لو كان عقدا لما بطل بموت أحد العاقدين.4- لو كان عقدا لما صح لأنه بيع لمعدوم. من كلا القولان و أدلتهم نلاحظ أن:- 1- لم يحرم الشرع بيع المعدوم و إنما النهي انصب على الغرر (مثل المزابنه و المحاقلة التي لا يدرى هل ينبت ذلك المكان أم لا)و الاستصناع أغلب الظن وجوده لتوفر مستلزماته لدى الصانع. 2- نهى الشرع عن بيع الإنسان ما لا يملك من حديث حكيم بن حزام (لا تبع ما ليس عندك)في حين أن الاستصناع بيع آجل موصوف في الذمة يغلب على الظن إيجاده وقت طلبه فهو قريب من السلم الجائز شرعا. 3- قولهم أنه لو كان عقد لما بطل بموت أحد العاقدين إنما كان ذلك لشبهته بالإجارة و هو عقد كالبيع و البيع يلزم ورثة الميت بنفاذ البيع. 4- إن عقد الاستصناع يلزم الصانع بمجرد العقد ويلزم المستصنع بشروط العقد عند استلام المستصنع له. و السؤال الآن هل عقد الاستصناع من قبيل البيع أم من قبيل الإجارة؟ اختلف جمهور فقهاء الأحناف في ذلك على أقوال هي: 1- أنه بيع : وهو قول الجمهور لكنه ذو طبيعة خاصة فكان له وضع خاص كالسلم و هو قول (محمد بن الحسن, الكاساني, السرخسي) ويختص عن البيوع في اشتراط خيار الرؤيا و اشتراط العمل في الاستصناع. 2- يشبه الإجارة كما في الصباغ حيث يصبغ الصانع الثوب و نحوه بمادة من عنده و هنا واضح أن العملية صبغ للثوب. من كلا القولين و أدلتهم نخلص إلى أن عقد الاستصناع ( نوع من البيوع أو نوع من الإجارة) و لكن بطبيعة خاص كالسلم للأدلة التالية: - قول الجمهور و لكن بطبيعة خاصة كالسلم ويختص عن البيوع في اشتراط خيار الرؤيا و اشتراط العمل في الاستصناع. - هو عقد مستقل بذاته و خصائصه و أحكامه كما قال الأحناف على عكس ما قال المالكية و الشافعية (جمهور العلماء ) بعدم جوازه إذا كان على وجه غير وجه السلم و ذلك للأدلة التالية : 1- ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم انه اصطنع خاتما و أعوادا يجلس عليها إذا كلم الناس كما ثبت في الصحيحين من حديث سهل قال:(أرسل رسول الله إلى فلانة-امرأة قد سماها سهل-مري غلامك من نجاران يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمني الناس فأمرته فعملها من طرفاء الغابة ثم جاء بها إلى رسول الله فأمر بها فوضعت هاهنا)ولذا فعقد الاستصناع ليس بيع دين بدين كما ورد عن الرسول في النهي عن بيع الكالئ بالكالئ و لا بيع معدوم و لا ينطبق عليه وجه الجهالة في السلعة. 2- حاجة الناس على مر العصور للاستصناع ومنع الضرر و الحرج عن الناس, تجعل ألادلة تجيز الاستصناع لما أباحه الله من البيع و العقود و السلم.و السؤال الذي يرد: هل عقد الاستصناع جائز أم لازم؟ اختلف الأحناف في ذلك و يمكن تلخيص قولهم في رأيين هما: أولا : التفصيل فيه حسب مراحل العقد كما يلي: أ‌- بعد التعاقد وقبل الصنع,وهنا العقد غير لازم . ب‌- بعد التعاقد و الفراغ من العمل قبل أن يراه المستصنع, وهنا العقد غير لازم . ت‌- بعد الفراغ من العمل ورؤية المستصنع من المصنوع اختلف العلماء إلى ثلاث أقوال:- 1- إن للمستصنع الخيار دون الصانع(قول جمهور الأحناف )وعللوا ذلك بأن الصانع والمستصنع مشتري و قد أسقط الصانع خياره بإحضار المصنوع فبقي الخيار للمستصنع. 2- لكل من الصانع والمستصنع الخيار (رأي أبو حنيفة) وتعليل ذلك لرفع الضرر . 3- سقوط الخيار عنهما (رأي أبو يوسف ) و تعليل ذلك بأن الصانع بائع و إحضاره للمستصنع دليل إسقاطه للخيار أما المستصنع فلأن في إبقاء الخيار له قد يلحق ضرر بالمستصنع. ثانيا : أنه لازم بمجرد العقد (رأي أبو يوسف ) ونصت علية مجلة الأحكام العدلية والمجمع الفقهي الإسلامي الدولي ( أي أنه لو تم العقد بين الطرفين فليس لأحدهما الفسخ إلا بإذن الآخر) و الأدلة على ذلك هي: 1- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ .. }المائدة1, وجميع النصوص التي تدعوا إلى الوفاء بالعقود. 2- عدم إلزام الطرفين ضرر على أحدهما سواء الصانع أو المستصنع. 3- ما دام عقد بيع فهو لازم . 4- في عدم لزومه يثير النزاع بين الناس و لذا دفعا للضرر و لأن به مصلحة فهو عقد لازم. = أما فيما يتعلق بأركان عقد الاستصناع و شروطه فقد اختلف الفقهاء في ذلك فالأحناف قالوا: ركنيه الصيغة فقط أي ينعقد بالإيجاب و القبول و اختلفوا في محل العقد فقال بعضهم المقصود هو العمل, وقال الآخرون هو العين المصنوعة (جمهور الأحناف)و دلل كل واحد منهما بالأدلة التالية:- *القول الأول: دليلهم مأخوذ من الصنع وهو العمل فسمي العقد به لأنه معقود عليه وهو شبيه بالإجارة يبطل بموت أحد المتعاقدين و المعقود عليه العمل فيهما, و الاختيار لصانع بعينه دون غيره لجودته أو إتقانه أو ثقته...الخ عن غيره يكون الصنع منصبا على عمله هو بذاته. *أما أدلة القول الثاني: فهي أن خيار الرؤيا يثبت للمستصنع و خيار الرؤيا لا يكون إلا في بيع العين و ليس العمل. وأن العقد يصح لو أتى الصانع بالمستصنع على وصفه و لكن من شخص آخر ليس هو, وأن غاية المستصنع و العين المصنوعة بالأوصاف التي يريدها فإذا أتاه ما يريده فقد تحقق ما يريد و الصانع يكون شيئا ثانويا بالنسبة له. *و لذا فإن أركان عقد الاستصناع هي: عند الجمهور ستة كالسلم :-الصانع و المستصنع ( أي العاقدان ), المحل و الثمن (المعقود عليه), الإيجاب و القبول ( الصيغة). *وشروطه : فبالإضافة لشروط البيع هناك شروط خاصة به كونه استصناعا منها: 1- إن يكون المصنوع معلوما بتحديد مواصفاته تحديدا كاملا يمنع التنازع عند التسليم. 2- أن يكون المصنوع مما تدخله الصناعة . 3- أن يكون المصنوع مما يجري التعامل فيه .( أو يمكن التعامل فيه بين الناس ) . 4- أن تكون المواد المستخدمة في الشيء المصنوع من الصانع. 5- بيان الثمن جنس وعددا مما يمنع التنازع والتخاصم. 6- بيان مكان تسليم البيع إذا احتاج لذلك . أوألية التسليم ,أوطريقة التعامل مع الدفع وقبض الثمن. 7- لا يكون فيه أجل عادة و إن اشترط الأجل فيه، فلذلك بحث في تحرير محل النزاع في عقد الاستصناع. =أما تحرير محل النزاع في عقد الاستصناع فإن ملخص الآراء فيه:- 1- إذا كان عقد الاستصناع مطلقا من غير تحديد مدة معينة فهو صحيح بلا خلاف . 2- إذا كان الأجل المضروب أقل من شهر أي لم يبلغ المدة التي يصح بها السلم فهو عقد استصناع بلا خلاف(عند الأحناف) . 3- إذا كان الأجل المضروب أكثر من شهر ففيه خلاف هل يصير سلما أم يبقى استصناعا , اختلف الأحناف على قولين هما: *الأول:- يشترط أن لا يكون فيه أجل فإن ضرب أجل أصبح سلما (قول أبو حنيفة ) و أدلتهم على ذلك هي: أ‌- إن التأجيل يختص بالدين لأنه وضع لتأخير المطالبة و تأخير المطالبة لا يكون في عقد لازم و هذا في السلم لا في الاستصناع إذ لا دين في الاستصناع . ب‌- إن السلم عقد على مبيع مؤجل في الذمة فإذا ضرب الأجل صار الاستصناع سلما إذ العبرة في العقود بالأحكام و المعاني لا بالألفاظ و المباني . *الثاني : عدم ضرب الأجل ليس بشرط فيصح الاستصناع سواء أضرب الأجل أم لم يضرب (قول أبي يوسف و محمد بن الحسن )و أدلتهم على ذلك هي: أ‌- إن العادة جارية بضرب الأجل في الاستصناع والاستصناع إنما جاز للتعامل. ب‌- إن القصد في الأجل في الاستصناع هو تعجيل العمل لا تأخير المطالبة من المستصنع فلا يخرج العقد عن كونه استصناعا بينما القصد من السلم هو تأخير المطالبة. ت‌- إن الاستصناع بدون ذكر الأجل عقد جائز غير لازم فلا يصير لازما بذكر الأجل فيه. إلا إن اشتراط الأجل فيه قطع للنزاع و الخصومة بين المتعاقدين. ( وهذا الرأي الراجح ). = أما آثار عقد الاستصناع و انتهاؤه: فملخص الأقوال فيه:- • بالنسبة للصانع: يثبت ملك الثمن نظرا للزوم العقد ويستحقه كاملا إذا قدمت العين المصنوعة كما طلب منه. • وبالنسبة للمستصنع : يثبت للمستصنع ملك البيع في ذمته إذا جاء به كما طلب منه. وإن جميع البيوع و العقود تبدأ بالتعاقد و تختلف صور انتهاؤها فعقد الاستصناع ينتهي فيستحق الصانع الثمن و يستحق المستصنع المبيع بما يلي: 1- وفاء كل من المتعاقدين بالالتزامات والشروط التي أوجبها العقد (الصانع بقيامه بالصنع المطلوب كما طلبه المستصنع و تسليمه إليه, و المستصنع باستلامه المطلوب كما طلبه و دفع الثمن للصانع) . 2- إقالة احد المتعاقدين للآخر . 3- موت أحد المتعاقدين (وهذا محل خلاف لشبهة الاستصناع بالإجارة حيث إن الصانع يعمل في البيع فإذا سلمها فهو مبيع أو أن الاستصناع بيع من أوله إلى آخره فلا ينفسخ عقد الاستصناع بموت أحد المتعاقدين و يلزم الورثة بالوفاء). ومن مجمل أراء الفقهاء وأدلتهم يمكن الوصول إلى حقيقة الاستصناع : إن الاستصناع عملية مركبة متكاملة تبدأ بالمستصنع (للحصول على عين المصنع و منفعة صاحب العمل) مرورا بالصانع (بالعمل و الصناعة والأدوات) مرورا بالمستصنع و تنتهي عملية الاستصناع بالمستصنع حيث يملك ما طلب على شروطه ومواصفاته التي طلبها وباتفاق بينهما بالصيغة (الإيجاب و القبول) و بشروط بينهما بحيث تخضع لقاعدة (أن المسلم له أن يشترط شرطا لا يحل حراما و لا يحرم حلالا). ومثال ذلك: الاتفاق بين المتعاقدين على صنع ما يتعامل به الناس عادة كالأثاث والسيارات.. وصورته أن يقول شخص لنجار مثلا : اصنع لي خزانة من خشب كذا ,مع بيان جميع أوصاف الخزانة التي يرغب فيها , بثمن كذا و في مدة شهر , فيقبل النجار بذلك ويكون العمل والعين (المواد الازمة للصنع) من الصانع,فان كانت العين من المستصنع كان العقد إجارة . فالاستصناع هو عقد يتم بين طرفين(علاقة بين طرفين) هما صانع و مستصنع ,الصانع :هو الذي يباشر العمل بخبرته و جهده(القيام بعمل التصنيع)وتكون المواد اللازمة لذلك من عنده,أما أن لم تكن من عنده فالعمل إجارة بلا شك , والمستصنع: هو الذي يطلب منفعة الصانع وعين المصنوع على الأوصاف التي يريدها (أما إن أراد منفعة المصنوع دون النظر إلى العين فهي بلى شك إجارة )وهذا آت من مفهوم الاجاره. أي إن العقد إذا ورد على العين بعوض كان بيعا, وإذا ورد على منفعة العين بعوض كان إجارة. *وعلى ذلك فإن الاستصناع نوع من العقود الجائزة شرعا وهو عقد على مبيع في الذمة المؤجرة للقيام بعمل على وجه مخصوص بثمن معلوم. ويدخل تحته عقدي الإجارة والبيع فهو عقد مستقل بخصائصه وذاته وأحكامه عن عقد البيع أو عقد الإجارة. *وحكمه أنه جائز, وقد يكون واجبا, وقد يكون محظورا (إذا خالف أحكام الشرع).وهذا يعتمد على الآثار الناتجة عنه. *والأدلة على جوازه هي فعل الرسول صلى الله عليه وسلم والأدلة الأخرى التي تدعو إلى الوفاء بالعقود. *وعقد الاستصناع لازم بحسب شروط العقد كعقد , إضافة إلى شروط العاقدين الخاصة . وصيغة العقد يجب أن تكون واضحة ومحددة لكل ما يجب تحديده لإزالة الإبهام ومنع الخصومة والتنازع حيث يجب أن تكون أركان العقد صحيحة وغير ناقصة (كاملة). وأركان العقد هي الأركان الست السابقة وكذلك يجب إنهاء عقد الاستصناع كما ورد سابقا. والله تعالى اعلم. بعض صور الاستصناع في الوقت الحاضر : 1- الاستصناع في المصارف (البنوك) وهذا حرام شرعا لحرمة التعامل مع البنوك (الربوية)أصلا,سواء كان المصرف صانعا أو مستصنعا أو صانعا و مستصنعا في نفس الوقت (الاستصناع الموازي). 2- الاستصناع في التمويل العقاري (التجاري) كما في البناء , شق الطرق وتعبيدها, تخطيط الأراضي.... وغيرها من عمليات الاستصناع التجارية غير الصناعية .وهذه يجب أن تقام فيها عمليات الاستصناع كلها على الوجه الشرعي وحسب أحكام الشرع من أولها إلى آخرها . 3- الاستصناع في التمويل الصناعي :كما في الصناعات بكافة أشكالها و صورها كصناعة الطائرات و الآلات والسفن و المركبات .....الخ وهذه أيضا يجب أن تقام فيها عمليات الاستصناع وفق أحكام الشرع من أولها إلى آخرها . وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

مقابلة مع أبي عامر- أساس النظام الاقتصادي

مقابلة مع أبي عامر- أساس النظام الاقتصادي

في ظل الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي يعيشها العالم الغربي خاصة والعالم عامة ومنه بلاد المسلمين، كان واجبا على المسلمين وهم يعتقدون بكمال رسالة الإسلام أن يعودوا إلى دينهم وشريعتهم، ويقفوا على حقيقة هذه الأزمة وحكم الإسلام فيها، وان يعرضوا الحل الشرعي لها، وليكونوا بحق حملة الهدى والنور الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم للناس كافة. إن من أهم أسباب الضلال والشقاء في النظام الرأسمالي واقتصاده، هو انه خلط بين النظام الاقتصادي وعلم الاقتصاد، وجعلهما موضوعا واحدا مع أنهما قضيتان وموضوعان ومختلفان وليسا شيئا واحداً. فمسألة توفير المال بإيجاده وتكثيره بتنميته، فان هذا يكون بالبحث عن مصادر الثروة واستخراجها وتصنيعها أو الزراعة وتنميتها بمشاريع المياه وتطوير وسائل أساليب حديثة تزيد الإنتاج وتحسنه وهذا وما هو في بابه علم عالمي لا علاقة له بوجهه النظر في الحياة والمعتقد، لا فرق فيه بين كافر ومسلم ولا بين رأسمالي واشتراكي وهو علم الاقتصاد. لكن قضية الناس كانت دائماً في توزيع الثروة بينهم أي في النظام الاقتصادي، وذلك عندما تستأثر فئة قليلة من الناس بمعظم المال والثروة ويبقى الجميع من الناس يعيشون الحرمان سواء كان في عهد أباطرة أو قياصرة أو فراعنة أو ملوك وأمراء أو اليوم رأسمالية. فالمال ما يحتاجه الإنسان، وكل كائن حي مخلوق في الأرض، وميسّر للوصول إليه، حتى تستمر الحياة إلى أجلها الذي أجلها الله إليه قال الله تعلى:" وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ" 10 فصلت. لكنه الظلم الذي يحرم الناس ولا ظلم مرَّ على أهل الأرض أشد من ظلم الرأسمالية ونظامها، ومثال واحد يكفي، فهذه أفريقيا التي خلق الله سبحانه فيها الفيل والأسد يعيشان لهما من الرزق والقوت ما يكفي ثم لا يجد الطفل اليوم من البشر ما يسد رمقه! والله "إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ" 5ص. وبناءً على ما سبق يتبين لنا أن المشكلة الاقتصادية آتية من جهة الحصول على المال والمنافع التي يحتاجها الناس، أي توزيعها بينهم وليس في إنتاجها وهذا هو أساس النظام الاقتصادي الصحيح، وليس كما يصور النظام الرأسمالي في أن المشكلة تكمن في قلة المنافع المتوفرة للناس مقابل حاجاتهم التي لا حدود لها، لهذا ابعدوا وضلّوا وأضلّوا عندما جعلوا القضية هي في استمرار زيادة الإنتاج وألا تتوقف هذه الزيادة وهو ما يسمونه معدل النمو الاقتصادي، ولو كانت 90% من ثروة البلد ونموه بيد 10% من السكان، فينبغي أن يبقى الجميع يلهث وهو يركض في هذه الدنيا للحصول على حاجته مع انه يزيد في ثراء الرأسماليين فقط ويبقى عامة الناس يعيشون الحرمان أو على حافته. وهذا هو حال أمريكا وأوروبا، وباقي العالم الفقير اشد وانكي. إن الإنسان كائن اجتماعي خلقه الله سبحانه يعيش في جماعة يتبادل معهم مصالحه ومنافعه وأسباب عيشه، فتبادل المنافع أساس العيش، فما هي المنفعة؟ وكيف يتم الحصول عليها؟ وكيف يتم التصرف بها؟ المنفعة هي صلاحية الشيء لإشباع حاجة الإنسان، فهي تتكون من أمرين أولا حاجة الإنسان وثانيا ما في الشيء وصلاحيته لإشباع حاجة الإنسان. وهذا ظاهر في الطعام والشراب واللباس والمسكن والدواء والسلاح والزينة فكلها منافع للناس. وهذه المنافع إما آتية من المال الذي خلقه الله سبحانه للناس، كالحيوان والطير وصيد البر والبحر والمعادن والحجارة، وإما ناشئة عن جهد الإنسان كعمل العامل وخدمة الطبيب والمعلم، وإما أن تكون المنفعة ناشئة عنها معا، المال وجهد الإنسان كالسيارة والبناء والثوب. وجهد الإنسان يشمل الجهد الجسمي أو العضلي، والجهد العقلي أو الفكري، وان كان كل واحد منها لا يخلو من الآخر. ومثل الأول العمال والفرحين والحملين، وان كان كل هذا لا يخلو من تدبير وتفكير، لكن الأبرز هو الجهد الجسمي والعضلي. ومثل الثاني المهندسون والأطباء والمعلمون، وان كان كل هذا لا يخلو من جهد جسمي لكن الأبرز هو الجهد الفكري والعقلي. وأما المال فهو كل ما يتموّل للانتفاع به، وليس كما يظن العامة انه فقط النقد، فالطعام مال واللباس مال والأرض مال والبيت مال والآلة مال وهكذا. وأما الانتفاع بالمال فهو يكون إما بالاستهلاك كالرغيف وإما بالانتفاع مع بقاء العين كالثلاجة. وأما الحصول على المال فيكون بالشراء أو الإجارة أو الإعارة. وعلى هذا يكون جهد الإنسان أداة للحصول على المال سواء كان الحصول على عينه لاستهلاكها كالقمح والسكر أو للحصول على منفعته كالأرض والبيت. فيكون جهد الإنسان والمال هما الأداة التي تستخدم لإشباع حاجات الإنسان وهما يشكلان الثروة التي يسعى الإنسان للحصول عليها ليحوزها، فالثروة هي مجموع المال والجهد. وبهذا يظهر أن كل مجتمع يملك ثروة، لتوفرها في كل مجتمع بشري مهما قل حظه من العلم والتمدن. فالمال والخيرات أودعها الله سبحانه في كل الأرض وما من بلاد إلا وفيها ثروات مع تنوع بينها وتفاوت. فبلاد تتوافر فيها الأراضي الخصبة والأنهار والإمطار، وبلاد فيها المعادن وثروات باطن الأرض، وهكذا ثم تأتي طاقات الناس وعملهم للانتفاع بهذه الثروات وتنميتها وتطويرها مع تفاوت بينهم في العلم. بناء على هذه الحقائق تكون المشكلة الاقتصادية إنما هي في حيازة الثروة وليس في إيجادها كما يصور النظام الرأسمالي القضية، وهي تأتي من النظرة إلى الملكية سواء في الانتفاع أو التنمية أو المبادلة وما يتعلق بكل ذلك من أحكام ثم الأحكام التي تكفل توزيع الثروة بين الناس مثل أحكام الاحتكار والامتيازات وكنز الذهب والفضة والميراث وإعطاء المال من الدولة إلى الناس. وعلى هذا تكون القواعد التي يبنى عليها النظام الاقتصادي ثلاثة: الملكية ثم التصرف في الملكية وأخيرا توزيع الثروة بين الناس. لقد فصل الإسلام كل هذه الأحكام بنظام رباني حقق السعادة للبشر قرونا طويلة في عهود دولة الإسلام واليوم ما أحوج المسلمين والعالم اجمع لهذا النظام تضعه دولة الخلافة الراشدة موضع التطبيق، فتخرج البشر من أزمتها وضنك عيشها في طل الرأسمالية الفاشلة، اللهم اجعل هذا قريبا.

    الإرث في الإسلام- الشيخ محمد حمدان

  الإرث في الإسلام- الشيخ محمد حمدان

ما الداعي لبحث موضوع الارث في الاسلام؟ الحمد لله رب العالمين. و الصلاة و السلام على سيد ولد آدم و اخر المرسلين . محمد العربي القرشي الصادق الوعد الامين , و بعد: الارث سبب من اسباب تملك المال لما غاب الاسلام من واقع الحياة العمليةاجتماعا و سياسة و حكما و اقتصادا . و لما اخذنا على عاتقنا النهوض بهذا الاسلام العظيم و احكامه الى موقع الحكم و التطبيق .كان لزاما علينا ان نفهم هذا الدين الذي انزله الخالق اللطيف الخبيرانزله على نبيه محمد صلى الله عليه و سلم ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيم) (وما اتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوه) حيث لا يمكن ان ينهض هذا الدين الا اذا وجد الوعي العام على احكامه و افكاره . و بما ان الدولة الاسلامية المنشودة التي ستقيم حكم الله في المعمورة هي نتاج للوعي (وعي الامة الاسلامية)على حاجتها لهذا النظام الرباني كان لابد من الالمام بشتى الاحكام الشرعية بعد الالمام بالعقيدةالاسلامية ليكون هذا الوعي لبنة طيبة في سبيل السمو و النهوض بهذا الامر. هل يمكن القول ان الارث سببا من اسباب الرزق؟ قبل ان نبدأ بصلب الموضوع لا بد من الحديث بشيء من الاقتضاب عن اسباب التملك الشرعية بشكل عام و بعدها نخص الارث كسبب من هذه الاسباب الشرعية. ان التملك في الاسلام يعني اذن الشارع للفرد بحيازة المال و المقصود بالمال هنا كل ما يتمول به مهما كانت عينه, والشرع الحنيف حدد اسبابا محدودة بها يتم تملك الشخص للمال و اذا لم توجد هذه الاسباب او احدها لم يتم التملك للمال حتى ولو حازه الشخص فعلا لان الملكية هي حيازة المال بسبب شرعي.وقد حدد الاسلام اسباب التملك هذه و عينها و لم يطلقها . لا سيما ان الاسلام نظم حاجات الفرد بما ينسجم مع فطرته و يحقق له السعادة مع بناء مجتمع متكامل دون تعارض (الا يعلم من خلق و هو اللطيف الخبير) .واسباب التملك كلها تندرج تحت الملكية الفردبة التي هي مظهر من مظاهر غريزة البقاء كما ان الزواج مظهر من مظاهر غريزة النوع و كما ان العبادات مظهر من مظاهر غريزة التدين. فاذا اطلقت هذه الغريزة ادى ذلك الى الفوضى و الاضطراب و الى الاشباع الشاذ و الخاطيء . لذلك كان لا بد من تحديد الكيفية التي يحصل الانسن بها على المال حتى لا تتجمع الثروة في قلة من افراد المجتمع و يرزخ باقي الافراد تحت وطأة الفقر و الحرمان كما هو واضح للعيان في مشارق الارض و مغاربها . نستدرك فنقول ان الاسلام جعل لتملك المال خمسة اسباب لا غير: أ.... العمل ب....الارث ج....الحاجة الى المال لاجل الحياة د... اعطاء الدولة من اموالها للرعية ه.... الاموال التي يحصل عليه الافراد دون مقابل مال او عمل (جهد) و باستقراء الاحكام الشرعية التي تقتضي للشخص بتملك المال يتبين ان الارث هو احد ةهذه الاسباب. وهو ثابت بنص القرآن القطعي و له احكام توقيفية لم تعلل. فالله تعالى يقول {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيماً }النساء11 اذن نفهم ان الارث سبب من اسباب التملك بحسب احكامه المفصلة بالكتاب و السنة و اجماع الصحابة اعود الى سؤالك الان و اقول , ان الارث ليس سببا في الرزق بل ليس سببا في رزق, كما ان العمل ليس سببا للرزق و كذلك كل اسبباب التملك ليست سببا للرزق و سبب الرزق واحد ووحيد و هو الله عز و جل و يرجع هذا الفهو ابتداء من ادراك معاني اللغة العربية فد اتفق ارباب اللغة و فصحائها ان كلمة (سبب) تعني ما ينبني على وجوده وجود و على عدمه عدم اي اذا وجد السبب وجد المسبب حتما و ان لم يوجد السبب لن ينتج المسبب و لا باي حال . تماما مثل الموت فسببه الله و ليس الصقوط من ارتفاع شاهق و لا حادث السيارة و لا جلطة معينة فهذه كلها تسمى لغة حالات الموت و ليست اسبابا و سبب الموت واحد ووحيد وهو انتهاء الاجل وهو من الله . كذلك الرزق فهو من الله و ان ما يطلق علية اسبابا انما ارادوا بها حالات الرزق و الله تعالى يقول في محكم التنزيل(وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ{22} فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ{23} نعود فنقول ان الارث سببا او حالة من حالات التملك التي حددها الشرع وهذا الفهم نحن كمسلمون مقيدون به كما جاء في الكتاب و السنة . ماهي علة نزول احكام الميراث ؟ ان الثابت في الكتاب و السنة ان احكام الميراث جاءت توقيفية ولم تعلل فالايات واضحة مفصلة و يجب تطبيقها دون البحث في العلل و الاسباب . ولكن لو حظ ان الارث اذا كان على النحو الذي حدده رب العزة اللطيف الخبير فانه يكون اكبر وسيلة لتفتيت الثروة , فاذا اجتمعت الثروة بايدي افراد في حال حياتهم فانه بعد موتهم تتفتت الثروة و تتوزع على الورثة الذين حددهم الشرع . وهذا ما جعل كثير من المشرعين الغربيين و الراسماليين يمعنوا النظر في قوانين الارث الاسلامي و ذلك بعد تخبطهم في البحث عن طرق ناجعة لتفتيت الثروة من جهة و كبح حمى التملك من جهة اخرى. ذكرت ان قوانين الارث بالطريقة التي امرنا الله بها طريقة ناجعة لتفتيت الثروة . و نحن نعلم ان قوانين الارث متشعبة و كثيرة كثرة احوال و اختلافات الاسر و الاقارب فهل في كل الحالات تتفتت الثروة ؟ و هل من امثلة؟ الارث اكبر و اقوى اداة لتفتيت الثروة و بكل حالاته و احواله و نجمل حالاته بثلاثة حالات : اولا: ان يوجد ورثة و يستغرقون كل المال المتروك و بهذا تتوزع عليهم الثروة . ثانيا: اذا توفي الميت عن زوجة فقط او الميتة عن زوج فقط فانه لا يستغرق جميع المال بل نصفه و النصف الاخر لبيت المال اما الزوجة فتأخذ الربع و الباقي لبيت المال. ثالثا: ان لا يكون هنالك وارث مطلقا. فيكون المال كله لبيت المال اي للدولة و في كل هذه الحالات نلاحظ ان الثروة تتفتت حتى عندما تذهب لبيت المال فانها تتوزع من جديد اما على رعايا الدولة او على ما يراه الخليفة مصلحة للمسلمين. وقد تحصل حالات ارث دون ان يكون هنالك وارث , فان مات شخص و ليس له وارث شرعي فان هذا المال ينتقل الى بيت مال المسلمين ميراثا فعن المقدام الكندي عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ((انا اولى بكل مؤمن من نفسه, فمن ترك دينا, او ضيعة فالي, و من ترك مالا فلورثته , و انا مولى من لا مولى له , ارث ماله و افك عانيه )). و هذا ينطبق على كل رعايا الدولة بما فيهم المسلم و الذمي.و بذلك تتفتت الثروة و يبقى المال في حالة تنقل و تبادل في دورة اقتصادية بين الناس و لا يكون هناك تكديس للثروة في فئة معينة من الناس بل يكون الالتزام بالشرع طبيعيا هو انجع الطرق لتحقيق السعادة البشرية و توزيع الثروة. 1 . ذكرت في مقدمة الموضوع غياب الاسلام من و اقع التطبيق , الا ان الاسلام في هذه الجزئية وهي انظمة الميراث مطبق بشكل واسع في البلاد الاسلامية ؟ دعني اجيبك على وجهين : اما الوجه الاول . فان هذا النوع من احكام الاسلام لا يشكل خطرا و لا حتى عبأ على انظمة الحكم في العالم الاسلامي و لو كان كذلك مثل احكام بيعة الخليفة و مثل حكم الجهاد لحورب كما حوربت تلك الاحكام, لذلك ترك هذا الحكم لاهواء الناس , من اراد ان يتحاكم للشرع في قوانين الارث توجد له محكمة تسمي المحكمة الشرعية و من اراد ان يتحاكم لدستور الدولة و قوانينها الوضعية عنده محكمة اخرى تستمد قوانينها من اقوانين الغربية و من دستور الدولة اما الوجه الثاني. فان المسلمين مطابين بتحكيم الاسلام كل الاسلام بكل مناحي الحياة و مطالبين بمعاقبة من يخرج عن احكام الاسلام . و لا يجوز ان يبقى الاسلام رهن رغبات الناس . {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة 48 لذلك نقول ان الدولة الاسلامية هي الكيان التنفيذي لاحكام الاسلام و حدوده و العمل لاقامتها واجب شرعي يسأل عنه العباد وهم بين يدي الله فاما ان تكون يا اخي المستمع بريء الذمة امام الله بالتلبس الفوري في هذا الفرض العظيم و الانخراط في العمل مع العاملين واما ان تلقى الله و العياذ بالله بلا حجة و تقول عندها يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا

من المواضيع الاقتصادية- منع كنز الذهب والفضة- لقاء مع الأستاذ أبي محمد

من المواضيع الاقتصادية- منع كنز الذهب والفضة- لقاء مع الأستاذ أبي محمد

قبل أن نتعرف على واقع كنز الذهب والفضة، لابد من توضيح مشكلة توزيع الثروة بين الناس، ففي النظام الرأسمالي يهتم الاقتصاديون بعمل دراسات اقتصادية عامة، ولا تعالج المشكلة كمشكلة إنسانية تتعلق بكل فرد من أفراد المجتمع وإنما تهتم بها كمشكلة اقتصادية، فمثلا يقولون أن دخل الفرد السنوي لديهم مرتفع وانه يوجد فائض من الحاجات الأساسية لديهم، فهل يعني ذلك أن كل فرد لديهم يحصل على هذه الحاجات، والجواب على ذلك هو الواقع فنلاحظ أن هنالك ملايين الفقراء يتسولون في الشوارع وينامون في الحدائق العامة دون رعاية من قبل الدولة. أما الإسلام فانه عالج مشكلة التوزيع وذلك في تحديد كيفية الملكية وإعطاء الفقير ما يحتاجه من حاجات أساسية وحتى كمالية إن توفر في بيت المال فائض من الأموال. نأتي الآن لتوضيح واقع كنز الذهب والفضة وهو أن تنفرد فئة معينة من الأغنياء الكبار في المجتمع بحبس هذه الأموال ومنعها من التداول في السوق بسبب الجشع والطمع وعدم الرغبة في أن تصل هذه الأموال إلى الفقراء والمحتاجين، فجاء النظام الاقتصادي الإسلامي ليعالج هذه المشكلة علاجا شافيا وافيا، فحرم كنز المال تحريما قطعيا بقوله تعالى :"وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" وكما نعلم من علماء الأصول انه إذا لم يرد معنى شرعي لكلمة معينة فانه يجب أن تفسر حسب المعنى اللغوي فقط. ومعنى الكنز لغة يعني الضم والجمع ولذلك كان الكنز جمع المال بعضه لبعض ليغير حاجة. وهنالك فرق بين الكنز والادخار فلأول وهلة يظهر أن لهما نفس الواقع والحقيقة أن الكنز كما بينا سابقا هو جمع المال بعضه لبض لغير حاجة، فهو منع للمال من التداول في السوق، وأما الادخار فهو خزن المال لحاجة من الحاجات مثل أن يدخر موظف مالا ليشتري بيتا، أو يخزن الأب مالا ليدرس أبنائه في الجامعة، أو يجمع المستثمر مالا ليبني مشروعا اقتصاديا. وهذا كله واقعه انه ليس حبسا للمال عن التداول في السوق وإنما هو من أجل هدف يتمكن من خلاله تجميع كمية معينة من المال لكي يستطيع أن يستثمرها في مشروع معين، ويحرك لاقتصاد. والثابت أن العالم لم يعرف نظاما اقتصاديا مثل النظام الإسلامي في حله لمشكلة تراكم الثروة المعطلة دون أن تستثمر في تحسين الأحوال المعيشية في المجتمع، فلقد جاء الإسلام ودعا الناس إلى أن يتحرروا من عبودية الدرهم والدينار وان يعملوا على تحريك رأس المال واستثماره وإنفاقه بما ينفع المجتمع، وشدد الحملة على كنز المال وتجميده وتعطيله عن أداء رسالته الاقتصادية. أما النظام الرأسمالي في العصر الحديث فقد أطلق العنان للمكية الفردية دون النظر إلى حاجات المجتمع فأباح هذا النظام كنز المال بسبب الأنانية والطمع والجشع فادى ذلك إلى الركود الاقتصادي حيث يحول كنز المال دون نشاط التداول النقدي وهو ضروري لإنعاش الحياة الاقتصادية في المجتمع، وحبس المال تعطيلٌ لوظيفته في توسيع ميادين الإنتاج وتهيئة وسائل العمل للعاملين. وقد حرم الإسلام كنز المال ليساهم المال في ميدان العمل والتنمية ويعود نفعه على الأمة كلها رخاء وقوة وسيادة، ولئلا يكون المال قوة معطلة شلاء فيحبسه صاحبه مما يزيد الهوة عمقا واتساعا بين الأغنياء والفقراء. فالثروة في النظام الإسلامي لابد أن تتصف بصفة الحركة والسيولة الدائمة حتى تؤدي دورها في تنشيط الحركة الاقتصادية وإشباع حاجات المستهلكين، فحين يتداول الناس الثروة في الأسواق وتنتقل في الأيدي وتتضافر عليها الجهود، تؤدي هذه الحركة إلى نمو عام في ثروة البلاد وازدهارها ونشاط وحركة قوية في الأسواق وإشباع الحاجات المختلفة. وبالعكس تماما عند كنز المال تتوقف الثروة عن الحركة والتقلب في الأسواق في وجوه النشاط المالي، كما تضطرب حياة الناس وتختل عندما لا تستطيع الأسواق أن تفي بحاجات الناس الاستهلاكية المختلفة. بقيت مسألة وهي أن بعض الفقهاء قد أباح كنز الذهب والفضة وذلك إذا أخرجت زكاته استنادا إلى بعض الأحاديث التي لم يصح منها شيء ولا ينسخ القران بالأحاديث، وقال بعضهم أن الكنز هو فوق نصاب الزكاة من الذهب والفضة ولكن في الحديث الوارد قول الرسول صلى الله عليه وسلم "كية وكيتان" دليل على اعتباره لهما أنهما كنز ولو لم تجب فيهما الزكاة وهذا يشير إلى ما جاء في آية الكنز : { يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ } .

        من المواضيع الاقتصادية- نظام المال والملكية واسس النظام الاقتصادي الاسلامي وخصائصه

    من المواضيع الاقتصادية- نظام المال والملكية واسس النظام الاقتصادي الاسلامي وخصائصه

لمال في الإسلام: المال لغة: ما ملكته من كل شيء. إصطلاحاً: كل ما ينتفع به على أي وجه من الوجوه الشرعية كالشراء والإدارة، والإعارة، والاستهلاك، والهبة. ونظرة الإسلام إلى المال: 1- إن ملكية المال في الإسلام هي لله، باعتباره مالك كل شيء، قال تعالى: {...وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الذي آتاكم.... } النور33 2- إن الله سبحانه وتعالى استخلف بني الإنسان على المال، وأمدهم به، فجعل لهم حق ملكيته، قال تعالى: {.... وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ.... }الحديد7 وقال تعالى: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ....}نوح12. أما أسس النظام الاقتصادي الإسلامي فهي ثلاثة: •1) الملكية 2) التصرف في الملكية 3) توزيع الثروة بين الناس. أما الأساس الأول: الملكية:- وهي الكيفية التي يحوز بها الإنسان المنفعة الناتجة عن الخدمات والسلع. وتعريفها الشرعي: (هي إذن الشارع بالانتفاع بالعين)، الشارع : هو الله، العين: الشيء المنتفع به، والإذن: هو الحكم الشرعي. وأنواع الملكية ثلاثة: (1) الملكية الفردية (2) الملكية العامة (3) ملكية الدولة. أما الملكية الفردية: فهي إذن الشارع للفرد بالانتفاع بالشيء. وحق الفرد وواجب الدولة تجاه الملكية الفردية يتمثل في أمرين: أ- حق الملكية الفردية حق شرعي للفرد، فله أن يتملك أموالا منقولة وغير منقولة كالسيارة والأرض والنقود، وهذا الحق مصون ومحدود بالتشريع الإسلامي. ب- حفظ الملكية للفرد واجب على الدولة، ولذلك وضع التشريع الإسلامي عقوبات زاجرة لكل من يعبث بهذا الحق. وقد حصر التشريع الإسلامي الأسباب التي يتملك فيها الفرد المال بخمسة أسباب هي: •1- العمل في التجارة والصناعة والزراعة. •2- الإرث. •3- الحاجة إلى المال من أجل الحياة، إذ يحق للفرد إن خاف على نفسه الهلاك أن يأخذ من ملك الأفراد أو ملك الدولة ما يسد به حاجته، وفي هذه الحال لا يباح للجائع أن يأكل لحم الميتة ما دام هناك طعام عند أحد من الناس يستطيع أن يأخذه. •4- إعطاء الدولة من أموالها لإفراد الرعية، فإن أعطت الدولة لأحد من الرعية أرضاً أو مالاً يصبح مالكاً له. •5- الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل، كالهبة، والهدية، والصدقة. والنوع الثاني من أنواع الملكية, الملكية العامة: والملكية العامة هي إذن الشارع للجماعة بالاشتراك في الانتفاع بالشيء، وهي ثلاثة أنواع: •1- ما هو من مرافق الجماعة، وهي الأشياء التي لا تستغني حياة الجماعة عنها، وتتفرق عند فقدها كالماء، والزرع، والنار، قال عليه السلام: «الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار» ويلحق بهذا النوع من الملكيات العامة كل آلة تستعمل فيه كآلات استخراج المياه العامة، وأنابيب توصيلها، وكآلات توليد الكهرباء من مساقط المياه العامة وأعمدتها وأسلاكها ومحطاتها. •2- الأشياء التي طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الفرد بحيازتها، مثل الطرق، الأنهار، البحار، البحيرات، المساجد، مدارس الدولة، والساحات العامة، قال عليه السلام:«لا حمى إلا لله ورسوله» ومعنى الحديث أنه ليس لأحد أن يحمي لنفسه ما هو لعموم الناس. •3- المعادن العدُّ التي لا تنقطع، وهي المعادن الكثيرة غير محدودة المقدار، أما المعادن القليلة المحدودة المقدار فإنها تكون من الملكيات الفردية ويجوز أن يملكها الأفراد، ومن المعادن العدِّ الكثيرة: مناجم الذهب والفضة والبترول والفوسفات وغيرها. ودليل ذلك ما روي عن أبيض بن حمال المازني (أنه استقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي طلب منه أن يعطيه قطعة من الأرض، الملح بمأرب، فقطعه له قال: فلما ولى، قيل، يا رسول الله، أتدري ما أقطعت له؟ إنما أقطعته الماء العد، قال: فرجعه منه) لأن الملح معدن كالماء العد الذي لا ينقطع. 3- ملكية الدولة: هي كل مال يكون التصرف فيها موكولا للخليفة وهو رئيس الدولة، وهذه الأموال مثل: أموال الغنائم والجزية والخراج والضرائب وأموال المرتدين وكأموال من لا وارث له وكالأبنية والمسقفات لحكام الدول التي تفتحها الدولة الإسلامية وكالأراضي المملوكة للدولة. أما الأساس الثاني: التصرف في الملكية: وهي الكيفية التي يجب أن يلتزم بها المسلم أثناء استعماله للمال: وقد حدد التشريع الإسلامي هذه الكيفية بأحكام شرعية في أمرين اثنين، وهما: •1) تنمية المال 2) إنفاق المال. أما تنمية المال: فقد شرع الإسلام أحكاما معينة لتنمية المال، في التجارة، والزراعة، والصناعة، وترك للإنسان أن يبدع في استعمال الأساليب والوسائل المشروعة والملائمة للتنمية. - ففي التجارة أباح الإسلام البيع والإجارة والشركة، قال تعالى: {...وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ...}البقرة275 وقال عليه السلام: «أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» وقال: «أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه». وحرم الإسلام الربا، والاحتكار، والغش، والقمار، وغيرها، قال تعالى: {...وَحَرَّمَ الرِّبَا...}البقرة275 وقال عليه السلام: «من احتكر فهو خاطئ» أي آثم. وقال: «ليس منا من غش». - وفي الزراعة أباح الإسلام تملك الأرض للزراعة، وقرر أخذها من مالكها إن هو لم يزرعها ثلاثة أعوام متتالية، قال عليه السلام: «وليس لمحتجر حق بعد ثلاث» وقال: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه» لأن الأرض وجدت للزراعة وللإنتاج. - وفي الصناعة أجاز الإسلام للمسلم أن يتملك مصنعاً، وأن يصنع، وأن يتاجر فيما يصنع، ولكن قيد هذه الصناعة فيما يحل من الأشياء، فالمصنع في الإسلام يأخذ حكم الشيء الذي يصنعه، فإذا كان الشيء مباحاً كان المصنع مباحاً، وإن كان الشيء حراماً كان المصنع محظوراً وحراماً. وما دام المصنع يأخذ حكم ما يصنع، فلا يصح للفرد أن يتملك مصنعاً ينتج ما هو في طبيعته من الملكية العامة. فكل مصنع ينتج أو يستخرج ما هو من طبيعته ملكية عامة يكون ذلك المصنع ملكية عامة، ولا يجوز أن يكون ملكية فردية، وذلك مثل مصانع استخراج البترول والذهب والحديد وكل ما هو داخل في الملكية العامة. •2) وأما الأمر الثاني الذي حدد التشريع الإسلامي كيفية التصرف به وفق الأحكام الشرعية فهو إنفاق المال: حيث وضع الإسلام قاعدة عامة للإنفاق، وهي قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا...}القصص77 فالمال مال الله، والإنسان مستخلف فيه، فعليه أن يتقيد في إنفاقه بأوامر الله ونواهيه، طلباً لنيل رضوان الله وثوابه. وقد وضع طرقاً لإنفاق المال مثل: •أ‌- الزكاة: وهي فرض على من تجب عليه. •ب‌- الإنفاق على نفسه وعلى من يلزم نفقتهم كالزوجة والوالدين والأبناء وهو فرض. •ج‌- صلة الرحم بالتهادي، وهو مندوب. •د‌- الصدقة على الفقراء والمحتاجين وهي مندوب. هـ- الإنفاق في الجهاد لشراء السلاح وتجييش الجيوش كما فعل الصحابة في غزوة تبوك وغيرها وهو فرض كفاية. وقد حرم الإسلام أنواعاً من الإنفاق مثل: الإسراف: وهو الإنفاق في الحرام والمعاصي. كما حرم الرشوة: وهي دفع الأموال لمن له صلاحية انجاز أمر معين من أمور الرعية كالموظفين والحكام من أجل انجاز ذلك الأمر. وكذلك حرم الإسلام البخل والتقتير، وهو الامتناع عن الإنفاق فيما هو واجب على المسلم، كعدم دفع الزكاة، وكالنفقة الواجبة عليه تجاه من يعول، قال تعالى {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً }الفرقان67 و- دفع المال للدولة الإسلامية في حالة حاجتها له لتقوم بالأعمال المفروضة على المسلمين كافة، مثل إطعام الجائعين، كما حصل في عام الرمادة (المجاعة) زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومثل إغاثة الملهوفين في حالة حدوث زلزال أو فيضان، أو اعتداء خارجي. أما الأساس الثالث والأخير للاقتصاد في الإسلام وهو: فهو توزيع الثروة بين الناس: فقد شرع الإسلام أحكاما شرعية ليضمن توزيع الثروة بين الناس، وليحول دون اختلال التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع الإسلامي وذلك بالأمور التالية: •1- فرض الزكاة: وهي أخذ قسم من مال الأغنياء بشروط وتوزيعه على الفقراء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين أرسل معاذا إلى اليمن قال له: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم». •2- لكل فرد من أفراد الرعية حق الانتفاع من الملكية العامة، ومن وارداتها كالمعادن والبترول. •3- توزيع الدولة من أموالها على أفراد الرعية المحتاجين دون مقابل، كإقطاع الأراضي للقادرين على زراعتها، والإنفاق عليهم من الخراج والجزية. •4- منع التشريع الإسلامي كنز الذهب والفضة، بوصفهما أداة التداول، وأثماناً للسلع والخدمات، ليظل النقد مستثمراً في الزراعة والتجارة والصناعة، وبذلك يقضي على البطالة، فيساعد على توزيع الثروة. •5- شرع الإسلام تقسيم الإرث بين الوارثين، وبذلك توزيع للثروات الكبيرة. ولا يفوتنا هنا أن نبين أن الإسلام يعتبر أن المشكلة الاقتصادية هي سوء التوزيع وليست قلة الإنتاج وهذا شيء ملموس يلمسه كل الناس بغض النظر عن معتقدهم، فإن العالم كله فيه من الإنتاج ما يزيد عن حاجات الناس، ولكن سوء التوزيع جعل بعض الناس أغنياء غنى فاحشاً، وأغلب الناس فقراء، حتى البلدان التي تشكو قلة الإنتاج فإن المشكلة الأساسية التي تعانيها اقتصادياً هي سوء التوزيع في الدرجة الأولى، ثم تأتي بعدها قلة الإنتاج. والناس بحاجة إلى نظام عادل يحل لهم مشكلتهم الاقتصادية وهل من نظام أعدل وأجدر من نظام الإسلام، نظام رب العالمين؟! أما خصائص النظام الاقتصادي الإسلامي: الإسلام نظام إلهي متميز، أنزله الله للناس كافة، وضمنه أحكاماً تنظم حياتهم جميعها، ومنه النظام الاقتصادي الذي يتميز بالخصائص التالية: •1- شموليته واتساع أدلته لمعالجة وحل جميع المشكلات الاقتصادية التي تواجه الإنسان في حياته إلى يوم القيامة، فيما يتعلق بالمال من حيث تملكه والتصرف به وتوزيعه. •2- راعى النظام الاقتصادي في الإسلام الفروق الفردية بين الناس، فأباح لهم التنافس المشروع في امتلاك المال، كل حسب قدرته وطموحاته، ثم بين واجبات الأغنياء، وحقوق الفقراء. •3- راعى هذا النظام أيضاً الفروق بين طبيعة الأشياء التي تملك فجعل بعضها ملكية فردية وبعضها ملكية عامة، وبعضها ملكية للدولة، ووضع حدوداً واضحة لكل ملكية. •4- يحافظ النظام الاقتصادي على التوازن المادي بين أفراد المجتمع، ويرفع من مستوى العيش للرعية، فالدولة الإسلامية تتكفل برعاية من لا مال له ولا عمل ولا معيل، قال عليه السلام: «من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلاًّ فإلينا» والكل الضعيف والفقير المعدم. •5- يمنع النظام الاقتصادي الإسلامي استغلال واستثمار الأموال الأجنبية في الدولة كما يمنع منح الامتيازات لأي أجنبي، وذلك كي لا يكون للأجانب نفوذ في بلاد المسلمين، قال تعالى: {....وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }النساء141 . •6- تؤمن الدولة في الإسلام الحاجات الضرورية لكل فرد من رعاياها، كالتطبيب، والتعليم، وكالأمن، وإن عجز الفرد تعمل الدولة على إشباع جميع الحاجات الأساسية كالسكن والمأكل والملبس لكل فردِ إشباعاً كليا، وتمكينه من إشباع الحاجات الكمالية بقدر ما يستطيع. •7- الذهب والفضة هما النقدان المعتبران، فبهما حدد الإسلام نصاب الزكاة في النقود، وبهما حدد الدية النقدية، وبهما حدد المقدار الذي تقطع به يد السارق. ويمكنُ أن تستعمل الدولة الإسلامية عملة ورقية نائبة عن الذهب أو الفضة، وذلك لسهولة التداول والنقل. بقلم الأستاذ محمد عبد الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

65 / 73