February 14, 2009

    من المواضيع الاقتصادية- نظام المال والملكية واسس النظام الاقتصادي الاسلامي وخصائصه

لمال في الإسلام:

المال لغة: ما ملكته من كل شيء.

إصطلاحاً: كل ما ينتفع به على أي وجه من الوجوه الشرعية كالشراء والإدارة، والإعارة، والاستهلاك، والهبة.

ونظرة الإسلام إلى المال:

1- إن ملكية المال في الإسلام هي لله، باعتباره مالك كل شيء، قال تعالى: {...وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الذي آتاكم.... } النور33

2- إن الله سبحانه وتعالى استخلف بني الإنسان على المال، وأمدهم به، فجعل لهم حق ملكيته، قال تعالى: {.... وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ.... }الحديد7

وقال تعالى: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ....}نوح12.

أما أسس النظام الاقتصادي الإسلامي فهي ثلاثة:

•1) الملكية 2) التصرف في الملكية 3) توزيع الثروة بين الناس.

أما الأساس الأول: الملكية:-

وهي الكيفية التي يحوز بها الإنسان المنفعة الناتجة عن الخدمات والسلع.

وتعريفها الشرعي: (هي إذن الشارع بالانتفاع بالعين)، الشارع : هو الله، العين: الشيء المنتفع به، والإذن: هو الحكم الشرعي.

وأنواع الملكية ثلاثة: (1) الملكية الفردية (2) الملكية العامة (3) ملكية الدولة.

أما الملكية الفردية:

فهي إذن الشارع للفرد بالانتفاع بالشيء.

وحق الفرد وواجب الدولة تجاه الملكية الفردية يتمثل في أمرين:

أ- حق الملكية الفردية حق شرعي للفرد، فله أن يتملك أموالا منقولة وغير منقولة كالسيارة والأرض والنقود، وهذا الحق مصون ومحدود بالتشريع الإسلامي.

ب- حفظ الملكية للفرد واجب على الدولة، ولذلك وضع التشريع الإسلامي عقوبات زاجرة لكل من يعبث بهذا الحق.

وقد حصر التشريع الإسلامي الأسباب التي يتملك فيها الفرد المال بخمسة أسباب هي:

•1- العمل في التجارة والصناعة والزراعة.

•2- الإرث.

•3- الحاجة إلى المال من أجل الحياة، إذ يحق للفرد إن خاف على نفسه الهلاك أن يأخذ من ملك الأفراد أو ملك الدولة ما يسد به حاجته، وفي هذه الحال لا يباح للجائع أن يأكل لحم الميتة ما دام هناك طعام عند أحد من الناس يستطيع أن يأخذه.

•4- إعطاء الدولة من أموالها لإفراد الرعية، فإن أعطت الدولة لأحد من الرعية أرضاً أو مالاً يصبح مالكاً له.

•5- الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل، كالهبة، والهدية، والصدقة.

والنوع الثاني من أنواع الملكية, الملكية العامة:

والملكية العامة هي إذن الشارع للجماعة بالاشتراك في الانتفاع بالشيء، وهي ثلاثة أنواع:

•1- ما هو من مرافق الجماعة، وهي الأشياء التي لا تستغني حياة الجماعة عنها، وتتفرق عند فقدها كالماء، والزرع، والنار، قال عليه السلام: «الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار» ويلحق بهذا النوع من الملكيات العامة كل آلة تستعمل فيه كآلات استخراج المياه العامة، وأنابيب توصيلها، وكآلات توليد الكهرباء من مساقط المياه العامة وأعمدتها وأسلاكها ومحطاتها.

•2-  الأشياء التي طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الفرد بحيازتها، مثل الطرق، الأنهار، البحار، البحيرات، المساجد، مدارس الدولة، والساحات العامة، قال عليه السلاملا حمى إلا لله ورسوله» ومعنى الحديث أنه ليس لأحد أن يحمي لنفسه ما هو لعموم الناس.

•3- المعادن العدُّ التي لا تنقطع، وهي المعادن الكثيرة غير محدودة المقدار، أما المعادن القليلة المحدودة المقدار فإنها تكون من الملكيات الفردية ويجوز أن يملكها الأفراد، ومن المعادن العدِّ الكثيرة: مناجم الذهب والفضة والبترول والفوسفات وغيرها.

 ودليل ذلك ما روي عن أبيض بن حمال المازني (أنه استقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي طلب منه أن يعطيه قطعة من الأرض، الملح بمأرب، فقطعه له قال: فلما ولى، قيل، يا رسول الله، أتدري ما أقطعت له؟ إنما أقطعته الماء العد، قال: فرجعه منه) لأن الملح معدن كالماء العد الذي لا ينقطع.

3- ملكية الدولة: هي كل مال يكون التصرف فيها موكولا للخليفة وهو رئيس الدولة، وهذه الأموال مثل:

أموال الغنائم والجزية والخراج والضرائب وأموال المرتدين وكأموال من لا وارث له وكالأبنية والمسقفات لحكام الدول التي تفتحها الدولة الإسلامية وكالأراضي المملوكة للدولة.

أما الأساس الثاني:

التصرف في الملكية:

وهي الكيفية التي يجب أن يلتزم بها المسلم أثناء استعماله للمال: وقد حدد التشريع الإسلامي هذه الكيفية بأحكام شرعية في أمرين اثنين، وهما:

•1) تنمية المال 2) إنفاق المال.

أما تنمية المال:

فقد شرع الإسلام أحكاما معينة لتنمية المال، في التجارة، والزراعة، والصناعة، وترك للإنسان أن يبدع في استعمال الأساليب والوسائل المشروعة والملائمة للتنمية.

- ففي التجارة أباح الإسلام البيع والإجارة والشركة، قال تعالى: {...وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ...}البقرة275 وقال عليه السلام: «أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» وقال: «أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه».

وحرم الإسلام الربا، والاحتكار، والغش، والقمار، وغيرها، قال تعالى: {...وَحَرَّمَ الرِّبَا...}البقرة275 وقال عليه السلام: «من احتكر فهو خاطئ» أي آثم. وقال: «ليس منا من غش».

- وفي الزراعة أباح الإسلام تملك الأرض للزراعة، وقرر أخذها من مالكها إن هو لم يزرعها ثلاثة أعوام متتالية، قال عليه السلام: «وليس لمحتجر حق بعد ثلاث» وقال: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه» لأن الأرض وجدت للزراعة وللإنتاج.

- وفي الصناعة أجاز الإسلام للمسلم أن يتملك مصنعاً، وأن يصنع، وأن يتاجر فيما يصنع، ولكن قيد هذه الصناعة فيما يحل من الأشياء، فالمصنع في الإسلام يأخذ حكم الشيء الذي يصنعه، فإذا كان الشيء مباحاً كان المصنع مباحاً، وإن كان الشيء حراماً كان المصنع محظوراً وحراماً.

وما دام المصنع يأخذ حكم ما يصنع، فلا يصح للفرد أن يتملك مصنعاً ينتج ما هو في طبيعته من الملكية العامة. فكل مصنع ينتج أو يستخرج ما هو من طبيعته ملكية عامة يكون ذلك المصنع ملكية عامة، ولا يجوز أن يكون ملكية فردية، وذلك مثل مصانع استخراج البترول والذهب والحديد وكل ما هو داخل في الملكية العامة.

•2) وأما الأمر الثاني الذي حدد التشريع الإسلامي كيفية التصرف به وفق الأحكام الشرعية فهو إنفاق المال:

حيث وضع الإسلام قاعدة عامة للإنفاق، وهي قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا...}القصص77 فالمال مال الله، والإنسان مستخلف فيه، فعليه أن يتقيد في إنفاقه بأوامر الله ونواهيه، طلباً لنيل رضوان الله وثوابه.

وقد وضع طرقاً لإنفاق المال مثل:

•أ‌- الزكاة: وهي فرض على من تجب عليه.

•ب‌- الإنفاق على نفسه وعلى من يلزم نفقتهم كالزوجة والوالدين والأبناء وهو فرض.

•ج‌- صلة الرحم بالتهادي، وهو مندوب.

•د‌- الصدقة على الفقراء والمحتاجين وهي مندوب.

هـ- الإنفاق في الجهاد لشراء السلاح وتجييش الجيوش كما فعل الصحابة في غزوة تبوك وغيرها وهو فرض كفاية.

وقد حرم الإسلام أنواعاً من الإنفاق مثل:

الإسراف: وهو الإنفاق في الحرام والمعاصي.

كما حرم الرشوة: وهي دفع الأموال لمن له صلاحية انجاز أمر معين من أمور الرعية كالموظفين والحكام من أجل انجاز ذلك الأمر.

وكذلك حرم الإسلام البخل والتقتير، وهو الامتناع عن الإنفاق فيما هو واجب على المسلم، كعدم دفع الزكاة، وكالنفقة الواجبة عليه تجاه من يعول، قال تعالى {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً }الفرقان67

و- دفع المال للدولة الإسلامية في حالة حاجتها له لتقوم بالأعمال المفروضة على المسلمين كافة، مثل إطعام الجائعين، كما حصل في عام الرمادة (المجاعة) زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومثل إغاثة الملهوفين في حالة حدوث زلزال أو فيضان، أو اعتداء خارجي.

أما الأساس الثالث والأخير للاقتصاد في الإسلام وهو:

فهو توزيع الثروة بين الناس:

فقد شرع الإسلام أحكاما شرعية ليضمن توزيع الثروة بين الناس، وليحول دون اختلال التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع الإسلامي وذلك بالأمور التالية:

•1- فرض الزكاة: وهي أخذ قسم من مال الأغنياء بشروط وتوزيعه على الفقراء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين أرسل معاذا إلى اليمن قال له: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم».

•2- لكل فرد من أفراد الرعية حق الانتفاع من الملكية العامة، ومن وارداتها كالمعادن والبترول.

•3- توزيع الدولة من أموالها على أفراد الرعية المحتاجين دون مقابل، كإقطاع الأراضي للقادرين على زراعتها، والإنفاق عليهم من الخراج والجزية.

•4- منع التشريع الإسلامي كنز الذهب والفضة، بوصفهما أداة التداول، وأثماناً للسلع والخدمات، ليظل النقد مستثمراً في الزراعة والتجارة والصناعة، وبذلك يقضي على البطالة، فيساعد على توزيع الثروة.

•5- شرع الإسلام تقسيم الإرث بين الوارثين، وبذلك توزيع للثروات الكبيرة.

ولا يفوتنا هنا أن نبين أن الإسلام يعتبر أن المشكلة الاقتصادية هي سوء التوزيع وليست قلة الإنتاج وهذا شيء ملموس يلمسه كل الناس بغض النظر عن معتقدهم، فإن العالم كله فيه من الإنتاج ما يزيد عن حاجات الناس، ولكن سوء التوزيع جعل بعض الناس أغنياء غنى فاحشاً، وأغلب الناس فقراء، حتى البلدان التي تشكو قلة الإنتاج فإن المشكلة الأساسية التي تعانيها اقتصادياً هي سوء التوزيع في الدرجة الأولى، ثم تأتي بعدها قلة الإنتاج.

والناس بحاجة إلى نظام عادل يحل لهم مشكلتهم الاقتصادية وهل من نظام أعدل وأجدر من نظام الإسلام، نظام رب العالمين؟!

أما خصائص النظام الاقتصادي الإسلامي:

الإسلام نظام إلهي متميز، أنزله الله للناس كافة، وضمنه أحكاماً تنظم حياتهم جميعها، ومنه النظام الاقتصادي الذي يتميز بالخصائص التالية:

•1- شموليته واتساع أدلته لمعالجة وحل جميع المشكلات الاقتصادية التي تواجه الإنسان في حياته إلى يوم القيامة، فيما يتعلق بالمال من حيث تملكه والتصرف به وتوزيعه.

•2- راعى النظام الاقتصادي في الإسلام الفروق الفردية بين الناس، فأباح لهم التنافس المشروع في امتلاك المال، كل حسب قدرته وطموحاته، ثم بين واجبات الأغنياء، وحقوق الفقراء.

•3- راعى هذا النظام أيضاً الفروق بين طبيعة الأشياء التي تملك فجعل بعضها ملكية فردية وبعضها ملكية عامة، وبعضها ملكية للدولة، ووضع حدوداً واضحة لكل ملكية.

•4- يحافظ النظام الاقتصادي على التوازن المادي بين أفراد المجتمع، ويرفع من مستوى العيش للرعية، فالدولة الإسلامية تتكفل برعاية من لا مال له ولا عمل ولا معيل، قالعليه السلام: «من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلاًّ فإلينا» والكل الضعيف والفقير المعدم.

•5- يمنع النظام الاقتصادي الإسلامي استغلال واستثمار الأموال الأجنبية في الدولة كما يمنع منح الامتيازات لأي أجنبي، وذلك كي لا يكون للأجانب نفوذ في بلاد المسلمين، قال تعالى: {....وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }النساء141 .

•6- تؤمن الدولة في الإسلام الحاجات الضرورية لكل فرد من رعاياها، كالتطبيب، والتعليم، وكالأمن، وإن عجز الفرد تعمل الدولة على إشباع جميع الحاجات الأساسية كالسكن والمأكل والملبس لكل فردِ إشباعاً كليا، وتمكينه من إشباع الحاجات الكمالية بقدر ما يستطيع.

•7- الذهب والفضة هما النقدان المعتبران، فبهما حدد الإسلام نصاب الزكاة في النقود، وبهما حدد الدية النقدية، وبهما حدد المقدار الذي تقطع به يد السارق. ويمكنُ أن تستعمل الدولة الإسلامية عملة ورقية نائبة عن الذهب أو الفضة، وذلك لسهولة التداول والنقل.

بقلم الأستاذ محمد عبد الله

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.