February 25, 2009

عقد الاستصناع- مع الأستاذ إياد العطار

إن الحمد لله وأشهد أن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) وعلى آله و صحبه ومن تبعه بإحسان و إتقان إلى يوم الدين و بعد:-

سبحان الذي خلق الارض وجعل الإنسان مستخلفا فيها وسخر ما فيها لخدمته حيث قال:


{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ }لقمان20 . وقال: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الجاثية13,وقال:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165.


وخلق الإنسان فأحسن خلقه وحباه بالعقل القدرة على التفكير والحكم على الأشياء على هذه الارض وبالعمل لاستغلال مقدراتها وثرواتها بما يشبع طاقته الحيوية ويلبي حاجاته و احتياجاته


فمارس منذ وجوده على الارض صناعة أدواته وما يحتاجه ولا زال ,وقد استعرض القران الكريم إحدى هذه الصور التي من الله بها على البشرية بنجاة المؤمنين مع نبي الله نوح من الطوفان بقوله تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ }هود37 .

ومما لا شك فيه أن الله تعالى قد سخر بني البشر لخدمة بعضهم بعضا حيث يقول في محكم التنزيل:

{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }الزخرف32. وأن الإنسان بطبعه بحاجة ومحتاج إلى غيره وهذا يجعل المجتمع حيويا ومستقرا من جهة تحرك الأموال بين الناس وينعش الحركة الاقتصادية ويزيد من مصادر الدخل و يلبي حاجاته المتخصصة من خلال تفريغ أصحاب التخصصات في تخصصاتهم.


أن الاستصناع قديم بين الناس, و يتزايد العمل به مع ازدياد الحاجة وتقدم الصناعة و ظهور الآلات والأدوات والمصانع وقد تطور تطورا هائلا و انتشر وعم أرجاء الارض لزيادة الطلب و الحاجة إليه و أورد هنا ما ورد في كتاب مجموع فتاوى ابن تيمية كمثال: (احتاج المجاهدون إلى أهل الصناعات والتاجرات كصناع الطعام و اللباس والسلاح ومصالح الخيل وغير ذلك و طلب منهم تلك الصناعة بعوضها).


لذا فانه لا يخفى على أحد أن الإنسان يتطور ويرقى بتطور ورقي وسائل وأساليب عيشه التي يقوم بصناعتها فالصناعة والتصنيع والاستصناع استغلال للمادة بما يتلاءم وحاجات الإنسان بتشكيلها بصورة ما يلزمه ويريده ويحتاجه بكيفية وحالة أو هيئة مرغوبة.


والتصنيع يتم بتقنية معينة أي :( المعلومات والبيانات اللازمة لإجراء عملية التصنيع),و عملية التصنيع: تمثل المراحل والمعطيات التي من خلالها تحول المادة أو المواد من حالتها الأصلية إلى حالة أخرى أكثر صلاحية وفعالية ومرغوبة من أجل خدمة الإنسان ومتطلبات عيشه واستفادته.


وحيث أن للصناعة والتصنيع أثر بالغ الأهمية في حياة الفرد والمجتمع والدولة ,فلا تكاد تجد شيئا من مظاهر الحياة إلا وقد أدخلت الصناعة فيه أو شكلت جزءا مهما وحيويا منه.


فقد دخلت الصناعة والتصنيع في المجالات كافة السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والعلمية حتى غدت تشكل الصفة الأبرز التي تدل على تقدم الأمة والدولة وعلى قوتها ورخائها ورفاهيتها.


وقد كان لذلك أثرا بالغا في بروز دول كبرى هيمنة على العالم من خلال تقدمها الصناعي والاقتصادي والتكنولوجي والالكتروني وحسن استغلالها , وأن الصناعة الذرية و صناعة الطائرات وأسلحة الدمار الشامل والأجهزة الالكترونية والكهربائية والصواريخ والدبابات والبوارج العملاقة وغيرها هو الذي أتاح لها السيطرة والنفوذ والتحكم بالعلاقات والموقف الدوليين .


ونحن بصفتنا مسلمين قد استخلفنا في هذه الأرض وحملنا أمانة لتحقيقها بتكليف من الله سبحانه وتعالى كان واجبا علينا أن نكون روادا وقادة في التصنيع والصناعة لأننا حملنا أمانة إسعاد البشرية ورعايتها فوق كونه مطلوبا لنا,وبحسب قاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ) فعلينا أن نعمل جادين لإعادة دولة الإسلام التي تباشر ذلك لان لها حق الرعاية الصحيحة للأمة والمجتمع داخليا بتطبيق أحكام الشرع وتوفير ما يلزم الفرد والمجتمع من السلع والحاجات والخدمات الأساسية وعلى أرقى مستوى والكمالية منها إذا أمكن,ومن ثم حمل الإسلام للعالم بقوة وإخلاص ووعي.

إن ما يلزم للتصنيع من ناحية عملية سلسلة إجراءات ووجود ما يلي:
1- إرادة سياسية وإدارة مؤمنة واعية مخلصة و مسؤولة .
2- مواد خام وموارد أساسية كافية.
3- أدوات وآلات و وسائل وإمكانيات وطاقات مادية و مالية وتكنولوجية وفنية.
4- معرفة علمية وعلماء(أدمغة وعقول) متخصصة ومتقدمة.
5- وجود أجواء ملائمة و مناخا مناسبا من الأمن والاستقرار والسيادة في ظل عملية التصنيع.


فإن تحقق ذلك فان الدولة تكون قد خطت الخطوة الأولى ووضعت نفسها على أولى درجات التصنيع ثم تمتلك ناصيته ومع وعد الله لنا بدولة خلافة راشدة قريبة إن شاءا لله فإنها ستكون الدولة الأولى في صناعة التصنيع وإنتاج قطاعات التصنيع المختلفة لأنها ستمتلك كل ذلك وقبله القيادة الفكرية المبدئية العالمية.


وسأستعرض بعون الله وحوله مفهوم الإستصناع ونشأته و مشروعيته ودلالاته وصفته وأركانه و شروطه وأحكامه من الناحية الشرعية كما ورد في الشريعة الإسلامية ومن مصادر الفقه المختلفة ما أمكنني إلى ذلك سبيلا وفي حدود استطاعتي سائلا الله أن يعينني و يلهمني الصدق والحق و الصواب.

= تعريف الاستصناع و مفهومه:


* في اللغة:- استفعال من صنع (الألف والسين للطلب) بمعنى طلب الصنع,والصناعة حرفة الصانع ,واصطنعه اتخذه:قال تعالى :(واصطنعتك لنفسي ),والصنع مصدر كقولك صنع إليه معروفا أي فعل واصطنع فلان خاتما إذا سأل الرجل أن يصنع له خاتما واستصنع الشيء دعا إلى صنعه ,لذا فهو لغة طلب الفعل.


* في الاصطلاح:اختلف العلماء كثيرا في تعريفه لاختلافهم في حقيقته وكيفيته واختلفوا في كونه عقد أم وعد , والذين عدوه عقدا اختلفوا في كونه عقد بيع أم عقد إجارة أو نوع خاص كالسلم وكذلك اختلفوا في كونه عقد لازم أم جائز أو محظور وساقوا الأدلة على ما وصلوا إليه , وبذلك اختلفوا على أركانه وشروطه وكل ما تعلق بهما وسأسوق في بداية البحث هذا بعض هذه الاختلافات مع بعض أدلتهم حتى تعم الفائدة :


لقد اعتبره جمهور العلماء من (السلم), أما الأحناف فعدوه عقدا مستقلا واختلفوا في تعريفه لإدخالهم بعض القيود أو إخراجها, وملخص قولهم باعتباره عقدا( وليس وعدا) بأن الاستصناع :- طلب العمل من الصانع في شيء خاص بمقابل عوض معلوم.


أو(عقد مقاولة بين شخصين يطلب فيه أحدهما وهو المستصنع من الآخر وهو الصانع أن يصنع له شيئا معينا بأوصاف مخصوصة مقابل ثمن معين يدفعه له أو يتفقان على تأجيله أو تقسيطه.

أو (عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل على وجه مخصوص بثمن معلوم)وهذا التعريف معناه :

1- أن الاستصناع عقد وليس وعد كما قال أكثر فقهاء الأحناف.
2- وكونه على مبيع يخرجه من الإجارة فهو عقد على منافع لا على عين, وفي الذمة قيد ثالث احترز به عن كونه مبيع على عين حاضرة.
3- وكون العمل فيه شرط إخراج للاستصناع من كونه سلما .
4- وكونه على وجه مخصوص أي جامع لشروط الاستصناع ببيان الجنس و النوع و القدر إلى غير ذلك بحيث لا يؤدي إلى نزاع وخلاف .
5- وكونه بثمن معلوم أي قدره ونوعه بحيث لا يتم قبض الثمن في مجلس العقد.


مشروعيته:- الاستصناع مشروع في الفقه الإسلامي, فجمهور الفقهاء من المالكية و الشافعية يقولون بمشروعية الاستصناع قياسا على السلم(وهو اسم لعقد يوجب الملك في الثمن عاجلا و في المثمن آجلا) وعدوه أحد أنواعه و اشترطوا فيه شروط السلم و طبقوا عليه أحكامه أي أنهم لا يرونه عقدا مستقلا.


أما جمهور الحنفية فقالوا بمشروعية الاستصناع بوصفه عقدا مستقلا له أحكام خاصة وأفردوه بالبحث في كتبهم وفصلوا القول فيه و بعضهم عده وعدا لا عقدا.ومجمل قول الحنفية فيه:-أن مقتضى القياس أن لا يجوز الاستصناع لأنه بيع لمعدوم و بيع المعدوم لا يجوز لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان وان قيل انه إجارة فلا يصح أيضا لأنه استئجار على تحصيل عمل بشرط أن تكون المادة التي يصنع منها ملك الصانع. وقالوا يجوز الاستصناع استحسانا لتعامل الناس به من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارفهم عليه في سائر البلدان من غير إنكار و العرف عندهم احد مصادر الفقه الإسلامي فكان ذلك دليل على الجواز و يترك به القياس. و صح في السنة النبوية أن الرسول صلى الله عليه و سلم استصنع خاتما وان كان المعقود عليه في الاستصناع معدوما إلا انه محقق الوجود في العادة فلا غرر فيه و ألحق بالموجود لمسيس الحاجة إليه فعد كأنه موجود حكما.


حكم الاستصناع: و الحكم على الاستصناع بأنه عقد أو وعد يترتب عليه أن العقد ملزم عند الاتفاق فلا يحق فسخه أما الوعد فيكون ملزم شرعا و يأثم بعدم الإمضاء ولا ضمانه لأحدهما على الآخر وهو عقد على رأي أكثر الأحناف وأكثر المعاصرين و(المجمع الفقهي الإسلامي).أما بعض علماء الأحناف (مثل الحاكم الشهيد, محمد بن سلمه, أبو القاسم الصغار, السمرقندي) فيعتبرونه وعد.


*فالعقد لغة: من عقد الحبل أحكم ربطه و مثله عقد اليقين أي وثقها و غلظها و عقد البيع أي أحكمه و أكده و المعاقدة للقوم أي تعاهدهم من المعاهدة.
* واصطلاحا: هو العهد (ما أحل الله و حرمه)كما في قوله تعالى :{وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ }الرعد25 . و يدخل تحته كافة العقود و البيوع.
*بينما الوعد لغة : وعد يعد وعدا وعدة و يطلقان على الخير و الشر ( وعد خيرا و وعد شرا) أو قيل في الخير الوعد و العدة وفي الشر الايعاد و الوعيد.
* أما اصطلاحا : فهو ما يطلبه الطالب فيعده صاحبه بإنفاذ ما طلب كالوعد ببيع شيء لشخص آخر فيلزمه شرعا لا قضاء .


= أدلة القائلين بأنه عقد وليس وعد هي:-
1- أنه أجري في الاستصناع القياس و الاستحسان فلو كان وعد لما احتاج إلى ذلك.
2- إن الاستصناع يثبت به خيار الرؤية و الوعد ليس كذلك.
3- إن الاستصناع يجوز فيما فيه تعامل بين الناس لا فيما لا تعامل فيه كما في الوعد
4- إن الصانع يملك المال لقبضه و لو كان وعدا لم يملكها.
5- إن الاستصناع يجري فيه التقاضي و التقاضي يكون في المعقود لا الموعود.
6- أن الاستصناع لو كان وعدا لما صح أن يحكم فيه بعدم الصحة لأن الوعد لا يوصف بالصحة أو عدمها و إنما يختص بالعقود.


= أدلة من قال أنه وعد وليس عقد هي:-
1-أن للمستصنع الحق في أن يرد المصنوع و الرجوع عما استصنعه قبل رؤيته وتسليمه و لو كان عقدا لما أمكن ذلك بل يلزمه القبول.
2- إن للصانع أن لا يعمل فلا يجبر بينما العقد يلزمه بالعمل.
3- أنه لو كان عقدا لما بطل بموت أحد العاقدين.
4- لو كان عقدا لما صح لأنه بيع لمعدوم.

من كلا القولان و أدلتهم نلاحظ أن:-


1- لم يحرم الشرع بيع المعدوم و إنما النهي انصب على الغرر (مثل المزابنه و المحاقلة التي لا يدرى هل ينبت ذلك المكان أم لا)و الاستصناع أغلب الظن وجوده لتوفر مستلزماته لدى الصانع.
2- نهى الشرع عن بيع الإنسان ما لا يملك من حديث حكيم بن حزام (لا تبع ما ليس عندك)في حين أن الاستصناع بيع آجل موصوف في الذمة يغلب على الظن إيجاده وقت طلبه فهو قريب من السلم الجائز شرعا.
3- قولهم أنه لو كان عقد لما بطل بموت أحد العاقدين إنما كان ذلك لشبهته بالإجارة و هو عقد كالبيع و البيع يلزم ورثة الميت بنفاذ البيع.
4- إن عقد الاستصناع يلزم الصانع بمجرد العقد ويلزم المستصنع بشروط العقد عند استلام المستصنع له.


و السؤال الآن هل عقد الاستصناع من قبيل البيع أم من قبيل الإجارة؟

اختلف جمهور فقهاء الأحناف في ذلك على أقوال هي:


1- أنه بيع : وهو قول الجمهور لكنه ذو طبيعة خاصة فكان له وضع خاص كالسلم و هو قول (محمد بن الحسن, الكاساني, السرخسي) ويختص عن البيوع في اشتراط خيار الرؤيا و اشتراط العمل في الاستصناع.
2- يشبه الإجارة كما في الصباغ حيث يصبغ الصانع الثوب و نحوه بمادة من عنده و هنا واضح أن العملية صبغ للثوب.


من كلا القولين و أدلتهم نخلص إلى أن عقد الاستصناع ( نوع من البيوع أو نوع من الإجارة) و لكن بطبيعة خاص كالسلم للأدلة التالية:


- قول الجمهور و لكن بطبيعة خاصة كالسلم ويختص عن البيوع في اشتراط خيار الرؤيا و اشتراط العمل في الاستصناع.


- هو عقد مستقل بذاته و خصائصه و أحكامه كما قال الأحناف على عكس ما قال المالكية و الشافعية (جمهور العلماء ) بعدم جوازه إذا كان على وجه غير وجه السلم و ذلك للأدلة التالية :


1- ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم انه اصطنع خاتما و أعوادا يجلس عليها إذا كلم الناس كما ثبت في الصحيحين من حديث سهل قال:(أرسل رسول الله إلى فلانة-امرأة قد سماها سهل-مري غلامك من نجاران يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمني الناس فأمرته فعملها من طرفاء الغابة ثم جاء بها إلى رسول الله فأمر بها فوضعت هاهنا)ولذا فعقد الاستصناع ليس بيع دين بدين كما ورد عن الرسول في النهي عن بيع الكالئ بالكالئ و لا بيع معدوم و لا ينطبق عليه وجه الجهالة في السلعة.
2- حاجة الناس على مر العصور للاستصناع ومنع الضرر و الحرج عن الناس, تجعل ألادلة تجيز الاستصناع لما أباحه الله من البيع و العقود و السلم.
و السؤال الذي يرد: هل عقد الاستصناع جائز أم لازم؟


اختلف الأحناف في ذلك و يمكن تلخيص قولهم في رأيين هما:


أولا : التفصيل فيه حسب مراحل العقد كما يلي:
أ‌- بعد التعاقد وقبل الصنع,وهنا العقد غير لازم .
ب‌- بعد التعاقد و الفراغ من العمل قبل أن يراه المستصنع, وهنا العقد غير لازم .
ت‌- بعد الفراغ من العمل ورؤية المستصنع من المصنوع اختلف العلماء إلى ثلاث أقوال:-
1- إن للمستصنع الخيار دون الصانع(قول جمهور الأحناف )وعللوا ذلك بأن الصانع والمستصنع مشتري و قد أسقط الصانع خياره بإحضار المصنوع فبقي الخيار للمستصنع.
2- لكل من الصانع والمستصنع الخيار (رأي أبو حنيفة) وتعليل ذلك لرفع الضرر .
3- سقوط الخيار عنهما (رأي أبو يوسف ) و تعليل ذلك بأن الصانع بائع و إحضاره للمستصنع دليل إسقاطه للخيار أما المستصنع فلأن في إبقاء الخيار له قد يلحق ضرر بالمستصنع.
ثانيا : أنه لازم بمجرد العقد (رأي أبو يوسف ) ونصت علية مجلة الأحكام العدلية والمجمع الفقهي الإسلامي الدولي ( أي أنه لو تم العقد بين الطرفين فليس لأحدهما الفسخ إلا بإذن الآخر) و الأدلة على ذلك هي:
1- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ .. }المائدة1, وجميع النصوص التي تدعوا إلى الوفاء بالعقود.
2- عدم إلزام الطرفين ضرر على أحدهما سواء الصانع أو المستصنع.
3- ما دام عقد بيع فهو لازم .
4- في عدم لزومه يثير النزاع بين الناس و لذا دفعا للضرر و لأن به مصلحة فهو عقد لازم.


= أما فيما يتعلق بأركان عقد الاستصناع و شروطه فقد اختلف الفقهاء في ذلك فالأحناف قالوا: ركنيه الصيغة فقط أي ينعقد بالإيجاب و القبول و اختلفوا في محل العقد فقال بعضهم المقصود هو العمل, وقال الآخرون هو العين المصنوعة (جمهور الأحناف)و دلل كل واحد منهما بالأدلة التالية:-


*القول الأول: دليلهم مأخوذ من الصنع وهو العمل فسمي العقد به لأنه معقود عليه وهو شبيه بالإجارة يبطل بموت أحد المتعاقدين و المعقود عليه العمل فيهما, و الاختيار لصانع بعينه دون غيره لجودته أو إتقانه أو ثقته...الخ عن غيره يكون الصنع منصبا على عمله هو بذاته.
*أما أدلة القول الثاني: فهي أن خيار الرؤيا يثبت للمستصنع و خيار الرؤيا لا يكون إلا في بيع العين و ليس العمل. وأن العقد يصح لو أتى الصانع بالمستصنع على وصفه و لكن من شخص آخر ليس هو, وأن غاية المستصنع و العين المصنوعة بالأوصاف التي يريدها فإذا أتاه ما يريده فقد تحقق ما يريد و الصانع يكون شيئا ثانويا بالنسبة له.
*و لذا فإن أركان عقد الاستصناع هي: عند الجمهور ستة كالسلم :-الصانع و المستصنع ( أي العاقدان ), المحل و الثمن (المعقود عليه), الإيجاب و القبول ( الصيغة).


*وشروطه : فبالإضافة لشروط البيع هناك شروط خاصة به كونه استصناعا منها:


1- إن يكون المصنوع معلوما بتحديد مواصفاته تحديدا كاملا يمنع التنازع عند التسليم.
2- أن يكون المصنوع مما تدخله الصناعة .
3- أن يكون المصنوع مما يجري التعامل فيه .( أو يمكن التعامل فيه بين الناس ) .
4- أن تكون المواد المستخدمة في الشيء المصنوع من الصانع.
5- بيان الثمن جنس وعددا مما يمنع التنازع والتخاصم.
6- بيان مكان تسليم البيع إذا احتاج لذلك . أوألية التسليم ,أوطريقة التعامل مع الدفع وقبض الثمن.
7- لا يكون فيه أجل عادة و إن اشترط الأجل فيه، فلذلك بحث في تحرير محل النزاع في عقد الاستصناع.


=أما تحرير محل النزاع في عقد الاستصناع فإن ملخص الآراء فيه:-


1- إذا كان عقد الاستصناع مطلقا من غير تحديد مدة معينة فهو صحيح بلا خلاف .
2- إذا كان الأجل المضروب أقل من شهر أي لم يبلغ المدة التي يصح بها السلم فهو عقد استصناع بلا خلاف(عند الأحناف) .
3- إذا كان الأجل المضروب أكثر من شهر ففيه خلاف هل يصير سلما أم يبقى استصناعا , اختلف الأحناف على قولين هما:
*الأول:- يشترط أن لا يكون فيه أجل فإن ضرب أجل أصبح سلما (قول أبو حنيفة ) و أدلتهم على ذلك هي:
أ‌- إن التأجيل يختص بالدين لأنه وضع لتأخير المطالبة و تأخير المطالبة لا يكون في عقد لازم و هذا في السلم لا في الاستصناع إذ لا دين في الاستصناع .
ب‌- إن السلم عقد على مبيع مؤجل في الذمة فإذا ضرب الأجل صار الاستصناع سلما إذ العبرة في العقود بالأحكام و المعاني لا بالألفاظ و المباني .
*الثاني : عدم ضرب الأجل ليس بشرط فيصح الاستصناع سواء أضرب الأجل أم لم يضرب (قول أبي يوسف و محمد بن الحسن )و أدلتهم على ذلك هي:
أ‌- إن العادة جارية بضرب الأجل في الاستصناع والاستصناع إنما جاز للتعامل.
ب‌- إن القصد في الأجل في الاستصناع هو تعجيل العمل لا تأخير المطالبة من المستصنع فلا يخرج العقد عن كونه استصناعا بينما القصد من السلم هو تأخير المطالبة.
ت‌- إن الاستصناع بدون ذكر الأجل عقد جائز غير لازم فلا يصير لازما بذكر الأجل فيه. إلا إن اشتراط الأجل فيه قطع للنزاع و الخصومة بين المتعاقدين. ( وهذا الرأي الراجح ).


= أما آثار عقد الاستصناع و انتهاؤه: فملخص الأقوال فيه:-


• بالنسبة للصانع: يثبت ملك الثمن نظرا للزوم العقد ويستحقه كاملا إذا قدمت العين المصنوعة كما طلب منه.
• وبالنسبة للمستصنع : يثبت للمستصنع ملك البيع في ذمته إذا جاء به كما طلب منه.


وإن جميع البيوع و العقود تبدأ بالتعاقد و تختلف صور انتهاؤها فعقد الاستصناع ينتهي فيستحق الصانع الثمن و يستحق المستصنع المبيع بما يلي:


1- وفاء كل من المتعاقدين بالالتزامات والشروط التي أوجبها العقد (الصانع بقيامه بالصنع المطلوب كما طلبه المستصنع و تسليمه إليه, و المستصنع باستلامه المطلوب كما طلبه و دفع الثمن للصانع) .
2- إقالة احد المتعاقدين للآخر .
3- موت أحد المتعاقدين (وهذا محل خلاف لشبهة الاستصناع بالإجارة حيث إن الصانع يعمل في البيع فإذا سلمها فهو مبيع أو أن الاستصناع بيع من أوله إلى آخره فلا ينفسخ عقد الاستصناع بموت أحد المتعاقدين و يلزم الورثة بالوفاء).


ومن مجمل أراء الفقهاء وأدلتهم يمكن الوصول إلى حقيقة الاستصناع :


إن الاستصناع عملية مركبة متكاملة تبدأ بالمستصنع (للحصول على عين المصنع و منفعة صاحب العمل) مرورا بالصانع (بالعمل و الصناعة والأدوات) مرورا بالمستصنع و تنتهي عملية الاستصناع بالمستصنع حيث يملك ما طلب على شروطه ومواصفاته التي طلبها وباتفاق بينهما بالصيغة (الإيجاب و القبول) و بشروط بينهما بحيث تخضع لقاعدة (أن المسلم له أن يشترط شرطا لا يحل حراما و لا يحرم حلالا). ومثال ذلك: الاتفاق بين المتعاقدين على صنع ما يتعامل به الناس عادة كالأثاث والسيارات.. وصورته أن يقول شخص لنجار مثلا : اصنع لي خزانة من خشب كذا ,مع بيان جميع أوصاف الخزانة التي يرغب فيها , بثمن كذا و في مدة شهر , فيقبل النجار بذلك ويكون العمل والعين (المواد الازمة للصنع) من الصانع,فان كانت العين من المستصنع كان العقد إجارة .


فالاستصناع هو عقد يتم بين طرفين(علاقة بين طرفين) هما صانع و مستصنع ,الصانع :هو الذي يباشر العمل بخبرته و جهده(القيام بعمل التصنيع)وتكون المواد اللازمة لذلك من عنده,أما أن لم تكن من عنده فالعمل إجارة بلا شك , والمستصنع: هو الذي يطلب منفعة الصانع وعين المصنوع على الأوصاف التي يريدها (أما إن أراد منفعة المصنوع دون النظر إلى العين فهي بلى شك إجارة )وهذا آت من مفهوم الاجاره.


أي إن العقد إذا ورد على العين بعوض كان بيعا, وإذا ورد على منفعة العين بعوض كان إجارة.


*وعلى ذلك فإن الاستصناع نوع من العقود الجائزة شرعا وهو عقد على مبيع في الذمة المؤجرة للقيام بعمل على وجه مخصوص بثمن معلوم.
ويدخل تحته عقدي الإجارة والبيع فهو عقد مستقل بخصائصه وذاته وأحكامه عن عقد البيع أو عقد الإجارة.
*وحكمه أنه جائز, وقد يكون واجبا, وقد يكون محظورا (إذا خالف أحكام الشرع).وهذا يعتمد على الآثار الناتجة عنه.
*والأدلة على جوازه هي فعل الرسول صلى الله عليه وسلم والأدلة الأخرى التي تدعو إلى الوفاء بالعقود.
*وعقد الاستصناع لازم بحسب شروط العقد كعقد , إضافة إلى شروط العاقدين الخاصة .


وصيغة العقد يجب أن تكون واضحة ومحددة لكل ما يجب تحديده لإزالة الإبهام ومنع الخصومة والتنازع حيث يجب أن تكون أركان العقد صحيحة وغير ناقصة (كاملة).


وأركان العقد هي الأركان الست السابقة وكذلك يجب إنهاء عقد الاستصناع كما ورد سابقا. والله تعالى اعلم.
بعض صور الاستصناع في الوقت الحاضر :


1- الاستصناع في المصارف (البنوك) وهذا حرام شرعا لحرمة التعامل مع البنوك (الربوية)أصلا,سواء كان المصرف صانعا أو مستصنعا أو صانعا و مستصنعا في نفس الوقت (الاستصناع الموازي).


2- الاستصناع في التمويل العقاري (التجاري) كما في البناء , شق الطرق وتعبيدها, تخطيط الأراضي.... وغيرها من عمليات الاستصناع التجارية غير الصناعية .وهذه يجب أن تقام فيها عمليات الاستصناع كلها على الوجه الشرعي وحسب أحكام الشرع من أولها إلى آخرها .


3- الاستصناع في التمويل الصناعي :كما في الصناعات بكافة أشكالها و صورها كصناعة الطائرات و الآلات والسفن و المركبات .....الخ وهذه أيضا يجب أن تقام فيها عمليات الاستصناع وفق أحكام الشرع من أولها إلى آخرها .

وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.