في مقابلة بثتها قناة الساحات، يوم الأحد 2025/8/3 فجّر الفريق سلطان السامعي، عضو المجلس السياسي الأعلى في صنعاء، جملة من التصريحات الصادمة، أبرزها اعترافه بأن المجلس السياسي الأعلى مجلس شكلي لا يملك القرار الفعلي، وأنهم عاجزون حتى عن إيقاف فاسد واحد، رغم أن الفساد يُمارَس علناً ويُدار من جهات عليا. وأشار إلى خروج أكثر من 150 مليار دولار من البلد، وتحوّل أشخاص من حفاة إلى
اقرأ المزيد ←الاقتصاد الافتراضي (Virtual Economy) هو الاقتصاد الذي يتعامل مع مال ليس موجودا على وجه الحقيقة. و هناك نوعان من الاقتصاد الافتراضي. أما الأول فهو معروف لدى كثير من الناس و يتعامل به مجموعة من المستثمرين عن طريق الانترنت. و واقع هذا الاقتصاد أنه يتعامل مع بضاعة وهمية يفترض البائع وجودها و يضع لها مواصفات معينة و قد يصورها و يصف لها قيم افتراضية ثم يعرضها للمزاد في الاسواق الالكترونية مثل سوق (Ebay). و يقوم أحد الاشخاض بشراء البضاعة الوهمية و يدفع ثمنا لها حسب مقاييس وهمية. و تتراوح البضاعة الوهمية من أدوات صيد و قتال أثرية تبلغ قيمتها عشرات الدولارات الى قصر يشبه قصر سندريلا في عالم دزني بقيمة مئات الدولارات، الى مراكب فضائية تزيد قيمتها على 100،000 دولار و ذلك ما دفع ثمنه منتج سينمائي من فلوريدا. هذا النوع من الاقتصاد لا يزال حديثا و تبلغ قيمة المال المتداول في هذه الاسواق بضع مليارات دولار. و واضح أن هذه النوع من الاقتصاد يؤدي الى وجود ثروة و تناميها دون أن يكون هناك ما يقابل هذه الثروة من بضاعة أو خدمات. ما يؤدي الى الخروج على قاعدة ان المال في الاصل هو أداة لتبادل البضائع و الخدمات. و قد عرض أحد الباحثين صورة هذه الاقتصاد من خلال ساعي البريد الذي أنفق 700 دولار لشراء قصر افتراضي مهيب ما أدى الى عدم تمكنه من دفع أجرة شقته الصغيرة و انتهى الأمر به الى الشارع.أما النوع الثاني من الاقتصاد الافتراضي و هو الاهم في هذا الموضوع فهو الذي يؤدي الى ظهور الاقتصاد أكبر بكثير من حجمه الحقيقي. و هو قائم على فرضية أن المال الحقيقي لن تكون هناك حاجة لاستعماله و بالتالي فانه من الممكن التعامل بقيم افتراضية للمال. و مثال ذلك ما حصل مع الملياردير دونالد ترمب الذي كان يتعامل في السوق بمليارات الدولارات و يقوم بأنشاء المشاريع الضخمة في حين أن ثروته الحقيقية لا تساوي جزءا بسيطا من قيمته الافتراضية، و حين تعرض لمطالبة الدائنين عام 1989 كاد أن يعلن افلاسه الشخصي اضافة الى الافلاس التجاري. و قد بدأت ظاهرة زيادة المال على الحجم الحقيقي للمال بشكل كبير و على مستوى اقتصاد الدول مع ظهور الاسواق المالية في نيو يورك نهاية القرن التاسع عشر. و قد ساعد على تأصل هذه الظاهرة لتصبح هي الطاغية في افتصاد الدول ثلاثة عوامل رئيسة هي تقييم المؤسسات المالية بالقيمة الاسمية للاسهم، و اعتماد قيمة الربا (الفائدة) أساسا للتحكم بحركة المال، و فصل العلاقة بين العملات الرئيسة و الذهب. ثم ان الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي و الاشتراكي ساعدت على تأصل فكرة الاقتصاد الافتراضي لدى المعسكر الرأسمالي من أجل زيادة الضغط على المعسكر الاشتراكي. و نعرض لهذه العوامل بشيئ من التفصيل.1. الاسهم و الاقتصاد الافتراضي لقد أدى نظام الاسهم المالي منذ مطلع القرن الماضي الى زيادة نمو المال المرتبط بالاسهم بشكل أسرع بكثير من نمو الاقتصاد الحقيقي الذي تمثله الأسهم. و لما تعرض السوق المالي في نيويورك الى أول انهيار سنة 1929 عزا الاقتصاديون ذلك الانهيار الى الفرق الشاسع بين قيمة السوق المالية و المرتفعة جدا و قيمة الاقتصاد الحقيقي. و قد ذكرت مجلة الايكونومست بتاريخ 2/11/1929 أن السبب الرئيسي لانهيار السوق هو الزيادة العالية لأسعار السوق مقارنة بالواقع الحقيقي للاقتصاد. و لادراك هذه الناحية فقد تبين أن أسعار السوق المالية زادت خلال الفترة ما بين 1925 و 1929 بنسبة 120% بينما لم يتعد النمو الاقتصادي للفترة نفسها 17%. و حين انهار السوق فقد من قيمته ما يزيد على ال 93%. أي عاد السوق الى ما يقارب قيمته الحقيقية. و قد حصل الامر ذاته سنة 1987 حين انهار السوق مرة أخرى حيث لاحظ المراقبون أن أسعار السوق المالي قد تضخمت بشكل كبير مقارنة مع الحجم الحقيقي للاقتصاد، حيث زاد الفرق بين الاقتصاد الافتراضي و الاقتصاد الحقيقي عن 200%. و مع نهاية القرن العشرين و صل الاقتصاد الافتراضي ثلاثة أضعاف قيمة السوق الحقيقي و ذلك بما عرف باسم (بالون الانترنت). و الحاصل ان القيمة الاسمية للاسهم المالية لا تعكس حقيقة الانتاج الاقتصادي. فمن الممكن أن ترتفع قيمة الاسهم للشركة دون أن يكون هناك أي انتاج أو ربح للشركة كما حصل مع شركة أمازون حيث تجاوز سهم الشركة 300 دولار في الوقت الذي لم تحقق الشركة أية أرباح. و كما حصل مع شركة انرون حيث ارتفعت قيمة أسهمها بناءا على معلومات خاطئة عن أرباح وهمية. ان مثل هذا التعامل المالي يجعل هناك وجهان للاقتصاد. وجه حقيقي مرتبط بالنمو الاقتصادي و الانتاج و هو القوة الحقيقية للاقتصاد. و وجه وهمي يعكس الصورة التي يراها المجتمع المحلي و العالمي عن حالة الاقتصاد. و حين يكون الفرق بين الاثنين بسيط لا تظهر مشاكل في الاقتصاد. و لكن حين يصبح الفرق شاسعا كما هو الحال الآن و عام 1987 و عام 1929 فان الأمر يكون خطيرا و قد يؤدي الى أثار مدمرة لسنين طويلة كما حصل مع النمور الاسيوية. و تدرك الدول الرأسمالية حجم المشكلة و خطورتها و هي لا تنفك تضع الخطط و البدائل للحيلولة دون انهيار مدمر أو لتخفيف أثار الانهيار أو للخروج السريع بعد الانهيار. أما السبب المباشر للانهيار فيعود الى محاولة بعض المستثمرين أن يحولوا ما يملكوه من مال وهمي الى مال حقيقي. فلو افترضنا أن المال الحقيقي يشكل 10% من المال الافتراضي فان مجموع ما يمكن تحويله الى مال حقيقي لا يزيد عن 10% من المال الكلي، و باقي المال يساوي لا شيئ. و من هنا حين يرى ملاك الاسهم أن أحد كبار المستثمرين بدأ ببيع ما يملك (لتحويل ماله الى مال حقيقي) فيسارعون الى بيع ما يملكون خوفا ان لا يبقى لهم شيئ من المال الحقيقي فيحصل الانهيار ليعود البناء الى الاساس. و خطورة الاقتصاد الافتراضي تكمن في ايجاد حالة من الوهم الاقتصادي قد يصدقها و يتصرف بناءا عليها حتى كبار الاقتصاديين و السياسيين، ما يدفعهم للقيام بمشاريع أكبر حجما من مقدراتهم الحقيقية. و قد تكون لمثل هذه الاعمال أثار ايجابية مؤقتة خاصة اذا كانت هذه المشاريع داخلة في حقل التنافس مع الغير. و قد استفادت أمريكا بشكل كبير حين كانت في صراع مع الاتحاد السوفياتي. حيث كان الاتحاد السوفياتي يستعمل المال الحقيقي في أعماله و مشاريعه، و كانت أمريكا تستعمل الاقتصاد الوهمي. و لكن حين تتعرض الدولة الى أزمة مالية أو سياسية يفوق حجمها حجم الاقتصاد الحقيقي فان الوهم قد يدفع الدولة الى مقامرة خاسرة. و قد تعمد الدول الى خلق أزمات فعلية لدول أخرى تعتمد على الاقتصاد الافتراضي في دائرة الصراع معها.2. الربا و الاقتصاد الافتراضيان غاية السياسة المالية في الاقتصاد الرأسمالي هي المحافظة على أعلى مردود انتاجي و توظيفي و استقرار الأسعار. و يتم تحقيق ذلك من خلال آلية قائمة على التحكم بقيمة الربا زيادة أو نقصانا. فحين يحصل ركود في الاقتصاد تعمل الدولة على خفض قيمة الربا من أجل تشجيع الاقتراض و زيادة الطلب على الحاجات. و بالمقابل يتم رفع قيمة الربا للحد من التضخم المالي. و المهم هنا هو أدراك أهمية الربا بالنسبة للاقتصاد الرأسمالي باعتباره أهم أداة للتحكم بالاقتصاد. و من هنا كان انتشار المؤسسات المالية التي تقدم خدمات القروض للأفراد و الشركات و المؤسسات و حتى للحكومات نفسها.و ضمن هذا الاقتصاد الربوي تكون حركة المال باتجاهين اتجاه الايداع و التسديد من المستثمر للبنك أو اتجاه الاقراض من البنك للمستثمر. و باستثناء الحالات التي تكون نسبة التضخم أعلى من نسب الفائدة خلال فترة السداد فان كمية المال المتجه باتجاه البنك تكون أكثر بشكل مطرد من كمية المال المتجه باتجاه المستثمرين. فاذا كان المال الحقيقي هو المال الذي يتعامل به المستثمر لزيادة الانتاج و المحافظة على استقرار الاسعار حسب ما تقتضيه السياسة المالية فان هذا المال سيكون بالتأكيد أقل بكثير من المال الذي يتجمع لدى البنوك. و من هنا يظهر الفرق بين المال الحقيقي و المال الافتراضي. و هناك حالتان تؤديان الى حصول هذه الظاهرة. الحالة الاولى حين يقوم البنك بعملية الاقراض.فلو فرضنا أن البك قدم قرضا بقيمة 100 مليون دولار بربا مقداره 5% لمدة 20 سنة. و لو فرضنا أن التضخم خلال هذه الفترة كان 2% فان نسبة الربا الحقيقية تكون 3%. و لو فرضنا كذلك أن المال المقترض (100 مليون) أنفق على مشاريع استهلاكية و مشاريع انتاجية ربحية بحيث حقق ربح اجمالي 2%. أي أن القيمة الاجمالية التي سترد الى البنك = 103 مليون دولار في حين أن المال الحقيقي = 102 مليون. بمعنى أن هناك (1) مليون دولار في حساب البنك ليس له ما يقابله في الواقع و هذه الزيادة هي عين الربا الذي يزيد على حساب المال فقط كما ورد في الأية الكريمة (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ). و اذا علمنا أن أكبر المقترضين في العالم هي الحكومات التي تقترض لسد الحاجات و ليس للانتاج فان نسبة ما يتجمع من الربا يكون أعلى بكثير من نسبة ال (1%) في المثال السابق. و من هنا فان المال الربوي الزائد عن الحجم الحقيقي للمال خلال فترة زمنية محدودة يصل الى مئات المليارات من الدولارات و قد يصل الى ضعف كمية المال الحقيقي. و يكفي أن نعلم أن نسبة النمو الاقتصادي الحقيقي في أمريكا مثلا كانت بمعدل (3.5%) خلال ال (30) عاما الماضية، بينما كان معدل الربا الفعلي أكثر من (8%). ما يعني أن المال الافتراضي خلال ال (30) عاما الماضية زاد على (135%) من قيمة المال الفعلي. أي لو أن القيمة الفعلية للاقتصاد الأمريكي كانت (5) ترليون دولار فان القيمة الربوية الزائدة عن القيمة الحقيقية تكون (6.75) ترليون دولار. ما يجعل قيمة المال الافتراضي (11.75) ترليون. أما الحالة الثانية التي تؤدي الى زيادة وهمية في المال الربوي فتكون حين يودع المستثمرون أموالهم لدى البنوك من أجل الاستثمار في الربا. فلو أن المستثمر أودع لدى البنك (100) مليون دولار بربا قيمته (5%) بعد احتساب التضخم، و لمدة (10) سنين. فان قيمة المال المستثمر تصبح (150) مليون. و حتى لا يخسر البنك يقوم بدوره باستثمار ال (100) مليون دولار و لنفرض أنه حصل على نسبة (7%) أي ما قيمته (170) مليون. فلو كان جزء من استثمار البنك انتاجيا بنسبة (5%) و الباقي زيادة ربوية فان ما مجموعه (20) مليون دولار يكون مالا ربويا محضا لا مقابل له في الواقع. و الحقيقة أن أكثر البنوك لا تستثمر أموال المستثمرين في عمليات انتاجية، انما تقوم باستثمارها لدى بنوك أخرى و هكذا قد تحتوي سلسلة الاستثمارات على عدة بنوك ما يجعل المال الوهمي يزيد بشكل مطرد. و سواءا كانت زيادة المال على الوجه الاول او الثاني فان المحصلة ان كميةالمال الذي يتجمع لدى البنوك أكثر بكثير من كمية المال الحقيقي و الذي يمثل الانتاج. الا ان الذي يساعد على استمرار هذه الزيادة المطردة بالمال الوهمي هو عدم ظهور حاجة ملحة لسحب أموال كثيرة من البنوك مرة واحدة. و حين يحصل أن يتعرض أحد البنوك لطغط المستثمرين و المودعين لسحب كمية تفوق كمية المال الحقيقي فان البنك سرعان ما ينهار لعدم مقدرته تلبية حاجة الزبائن كما حصل مع بنك بوسطن أوائل الثمانينات من القرن الماضي. هذا اذا لم تتدخل الحكومة لانقاذ البنك و دعمه بأموالها. و اذا كانت المشكلة عامة في أكثر من بنك فان الدول الكبري تعمد الى طبع و ضخ أموال تتناسب مع حجم المال الوهمي. و هذا من شأنه أن يؤدي الى تضخم هائل و هبوط بالاسعار و ضعف بالانتاج و قد يؤدي الى كارثة مالية هائلة. و يكفي أحيانا لحصول مثل هذه الكوارث أن يتحرك المودعون للمطالبة بسحب جزء كبير من أرصدتهم في وقت واحد.3. فصل العلاقة بين العملات الرئيسة و الذهبما كان يمكن للاقتصاد الافتراضي أن يصبح ظاهرة أصيلة و يستشري باشكل الذي رأينا لو أن العملات الرئيسة كالدولار بقيت مرتبطة بالذهب حسب ما قررته اتفاقية بريتون وودز سنة 1944. فقد حددت الاتفاقية أسس واضحة لسعر صرف العملات مقابل الذهب ضمن تذبذب لا يزيد عن (1%). كما حددت اسس تبين كيفية تحويل العملات الى الذهب. فمع وجود مثل هذا القانون لا يمكن لأي دولة أن تسمح لاقتصادها أن يظهر على وجه أكثر بكثير من حجمه الحقيقي لأن ذلك سيكلفها مخزونها من الذهب و قد لا يكفي المخزون مطلقا حسب ما رأيناه من أرقام خيالية للاقتصاد الافتراضي. و لكن حين انقلبت أمريكا على اتفاقية بريتون وودز و حررت ألدولار من الذهب أطلقت العنان لأسعار السوق دون أي قيد. و لم تكتف أمريكا بذلك بل عادت و فصلت العلاقة بين المال و الاقتصاد، فصار من الممكن للمال أن ينمو و يزداد بسرعة أعلى بكثير من سرعة نمو الاقتصاد. فكان هذا الفصل بين المال و الذهب من جهة، و بين المال و النمو الاقتصادي من جهة أخرى هو الذي مكن من وجود الاقتصاد الافتراضي و نموه الى درجة هائلة.4. خاتمةو أخيرا؟ هل الاقتصاد الافتراضي يعتبر عامل قوة أو عامل ضعف لدى الدول؟ مما لا شك فيه ان الاقتصاد الافتراضي يؤدي الى ظهور الدولة بمظهر القوة ما يمكنها من المناورة و التهديد و التأثير على الدول الاخرى، و قد يمكنها من تدمير اقتصاد دول بالكامل خاصة اذا كانت تلك الدول تستعمل اقتصادها الحقيقي أو كانت أقل قدرة من الدولة المهاجمة. و لا تزال أمريكا تستعمل الاقتصاد الافتراضي للتاثير على اوروبا و اليابان و الصين و غيرها. الا ان الاقتصاد الافتراضي يشكل كعب اخيل لهذه الدول. ففي الوقت الذي يشكل فيه مظهر قوة، فهو كذلك يشكل مقتلا لهذه الدول. و ذلك انه في حال تعرض الدولة الى أزمة حقيقية سواءا بسبب الكوارث أو الحروب بحيث تستهلك الازمة ما يعادل الاقتصاد الحقيقي للدولة فان اقتصاد الدولة سيصاب بالافلاس. و الحاصل أن الدول الرأسمالية الكبرى مثل أمريكا و أوروبا قد بنت اقتصادها الضخم على أساس الاقتصاد الافتراضي . و الأهم من ذلك أن هذه الدول لا يمكنها التراجع لاعادة بناء اقتصادها على شكل آخر. فالسياسة المالية كلها قائمة على الربا، و الثراء الفاحش و الزيادة المطردة للمال أصبحت هي الغاية الوحيدة للسياسة المالية و الاقتصادية. و من هنا لا يمكن تصور اعادة بناء الاقتصاد في الدول الرأسمالية ليصبح أقرب للواقع. و بالتالي يبقى معرضا للمحق و الانهيار. و الله يقول: "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ" و يقول: " . يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ" و صدق الله تعالى بقوله " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " د. محمد الجيلاني ملاحظة:تمت كتابة هذه المحاضرة قبل الانهيار الضخم الذي أصاب المؤسسات المالية في أمريكا و الذي أصاب بنك بير ستيرنز و فاني ماي و فريدي ماك و ليمان برذرز و ميريل لينتش و واكوفيا. و ما تبعه من محاولة أمريكا انقاذ شركة التأمين (AIG) بقيمة 85 مليار دولار و خطة الانقاذ بقيمة 800 مليار دولار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله ربّ العالمين الذي قدّر في الأرض أقواتها ، ووضع فيها للنّاس والأنعام أرزاقها . والصلاة والسلام على سيّد الخلق وإمام المرسلين سيدنا محمد . وبعد : لقد أنزل الله تعالى دين الإسلام إلى الناس كافة ، وشرع فيه من الأحكام التي من شأنها أنْ تُخرج الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن عبادة العباد والعيش بحسْب شرائعهم وقوانينهم إلى عبادة ربّ العباد والعيش بحسْب شريعته وأحكامه . ومن هذه الأحكام التي شرعها الله لعباده أحكام الـمُلكيّة ، إذ تميّز الإسلام عن غيره من المبادئ والأنظمة بأن جعل الملكية على ثلاثة أقسام : ملكية فردية خاصة ، وملكية للدولة ، وملكية عامة للناس . فكما أن الله شرع وأذِن للفرد أن يتملك ؛ فيتملك ما يقوى به على تدبير شؤونه وقضاء حاجاته ، وكما أن الله شرع وأذِن للدولة أن تتملك ؛ فتتملك ما تقوى به على تدبير شؤونها وقضاء حاجاتها ، فكذلك شرع الله للناس ملكية عامة يقوون بها على تدبير شؤونهم وقضاء حاجاتهم ، بحيث يكون لجميع الناس حق الانتفاع بها . فالمنافع العامة هي الأعيان التي جعلها الإسلام لكل الناس يشتركون في حق الانتفاع بها ، أي جعلها مملوكة للجماعة ، كالمراعي والمساجد والطريق العام والبحار والأنهار وغيرها .وأما الحمى في المنافع العامة فهو أن يقوم أحدٌ من الأفراد أو الدولة بحماية شيءٍ من الملكيات العامة وحيازته لنفسه ومنع الجماعة من بالانتفاع به . وأصل الحمى عند العرب أنّ الرئيس منهم كان إذا نزل منزلاً مخصباً استعوى كلباً على مكان عال ، فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب فلا يرعى فيه غيره . فالحمى هو المكان المحمي الذي يُمنع منه الغير . فجاء الإسلام ومنع الناس أن يحموا شيئاً من الأشياء العامة التي ينتفع بها جماعة الناس ، فيحوزونها لهم وحدهم دون غيرهم . وقد وردت أحاديثُ كثيرة ٌ تدلّ على هذا منها قوله صلى الله عليه وسلم ( لا حمى إلا لله ولرسوله ) رواه أبو داود . وقوله ( ثلاث لا يُمنعن : الماء ، والكلأ ، والنار ) رواه ابن ماجة . وهذه الأعيان التي جعل الله ملكيتها عامةً يشترك في الانتفاع بها جميع الناس تنقسم إلى ثلاثة أقسام ، وهي :1. المرافق التي لا تستغني عنها حياة الجماعة اليومية .2. الأعيان التي تكون طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الأفراد بحيازتها .3. المعادن العدّ التي لا تنقطع . أي الكثيرة غير محدودة المقدار . أما النوع الأول فهي الأعيان التي تتعلق بها حاجة الجماعة اليومية ، بحيث إن فُقدت فإنّ الجماعة تتفرق في طلبها والبحث عنها وتوفيرها كالماء والمراعي مثلاً ، حيث كانت القبائل تتفرق في طلبها عند فقدها . ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث ( الناس شركاء في ثلاث : الماء والكلأ والنار ) رواه أبو داود . فهذه الأعيان التي ذكرها الحديث طبيعتها أنها تتعلق بها حاجة الجماعة اليومية فجعلها الإسلام مملوكة للجميع يشتركون في الانتفاع بها .ويلحق بها كلّ آلة تستعمل فيها ؛ فمثلاً آلات استخراج وضخ المياه وأنابيب وشبكات توصيلها لمنازل الناس ، وكذلك آلات ومحطات توليد الكهرباء وأعمدتها وأسلاكها وشبكات توصيلها إلى منازل الناس ، كلها تكون ملكية عامة ، والسبب في ذلك أمرين إثنين : الأول أنّ هذه الآلات والمعدات قد استعملت في الأعيان التي تعلقت بها حاجة الجماعة اليومية ، والثاني أنها قد أقيمت في الطريق العام والذي هو من الملكية العامة للناس . لذلك فإنّ مثل هذه الآلات والمحطات والشبكات يحرم أن يتملّكها أحد لا أفراداً ولا شركات ، ويحرم على الدولة أن تملكها لأحد ، ففي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم ( من منع فضل الماء ليمنع فضل الكلأ منعه الله فضله يوم القيامه ) رواه أبو عبيد في الأموال . وما رواه الإمام أحمد عن إياس بن عبد ( لا تبيعوا فضل الماء فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء ) .أما إذا كانت هذه الأعيان وما يلحق بها من آلات ومعدات لا تتعلق بها حاجة الجماعة اليومية ، وكذلك أن لا تكون قد أقيمت في الطريق العام بل وضعت في أملاك أصحابها فإنها حينئذ تكون ملكية فردية لأصحابها يجوز تملكها وبيعها للناس ، كالآبار الصغيرة وآلات السقي وغير ذلك . وأما النوع الثاني فهي الأعيان التي تكون طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الأفراد بحيازتها . وهذه الأعيان تشبه النوع الأول من ناحية أنها مرافقُ عامة يشترك في الانتفاع بها جميع الناس ، إلا أنها قد تتعلق بها حاجة الجماعة اليومية وقد لا تتعلق ، بل إنّ ما يميزها هو أن طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الأفراد بحيازتها وتملكها ، كالبحار والمحيطات والمضائق والقنوات ، والمساجد والطرقات ، وأماكن الحج مثلاً ، ففي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم ( مِنى مَناخ من سبق ) رواه أبو داود وأحمد . فالحديث يدلّ على أنّ هذا المكان مملوك لجميع المسلمين ، فمن سبق إلى أي مكان فيها وأناخ فيه فهو له ، لأنها مشتركة بينهم وليست مملوكة لأحد حتى يمنع الناس منها .ويلحق بهذا النوع كل شيء يقام فيها ويأخذ منها حيزاً أخذاً دائمياً ، لأنها تكون بذلك قد اختصت بهذا الحيز اختصاصاً دائمياً ، وهذا من الحمى الذي يحرمه الإسلام . مثال ذلك القطارات وسكك الحديد ، وشبكات المياه وأنابيبها وشبكات الكهرباء وأعمدتها وأسلاكها . فهذه كلها وأمثالها تكون من الملكيات العامة ، لأنها تأخذ حيزاً من الطريق العام أخذاً دائمياً . وأما النوع الثالث المعادن العدّ التي لا تنقطع . فهي المعادن الكثيرة غير محدودة المقدار ، سواء كانت ظاهرة يتم التوصل إليها من غير مشقة كالملح ، أو كانت في باطن الأرض تحتاج إلى مشقة وعمل . وسواء أكانت صلبة جامدة كالذهب والحديد والرصاص ، أم كانت سائلة كالنفط ، أم كانت غازية كالغاز الطبيعي . فهذه المعادن العدّ تكون من الملكية العامة لا يجوز أن يتملكها أحد أو أن تعطي الدولة امتياز استخراجها لأفراد أو شركات . ودليل ذلك ما رواه الترمذي عن أبيض بن حَمّال المازني ( أنه وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقطعه الملح فقطع له ، فلما أن ولّى قال رجل من المجلس : أتدري ما قطعت له ؟ إنما قطعت له الماء العدّ . قال : فانتزعه منه ) . أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استرجع الملح من أبيض بن حَمّال عندما عرف أنه عدّ كثير غير محدود المقدار .فهذه المعادن تقوم الدولة بمباشرة استخراجها والقيام بكل ما يلزمها من أعمال نيابة عن المسلمين ، ويكون كل ما تستخرجه منها هو ملكية عامة يوضع في باب الملكية العامة في بيت مال المسلمين . هذه هي أقسام الملكية العامة ، وهي أعيان جعلها الإسلام ملكاً ومنفعةً لجميع الناس ، وحرّم على الأفراد أو الشركات أو الدولة تملكها ، أو منْع ِ الناس منها أو بيعها لهم بثمن أو أخذ الأجرة عليها . لاّن الدولة لا تملكها حتى تبيعها أو تؤجّرها للناس . وإنما هي نائبة عن الناس في رعاية شؤونهم ومصالحهم . فتقوم الدولة بالتصرف بهذه الأعيان و وارداتها نيابة عن المسلمين ، باجتهادها ضمن أحكام الإسلام ، بما تراه محققاً لمصلحتهم ونفعهم . حيث تقوم الدولة بتوزيع منتجات وواردات الملكيات العامة على النحو التالي :1. الإنفاق على ما يتعلق بالملكية العامة . كديوان الملكية العامة ، بناياته ومكاتبه وأبحاثه وموظفيه . وعلى الخبراء والمستشارين والعمال . وعلى الآلات والمصانع اللازمة للاستخراج والتصفية والتصنيع . وعلى آلات وشبكات الماء ومحطات الكهرباء . وعلى الطرق والسكك الحديدة وغير ذلك .2. التوزيع على أفراد الرعية . الذين هم المالكون الحقيقيون لهذه الملكيات العامة ؛ فتقوم الدولة بتوزيع منتجات وواردات وأرباح هذه الملكيات عليهم باجتهادها بحسْب ما تراه محققاً لمصلحتهم . فتوزع عليهم من الأعيان نفسها كالماء والكهرباء والطاقة كالنفط والغاز ، وقد توزع عليهم نقوداً من أرباحها ، وقد تنفق منها على ما هو مصلحة لهم كإنشاء الجامعات والمستشفيات أو حتى أكثر من ذلك بجعل التعليم والتطبيب مجاناً للناس تغطي الدولة نفقاته من هذه الملكيات نيابة عن المسلمين .3. الإنفاق على ما فرض الله على المسلمين الإنفاق عليه . كما هو معلوم أن الله تعالى قد فرض على المسلمين الإنفاق على بعض الفروض ، كفرض الجهاد والإعداد ، وفرض أغاثة المنكوبين والفقراء والمحتاجين ، وغيرها . فإذا عجزت ميزانية الدولة عن تغطية نفقات مثل هذه الأمور فإنّ وجوب الإنفاق عليها ينتقل إلى عامة المسلمين ، فتقوم الدولة نيابة عنهم بالإنفاق عليها من ديوان الملكيات العامة . أو بضرب الحمى على بعض أعيان الملكيات العامة وتخصيص وارداتها للانفاق على هذه الأبواب كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك الخلفاء الراشدون من بعده . ودليل ذلك قوله في الحديث الذي ذكرناه ( لا حمى إلا لله ولرسوله ) رواه أبو داود . وما رواه أبو عبيد عن نافع بن عمر ( أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حمى النقيع ـ وهو موضع معروف بالمدينة ـ لخيل المسلمين ) . وكذلك حمى أبو بكر الرَّبذة لإبل الصدقة واستعمل عليه مولاه أبا أسامة . وحمى عمر كذلك الشرف والرَّبذة واستعمل عليه مولى له يقال له هني . والناظر إلى حال هذه الأنظمة في عالمنا اليوم ، سواء الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين التي تحاول تقليد الغرب في الأخذ من دساتيره ونظمه الرأسمالية ، أو الأنظمة القائمة في بلاد الغرب نفسها . يرى الفرق الشاسع في كيفية التعامل والتصرف بالملكيات والمنافع العامة بينهم وبين الإسلام .ففي حين أن الإسلام قد جعل هذه المنافع ملكيةً عامةً للناس وحرّم أنْ يتملكها أحد فيمنع فضلها عن الناس . نرى كيف أنّ النظام الرأسمالي قد أستباح هذه الملكيات فاختصت الدولة بتملكها أو ملكتها للأفراد من رؤوس الأموال أو الشركات ، وليس هذا فحسْب بل استعملوها كسبيل لتحصيل الأرباح وجباية الثروات من الناس . الأمر الذي أدى أن تركزت هذه الملكيات والثروات الهائلة في أيدي حفنة من الناس في حين أن فضلها كان يمكن أن يعالج مشاكل الناس من فقرٍ وبطالةٍ وغلوّ أسعار والاستقراض المهلك للناس وغير ذلك .ففي بلد نفطيّ كالسعودية مثلاً ليس غريباً ما نراه حاصلاً عندهم كيف أنّ الثروة قد تركزت في أيدي قليلة من الأمراء وأصحاب الشركات في حين أن نسب الفقر والبطالة عندهم للناس قد بلغت أعلى مستوياتها ، والسبب في ذلك هو استباحة هذه الثروات التي جعلها الله ملكية لجميع الناس من قبل هؤلاء الأفراد فمنعوا فضلها عن باقي الناس .وليس غريباً أيضاً ما هو حاصلٌ عند الغرب كيف أن الفقر لا بل التشرد في الشوارع بلا مأوى ولا طعام يطال الملايين من الناس عندهم ، مع أنها دول تـُعدُّ أغنى دول العالم . ولكن يبدو أن الغنى عندهم المقصود به كما كشفته وأظهرته الأزمة المالية التي حلّت بهم ، هو غنى القلة القليلة من رؤوس الأموال التي استحوذت على الثروة واستباحت ما وضعه الله في هذه الأرض رزقاً للناس . إنّ الإسلام ليس علاجاً لمشكلات هذه الأنظمة وما خلفته من مصائب على رؤوس شعوب الأرض كافة . بل الإسلام هو البديل الحضاري العادل الذي سوف يطمس كل معالم هذه الأنظمة الرأسمالية ومخلفاتها قريباً بإذن الله .فهو النظام العادل من عند ربّ العالمين ، فما أن تراه شعوب العالم مطبقاً سارياً في دولة فيدركوا خيره وفضله وعدله على الناس فإنهم سرعان ما تراهم يلقون ما بجعبتهم كمن يلقي الطعام النتن الكريه ويهرولوا إلى طيب العيش وخيره . وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .