سياسة

الفئات الفرعية: حكم تحليلات قضايا
مقال مميز

تصريحات سلطان السامعي... وشهد شاهد منهم أظهر فسادهم وتبعيتهم للغرب

في مقابلة بثتها قناة الساحات، يوم الأحد 2025/8/3 فجّر الفريق سلطان السامعي، عضو المجلس السياسي الأعلى في صنعاء، جملة من التصريحات الصادمة، أبرزها اعترافه بأن المجلس السياسي الأعلى مجلس شكلي لا يملك القرار الفعلي، وأنهم عاجزون حتى عن إيقاف فاسد واحد، رغم أن الفساد يُمارَس علناً ويُدار من جهات عليا. وأشار إلى خروج أكثر من 150 مليار دولار من البلد، وتحوّل أشخاص من حفاة إلى

اقرأ المزيد
بالترويض والتدجين والتضليل احتنكوا الأمة

بالترويض والتدجين والتضليل احتنكوا الأمة

لقد كانت هذه الأمة في عزة ومنعة لما كان سلطانها بيدها، أي الحكم بكتاب الله وسنة رسوله. وكان الكفار يستهدفونها بالحرب والقتال للقضاء عليها. ولكن بعد جهد وعناء تبينوا أن القوة الكامنة في هذه الأمة مصدرها العقيدة الإسلامية، فغيروا أساليبهم تجاهها يوم أحسوا بالضعف الفكري والسياسي قد دب فيها. فهجموا عليها بأفكارهم التي استحدثوها بعد انفلاتهم من هيمنة الكنيسة وتحررهم من رجال الدين. وبدءوا عندئذ بترويض أبناء المسلمين على تقبل أفكارهم والتخلي عن موروثهم العقائدي والفكري. ونستشهد على ذلك بما قاله أحدهم في هذا المضمار. وهو المفكر الوجودي والفيلسوف الفرنسي "جان بول سارتر" صاحب مجلة " الأزمنة الأخيرة " التي كان يفضح فيها قذارة الحرب الاستعمارية التي كانت بلاده تشنها على الشعب المسلم في الجزائر. يقول هذا الشاهد على طريقة الغرب في صناعة المفكرين والمثقفين والزعماء والقادة، وكيفية إعدادهم لتولي شؤون هذه الأمة، ما نصه : [ كنا نحضر رؤساء القبائل وأولاد الأشراف والأثرياء من إفريقيا وآسيا ونطوف بهم بضعة أيام في أمستردام ولندن والنرويج وبلجيكا وباريس، فتتغير ملابسهم، ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعية الجديدة، ويتعلمون منا طريقة جديدة في الرواح والغدو، ويتعلمون لغاتنا، وأساليب رقصاتنا وركوب سياراتنا ـ إلى أن يقول ـ : وكنا ندبّر لبعضهم زيجات أوروبية ثم نلقنهم أسلوب الحياة الغربية، كنا نضع في أعماق قلوبهم الرغبة في أوروبا ثم نرسلهم إلى بلادهم، وأي بلاد! بلاد كانت أبوابها مغلقة في وجوهنا، ولن نجد منفذا إليها، كنا بالنسبة إليهم رجساً ونجساً، لكن منذ أن أرسلنا المفكرين الذين صنعناهم إلى بلادهم كنا نصيح في أمستردام، أو برلين، أو باريس: (الإخاء البشري)، فيرتد رجع أصواتنا من أقاصي إفريقيا، أو الشرق الأوسط، أو شمالي إفريقيا، كنا نقول: ليحلّ المذهب الإنساني - أو دين الإنسانية - محل الأديان المختلفة، وكانوا يرددون أصواتنا هذه من أفواههم، وحين نصمت يصمتون، إلا أننا كنا واثقين من أن هؤلاء المفكرين لا يملكون كلمة واحدة يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم ]. ومن يتمعن في هذه الكلمات المعبرة والمختصرة يدرك أن هذا الرجل يحدثنا عن عملية تصيد بعض أبناء المسلمين لترويضهم وتربيتهم على أفكارهم ليكونوا من بعد خدما لهم في بلادنا. وبمعنى آخر يخبرنا عن صناعتهم للعملاء والخونة الموالين له لخدمة مصالحه في بلاد المسلمين التي كانت أبوابها مقفلة في وجوههم. وهذا فيه جواب كاف على سؤالنا السابق حول إمكانية ترويض البشر. فالغرب الحاقد على هذه الأمة استطاع اقتناص بعض المنهزمين فكريا ونفسيا وقام بترويضهم وإغوائهم من غير أن يكون له سلطان عليهم. لكونه فاقدا للعنصرين المذكورين سالفا. أي فاقدا للحجة التي يستطيع بها مقارعة حجج الإسلام ودحض أفكاره والتفوق عليه فكريا. وفاقدا كذلك للقوة القاهرة التي ينفذ بها إلى قلوب المؤمنين ليستأصل منها عقيدة الإسلام ويضع مكانها عقيدته الفاسدة. وعليه فإن الغرب الكافر استطاع استدراج الضعفاء من أبناء هذه الأمة وروضّهم على عقائده وأفكاره فزادهم بذلك تخلفا على تخلفهم. أي ضاعف فيهم التخلف الذي وجدهم عليه، وهو التخلف الفكري العام الذي شمل الأمة من قبل سقوط الخلافة. وسببه ضعف القدرات العقلية في فهم الإسلام وتطبيقاته على وقائع الحياة وحوادثها المستجدّة. وليس ضعف الإسلام وعدم قدرته على معالجة مشاكل العصر كما يزعمون. فأضاف إلى ذاك التخلف تخلفا آخر. وذلك بإغرائهم وإغوائهم بأفكاره التي يسمونها أفكارا تقدمية. وهي في الحقيقة أفكار ومعالجات متخلفة ورجعية لأنها من وضع البشر. بخلاف أفكار الإسلام ومعالجاته فهي من وضع خالق البشر. وعليه فإن الثقافة الغربية التي اغترّ بها بعض المسلمين هي ثقافة متخلفة عن الثقافة الإسلامية. وبمعنى آخر إن حضارة الغرب متخلفة عن حضارة الإسلام. وذلك في الزمن الذي نشأت فيه وفي الفكر الّّذي تقوم عليه. لأن الزمن الذي ظهرت فيه هذه الأفكار الجديدة التي أنشأها الغرب ليقاوم بها السلطة القديمة، أي سلطة رجال الدين. كان زمنا متأخرا جدا لزمن ظهور الإسلام. أي لمّا كان الغرب المسيحي يتخبط في ظلمات القرون الوسطى وتتحكم فيه القوى الظلامية. كان الإسلام حينها في أوج نشاطه وحركته العالمية. حيث كان يجوب العالم شرقا وغربا، ويتوسع في الفتوحات لتحرير البشرية من الرق والاستعباد وظلم الأباطرة والملوك. إلا أن الغرب المسيحي كان يحاربه ويصده عن دياره وبقي منغلقا عن نفسه راضيا بعيشه التعيس. وحتى التغيرات الجوهرية التي أحدثها الإسلام في الشعوب التي حكمها. من رقي فكري، وازدهار حضاري، وتطور علمي، وتقدم مدني. لم تبعث فيه التوقد الفكري لينظر في حاله ويفكر في أوضاعه. بل احتاج إلى عدة قرون ليحس في النهاية بالظلم والتخلف، وبضرورة التغيير والتخلص من تلك القوى الظلامية التي تحكمه. وبدأ عندها بوضع هذه الأفكار والمعالجات الجديدة التي قاوم بها سلطة الكنيسة والملوك. ومن ثمة بدأ تاريخ النهضة الأوروبية. أي بعد عشرة قرون أو يزيد من ظهور النهضة الإسلامية في العالم. وهذا في الحقيقة تخلف زمني كبير. وأما الأفكار والمعالجات التي وضعها الغرب فهي كذلك أفكار ومعالجات متخلفة بالمقارنة مع أفكار الإسلام ومعالجاته. لأنها أفكار ومعالجات من وضع الإنسان المحدود عقلا وطاقة. ولأنها لا تقوم لها حجة ولا برهان على صوابها وصحتها. ولكونها كذلك تناقض الواقع وتتصادم مع حقائق الحياة. ولكونها لا توافق فطرة الإنسان. وبالإضافة إلى ذلك كله فإنها أفكار ومعالجات لم تفِ بحاجة الإنسان ولم تعطه الإجابة الشافية على كل تساؤلاته في هذا الوجود. فهي لم تعالج فيه جميع مشاكله وتركته يتخبط بمفرده وجهده الخاص في البحث عنها. كمشكلة الدين والتدين وحل العقدة الكبرى. فهي تجاهلت في الإنسان غريزة التدين الفطرية فيه ولم تعطه الإجابة عنها ولم تهده إلى الطريق الصحيح. لهذا كله كانت أفكار الغرب الرأسمالي ومعالجاته متخلفة عن أفكار ومعالجات الإسلام، الذي لم يترك ولا جزئية واحدة من جزئيات الحياة، سواء كانت تتعلق بالعقائد أم بالأخلاق، أم بالمأكولات والمشروبات والملبوسات، أم بالعلاقات، إلا وعالجها علاجا تاما. وبناء على ما تقدم تكون الأفكار التي يروج لها في بلادنا. ويسمونها أفكارا تقدمية، كالليبرالية، والديمقراطية، والاشتراكية، والقومية، والوطنية، وفكرة فصل الدين عن الحياة والحريات، هي في حقيقتها أفكار رجعية وليست تقدمية كما يزعمون. لكونها رجعت بالحياة والإنسان إلى الخلف بعدما تقدم بهما الإسلام. ويكون الذي أخذها عنهم قد ازداد تخلفا لأنه استبدل الفكر الغربي الفاسد بالفكر الإسلامي الراقي. أي استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. ومن دلالات عمق التخلف أنهم لازالوا متمسكين إلى اليوم بالأفكار التي تراجع عنها الغرب وألقى بها في الزبالة وأنهى العمل بها، كفكرة الشيوعية. إذ لازلنا نرى في بلادنا أحزابا شيوعية. فمصيبتنا اليوم تتمثل في هؤلاء الذين روضهم الغرب في حظيرته وزرع فيهم أفكاره وأنظمته ورباهم على طريقة عيشه في الحياة. ثم تحولوا بعد ذلك إلى ديارنا ودخلوا علينا بتلكم الأفكار، وتموقعوا المواقع الحساسة في الدولة والمجتمع. واستلموا المناصب المتقدمة في الحكم والإدارة. ووضعوا أيديهم على المؤسسات الحيوية. وتولوا إدارة الاقتصاد والتعليم والصحافة والإعلام. وشكلوا أحزابا وجمعيات علمانية. وألبسوا الحق بالباطل. وفتنوا الناس عن دينهم. ويا ليت هذا الأمر بقي محصورا فيهم ولم يسر في غيرهم. ولكن مع الآسف قد فشت عدواهم بين فيئات أخرى من المجتمع. فتلوث بها بعض المثقفين وبعض الكتاب والمؤلفين وطلبة الجامعات، وحتى بعض الأحزاب والحركات الإسلامية باتت تردد هي الأخرى هذا النشاز وتدعوا لهذه الأفكار الفاسدة، كالديمقراطية والاشتراكية. ولهذا لا يمكن أن نتصور أن هذه الأمة بمقدورها أن تسترجع مجدها وعزها بهؤلاء القادة والزعماء والمفكرين والمثقفين الموالين للغرب الكافر أو المضبوعين بأفكاره وحضارته. وإنما تتحرر الأمة بأبنائها المخلصين لها. أما حال العامة في هذه الأجواء فهو كحال الغلمان في مسرح الدمى الخشبية، يتابعون فصول المسرحية دون أن يتفطنوا للأصابع الخفية التي تحرك الدمى. فهؤلاء تبلد فيهم الإحساس وتبلدت فيهم الطبائع، حتى ألفوا العيش إلى جانب الحكام العملاء. وألفوا الخيانات المفضوحة، والمؤامرات المكشوفة، والتواطؤ مع دول الكفر. وألفوا القرارات المجحفة والتنازلات المخزية. وألفوا رداءة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وألفوا الفقر والعيش تحت القهر والظلم، وألفوا القتل والتدمير والتعذيب في إخوانهم وأبناءهم. وألفوا العيش بين المنكرات. ألفوا كل شيء حتى عادت الفواجع والكوارث السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تستفزهم. وهاهم لازالوا يصفقون ويهتفون بحياة الرئيس والملك. أبعد هذا التدجين من تدجين ؟ إنّ الخوف من الحكام وبطشهم. والخوف على الأرزاق ولقمة العيش. والخوف على النفس والحياة. والخوف على الأبناء والنساء. والخوف على متاع الدنيا. هو الذي فتح الطريق أمام الطغاة والجبابرة ليستعبدوا الشعوب ويدجنوها. فلو استقاموا على الهدى وما تخاذلوا عن الحق، وثاروا على الباطل وما سكتوا عليه، وتمرّدوا على الظلم وما ركنوا له، ما كانوا ليحيوا حياة الذل والهوان. ولما تسلط عليهم أعداء الله وأعوانهم. " ‏عَنْ ‏ثَوْبَانَ ‏قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ ‏تَدَاعَى ‏عَلَيْكُمْ كَمَا ‏تَدَاعَى ‏الْأَكَلَةُ ‏إِلَى ‏قَصْعَتِهَا ‏فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ ‏غُثَاءٌ ‏كَغُثَاءِ ‏السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ".[ رواه أبو داود] وفي حديث آخر لعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قال : " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَقُولُ ‏إِذَا رَأَيْتُمْ أُمَّتِي تَهَابُ الظَّالِمَ أَنْ تَقُولَ لَهُ إِنَّكَ أَنْتَ ظَالِمٌ فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ ". [رواه أحمد]‏.

بالترويض والتدجين والتضليل احتنكوا الأمة

بالترويض والتدجين والتضليل احتنكوا الأمة

في زمن سيدنا إبراهيم عليه السلام دار حوار عقائدي وفكري بينه وبين قومه نقله إلينا القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ)[الشعراء: 69/77]. وفي موضع آخر من الكتاب الكريم يقول جل ثناؤه : (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ )[الصافات: 85/87]. أي ما حجتكم ودليلكم بأن هذه الأصنام آلهة؟ فهل تحسون بنفعها أو ضرها؟ وهل تخلق كما يخلق الله؟ وهل تسقيكم وتخرج لكم من الأرض أقواتكم. وهل تسمع وتبصر كما تسمعون وتبصرون ؟ وبعد هذا وذاك من الذي خلقكم ومن الذي خلق هذا الخشب وهذه الحجارة التي صنعتم منها أصنامكم وأوثانكم وسميتموها بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان. ثم (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)[الصافات: 95/96]. إلى غير ذلك من الحجج والبراهين المفحمة لهم. ولَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّة عَدَلُوا إِلَى أَخْذِهِ بِالْيَدِ وَالْقَهْر. أي حينما لم يتغلبوا عليه فكريا بالحوار والنقاش تحولوا إلى الوعيد والتهديد. وذلك باستفزاز الشعور عن طريق إثارة غريزة حب الحياة والتعلق بالدنيا لعله يرجع: ( قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ)[الصافات: 97]. غير أن سيدنا إبراهيم لم يعبأ بوعيدهم وتهديدهم لإدراكه بأنهم لا يملكون شيئا من أمر هذه الحياة. وأنه لا سلطان لهم عليه. فردّ عليهم قائلا بثقة المؤمن الواثق بالله : ( الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ )[الشعراء: 78/82]. أي ما أوهن ما تكيدون. وليؤكد لهم ذلك أثار عدة قضايا عقائدية ليس لهم باع في مناقشتها أو الردّ عليها. أثار معهم مسألة الخلق والإيجاد. (الله الذي خلقني). ثم مسألة الهداية (وهو الذي هداني وأرشدني إلى طريق الحق) ثم مسألة الرزق ( هو الذي يطعمني ويسقيني ) ثم مسألة القضاء ( فإذا مرضت وأصابني وعك فهو الذي يشفيني ) ثم مسألة الآجال ( هو الذي يميتني ) وفي الأخير مسألة البعث والنشور والجزاء والعقاب ( وهو الذي يحيني، وهو من أطمع في رحمته وغفرانه يوم الدين ). فماذا بقي في أيديكم من أمر لتقهرونني به بعد هذا كله؟ فافعلوا بي إذا ما شئتم، (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)[الصافات: 99]. فهذا الردّ القوي من سيدنا إبراهيم عليه السلام يبين لنا أنه ليس لأي كائن من كان مهما بلغ من الطغيان والجبروت سلطان مطلق على العباد. وقد أطلعتنا سور القرآن الكريم على عدة حوادث مماثلة لهذه القصة. من بينها ما حصل مع سيدنا موسى عليه السلام والسحرة الذين استنجد بهم فرعون ليدحضوا بسحرهم حجج موسى. ففرعون طغى في الأرض وزعم أنه الإله المعبود ( فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)[النازعات:24] وفي آية أخرى : (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)[القصص 38]. ولما وقعت المحاجّة بينه وبين سيدنا موسى ورأى آيات الله الظاهرة طلب بإحضار السحرة لعلهم يدحضون حجته ويتغلبّون عليه. غير أنّ السحرة سرعان ما انقلبوا عليه وتخلوا عنه وأمنوا بسيدنا موسى لما ظهرت لهم آيات الله وحججه وعرفوا الحق من الباطل. فما بقي من سلاح آخر في يد هذا الطاغية المتجبّر إلا سلاح التهديد والوعيد بالصلب والتقطيع والقتل. لكن ذلك لم يؤثر في نفسية المؤمنين الجدد. ووقفوا أمامه وقفة شموخ وعز، راشقين كبرياءه بكلمات تهز عروش الطغاة أمثاله : (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى )[طه: 72/73]. أي لا نفضلك على موسى الذي أتانا بالبراهين والأدلة القاطعة فكفرنا بك وأمنا به، وأما تهديدك ووعيدك فلن يزيدنا إلا ثباتا واحتسابا. فافعل بنا ما شئت فإنك لا تملك من هذه الدنيا إلا التنكيل والتعذيب، وأما الذي يملك الدنيا والآخرة، والموت والحياة، والبعث والنشور هو الله الذي نطمع أن يغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر ويرحمنا برحمته الواسعة. هكذا هم عباد الله المؤمنون المخلصون إذا ما فقهوا معنى الحياة وأدركوا أن هذه الدنيا ما هي إلا معبر للآخرة، وتعلقت هممهم برضوان الله، دخلوا ضمن الفريق الذي قالت فيهم الآية : ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ). والسنة الشريفة لا تخلوا هي الأخرى من ذكر هذه المواقف الإيمانية. لتربي المؤمنين على الصبر والثبات على الحق وتحمل الأذى في سبيل هذا الدين. ففي الحديث الشريف " ‏عَنْ ‏قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ‏عَنْ ‏خَبَّابٍ ‏قَالَ ‏أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ ‏بُرْدَةً ‏فِي ظِلِّ ‏الْكَعْبَةِ ‏فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا فَجَلَسَ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ فَقَالَ ‏قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ فَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ فِرْقَتَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ وَعَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مَا بَيْنَ ‏صَنْعَاءَ ‏وَحَضْرَمُوتَ ‏مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ." [سنن أبي داود]. إن هذا الصنف من المؤمنين الذين جاء ذكرهم في الكتاب والسنة، لم ولن ينقرض من الدنيا. فاليوم كما هو بالأمس. لازال هناك رجال ونساء صادقين في إيمانهم ومخلصين لربهم قد قهروا الطغاة والجبابرة بقوة هذا الإيمان، وبثباتهم على الحق. واستعصوا عليهم فما استطاعوا تضليلهم ولا ترويضهم ولا تدجينهم. نعم هم الذين قهروا الجبابرة والطغاة وليس العكس. فالكثيرون يخطئون حينما يظنون أن الجبابرة قد تغلبوا على المؤمنين وقهروهم بقوة الحديد والنار. وهذا خطأ. فالذين قُهِرُوا هم الطغاة وليس المؤمنون. ذلك بأن المجرمين بذلوا كل ما في وسعهم وفعلوا بالمؤمنين كل الأفاعيل. من رمي بالرصاص، وتعليق في حبال المشانق، وحرق بالنار، وتمزيق للأجساد، وتكسير للعظام، وسلخ للجلود، وقلع للأظافر، واغتصاب وانتهاك للأعراض. ومع ذلك باؤوا بالفشل. فوتيرة الإيمان لازالت في تصاعد مستمر، ونسبة الملتحقين بركب الدعوة إلى الله لازالت تتضاعف يوما بعد يوم، ونداءات الإيمان لازالت تدندن في كل مكان. والمعتقلون في سجون الظلمة والمهجرون من ديارهم لازالوا متمسكين بعقيدتهم، ومقاومة أشكال الاستعمار وعملاءه، وصراع الأفكار الدخيلة علينا لازال محتدم. وما بقي لهؤلاء الطغاة المجرمين إلا العض على الأنامل وإنفاق الأموال في الباطل لصد المؤمنين عن دينهم ثم من بعد ذلك سيغلبون وتعود عليهم أموالهم وجهودهم وكل ما أنفقوه في سبيل الطغيان والجبروت حسرة عليهم. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ)[الأنفال: 36]. وهكذا يظهر لنا مما سبق أن المجرمين الضالين والمضلين يفتقرون للسلطان المطلق الذي يمكنهم من إخضاع أعناق المؤمنين الواعين. أما غيرهم فلا حاجة للسلطان لترويضهم وتدجينهم وتضليلهم. بل يكفي ترويضهم وتحريفهم عن الحق بأفكار فاسدة. ويمكن تدجينهم بالترويع والترهيب والتافه من المتاع. ويمكن تضليلهم بالتلاعب بعقولهم وتخليط الأمور عليهم.

خبر وتعليق -موضوع الاستيطان تضييع للبلاد وتضليل فوق التقتيل

خبر وتعليق -موضوع الاستيطان تضييع للبلاد وتضليل فوق التقتيل

تناقلت وسائل الإعلام قرار حكومة يهود تجميد الاستيطان في الضفة الغربية لمدة عشرة أشهر دون أن يشمل هذا التجميد مدينة القدس، ونقلت وسائل الإعلام أن السلطة الفلسطينية رفضت القرار وطالبت بوقف الاستيطان بما في ذلك مدينة القدس، وكررت السلطة أقوالها بضرورة وقف الاستيطان حتى تشارك في المفاوضات التي تسعى أمريكا إلى استئنافها بين السلطة الفلسطينية وكيان يهود.إن حجم التضليل الذي مورس على المسلمين في قضية فلسطين لا يكفيه مجلدات ومجلدات، فلقد سعى الغرب وأدواته من حكام المنطقة وكذلك التنظيمات الفلسطينية إلى إدخال قضية فلسطين في أنفاق مظلمة كثيرة الدهاليز بحيث يتيه المسلمون عن حقيقة القضية ليلهثوا خلف قضايا جزئية ما أدى إلى ضياع فلسطين وإعطائها لقمة سائغة لشرذمة حاقدة على البشرية فضلا عن حقدها على المسلمين. ومن ذلك قضية الاستيطان، فصحيح أن الاستيطان أكل أراضي أهل فلسطين وأدى إلى تهجير الكثير من العائلات وهدم بيوتهم خاصة في القدس وأدى إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية والمآسي الناجمة عنه كثيرة، ولكن القضية الحقيقية هي وجود هذا الكيان السرطاني الخبيث الذي أقيم على أراضي أهل فلسطين كافة فلسطين ما أدى إلى تهجير الملايين وقتل عشرات الآلاف وهدم البيوت ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات وغير ذلك من مآسي أهل فلسطين، ولكن العلاج انصب عمدا على إفرازات الاحتلال وليس على إنهاء الاحتلال، فالسلطة الفلسطينية والحكومات العربية تنازلت عن معظم فلسطين ليهود وتطالب بوقف الاستيطان حتى تتفاوض على أقل من 20% من أرض فلسطين، فالذي يتحدث عن وقف الاستيطان في الضفة الغربية يكون قد أكد تنازله عن بقية فلسطين، والذي يطالب بحق العودة يضلل الناس لأنه يطالب بعودة اللاجئين إلى دولة كيان يهود بدلا من تحرير الأرض وإعادتها إلى أهلها، والذي يتحدث عن القدس الشرقية كعاصمة لدولة فلسطين في حدود 67 يؤكد تنازله عن بقية فلسطين ليهود بما في ذلك معظم القدس.نعم هكذا قزمت قضية فلسطين من قضية أرض إسلامية احتلت يجب على المسلمين تحريرها وإنهاء الكيان المجرم الذي أقيم عليها، إلى مجموعة قضايا جزئية زادت من قوة وغطرسة يهود وزادت من معاناة أهل فلسطين، فبعد أن كانت المطالب دولة على كامل تراب فلسطين من البحر إلى النهر أصبحت المطالب دولة فلسطينية منزوعة السلاح بلا سيادة ولا سلطان ولا مياه ولا جيش إلا بما يسمح به المحتل ويكفي لملاحقة الرافضين لدولة الاحتلال اليهودي. إن بلاد المسلمين المحتلة ستبقى تحت المعاناة والذل والهوان والضياع طالما بقي الرويبضات ينطقون باسم الأمة، فهؤلاء وضعوا أنفسهم في صف أعداء الأمة، لذلك يجب على الأمة أن تستعيد زمام أمرها وتخلع هؤلاء الرويبضات أينما وجدوا وتبايع إماما يحكمها بالإسلام ويقودها إلى ساحات الجهاد فيحرر فلسطين كل فلسطين وكافة البلاد المحتلة، ويحمل الإسلام رسالة هدى ونور إلى البشرية كافة.

بالترويض والتدجين والتضليل احتنكوا الأمة ج2

بالترويض والتدجين والتضليل احتنكوا الأمة ج2

يقول الله عز وجل في سورة الإسراء: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا* قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا* إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا)[الإسراء: 61/65]. إن هذه الآيات تصور لنا مشهدا خطيرا من مشاهد العصيان والتمرد بدافع الحقد والحسد. فإبليس اللعين عصى ربّه وأبى أن يطيع أمره ويسجد لمن خلق. وأبطن لهذا المخلوق الجديد العداوة والبغضاء والكراهية. وحينما غضب الله عليه ونزلت به اللعنة إلى يوم الدين قال بدافع الغرور والكبرياء : أرأيت هذا الذي شرّفته وكرّمته علي لئن أبقيتني حيّا إلى يوم الدين لأحتنكنّ ذريته. والإحتناك له معنيان. قال الرازي : الإحتناك فيه قولان، أحدهما : أنه عبارة عن الأخذ بالكلية، يقال : احتنك فلان ما عند فلان من مال إذا استقصاه وأخذه بالكلية، واحتنك الجراد الزرع إذا أكله بالكلية. والثاني : أنه من قول العرب : حنك الدابة يحنكها، إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به. فعلى القول الأول معنى الآية : لأستأصلنّهم بالإغواء. وعلى القول الثاني : لأقودنّهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحبلها. وقال صاحب التحرير والتنوير: والإحتناك : وضع الراكب اللجام في حنك الفرس ليركبه ويسيّره ". وقال مجاهد : أي لأحتوينّهم. وقال ابن زيد: لأضلنّهم. والمعنى متقارب، كما قال القرطبي، أي لأستأصلنّ ذريته بالإغواء والإضلال. وقيل : معناه لأسوقنّهم حيث شئت وأقودنّهم حيث أردت. فهذه المعاني تبين أن مراد إبليس هو الإغواء والتضليل وترويض الإنسان لينقاد لأوامره، ويطيعه فيما يأمره به من المعاصي والمنكرات. ولذا قال سبحانه ردا عليه : (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) أي : أمض لغرضك وشأنك أنت وجندك، واستفزّ منهم من قدرت عليه، واغو منهم من استطعت. وادعهم إلى معصية الله وانظر لمن يستجيب لدعواتك المضلّة. وقوله : ( وعدهم ) أي مَنِّهِمْ الأمانيّ الكاذبة، وأوح إليهم أن لا قيامة ولا حساب، وأنه إن كان ثمة حساب وجنة ونار، فأنتم أولى بالجنة من غيركم. ويقوي هذا الرأيّ قوله تعالى : ( يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا)[النساء: 120]. أي باطلا. وهذا فيه تهكم واستخفاف بالشيطان وبمن تبعه من الغاوين. لأن الله عز وجل يقول بعد ذلك: ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا ). ويقول في آية أخرى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ )[الحجر: 42]. والسلطان هنا معناه الحجة والنفوذ. قال صاحب تفسير " زاد المسير" : " وفي المراد بالسلطان قولان: أحدهما : أنه الحجة، قاله ابن جرير، فيكون المعنى : ليس لك حجة في إغوائهم. والثاني: أنه القهر والغلبة، إنما له أن يَغُرَّ ويزين، قاله أبو سليمان الدمشقي". فالسلطان إذا نوعان. نوع له علاقة بالعقل، ونوع ثان له علاقة بالنفس. فالذي له علاقة بالعقل. هو الحجة والبرهان والدليل القطعي الذي لا يمكن دحضه بدليل يتوهمه العقل. وأمّا الذي يتعلق بالنفس والشعور، فهو القهر المطلق والغلبة التي لا تقاوم. وهذا لا يكون إلا بالتحكم في الآجال والأرزاق. وعليه فإن كلا النوعين. سواء الحجة والبرهان، أو القهر والغلبة، كلاهما بيد الله سبحانه وتعالى. فهو الذي يملك الحجة التي لا تدحض، والبرهان الذي لا يرد. وهو الذي بيده آجال العباد وأرزاقهم. وهذا ما دلت عليه الآيات التي تضمنت لفظة "السلطان". فقوله تعالى : ( سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ)[آل عمران: 151]. يعني ليس لهم دليل أو برهان على استحقاقها للعبادة مع الله. وقوله : (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ)[الأعراف: 71]. يعني : أتجادلونني في هذه الأصنام التي سميتموها آلهة أنتم وآباؤكم؟ ما أنزل الله بها من حجة ولا برهان. فهي مصنوعة من الحجارة والخشب لا تنفع ولا تضر. وقوله: (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )[يونس: 68]. أي كيف يكون له ولد ممن خلق وكل شيء مملوك له؟ وليس لديكم دليل على ما تفترونه من الكذب. أتقولون على الله ما لا تعلمون حقيقته وصحته؟. وقوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ)[الصافات: 27/30]. أي ما كان لنا عليكم من حجة مقنعة ولا قوة قاهرة، فنصدّكم بها عن الإيمان. وقوله : (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ)[سبأ: 20/21]. أي ما كان لإبليس على هؤلاء الكفار من قهر على الكفر. ولم ينكر إبليس هذا واعترف بعجزه وافتقاره للسلطان الذي يتحكم به في العباد في قوله تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[إبراهيم: 22]. قال صاحب التفسير الميسر في شرحه لهذه الآية : إن الله وعدكم وعدا حقا بالبعث والجزاء، ووعدتكم وعدا باطلا أنه لا بعث ولا جزاء، فأخلفتكم وعدي، وما كان لي عليكم من قوة أقهركم بها على إتباعي، ولا كانت معي حجة، ولكن دعوتكم إلى الكفر والضلال فاتبعتموني. وبهذا ندرك أنه ليس لأي مخلوق سلطان مطلق على مخلوق مثله كما هو واضح في قوله تعالى : (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) وعبادي هنا تشمل كل العباد. قال صاحب تفسير " البحر المحيط " : " نقلا عن " الجبائي: { عبادي} عام في المكلفين، ولذلك استثنى منه في أية من اتبعه في قوله { إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ } واستدل بهذا على أنه لا سبيل له ولا قدرة على تخليط العقل وإنما قدرته على الوسوسة، ولو كان له قدرة على ذلك لخبط العلماء ليكون ضرره أتم ". وحينما نقرأ قوله تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ)[النحل: 99/100]. لا نتوهم أن هذه الآية تتضمن النفيّ والإثبات في آن واحد. حيث أنه في بداية الآية نفى أن يكون للشيطان سلطان على العباد، وفي أخرها أثبت أن له سلطانا عليهم. لا نتوهم ذلك. لأنه قد سبق وأثبت أن لا سلطان له على الإطلاق. ولكن أراد أن يبين هنا أنه ثمة قسم من العباد ليس له سلطان عليهم. لكونهم آمنوا بالله وتوكلوا على ربهم. فأدركوا بمقتضى هذا الإيمان أن لا سلطان عليهم في هذه الحياة إلا سلطان الله الخالق المدبر، الذي بيده أرزاق العباد وآجالهم. لقوله تعالى: (أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ ونفور)[الملك: 21]. وقوله : ( أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ* لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ)[الواقعة: 68/70]. وقوله : ( فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ* وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )[الواقعة: 83/87]. وقسم آخر سَهُلَ عليه احتواءهم من غير حاجة للسلطان الفعلي. لكونهم تولونه واستجابوا له بمجرد أن دعاهم. فكان هذا الاحتواء بمثابة السلطان. ولذا قال : ( إِنَّمَا سُلۡطَـٰنُهُ ۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُ ۥ) كناية عن الهيمنة وبسط الجناح. وهذا فيه تهكم وتحقير لهم. فيكون المعنى إذا. أنه ثمة صنف من البشر لا يمكن احتواءه لا بالترويض ولا بالتدجين ولا بالتضليل. وصنف آخر يمكن احتناكه وقوده وتسييره نحو ما يريده الضّال المضل الماسك بالحبل.

93 / 132