أعظم مؤتمر على هذه البسيطة
November 22, 2008

  أعظم مؤتمر على هذه البسيطة

الحمد لله القائل في محكم التنزيل : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ }.

ويقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله ؟ ولمَّا سُئل عليه السلام: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم أيّ ؟ قال: جهاد في سبيل الله. قيل: ثم أيّ ؟ قال: حج مبرور.

الإخوة الكرام: يتساءل كثير من الناس: متى يكون أعظم وأكبر مؤتمر للبشر على وجه الأرض؟ والجواب بالنسبة للناس جميعاً مسلمين وغير مسلمين واضحٌ جليٌّ لا يحتاج إلى كثير تفكير أو إنعام نظر, بأن أعظم وأكبر وأقوى مؤتمر يعقد في كل عام هو الحج, فالحج بالنسبة للأمة الإسلامية مؤتمر عظيم وأيُّ مؤتمر, يجتمع فيه المسلمون بأشهر معلومات, وأيام معدودات بهذه الأعداد الكبيرة في كل عام, فهو بحقيقة الأمر أعظم مؤتمر للأمة الإسلامية, حتى أنه أعظم مؤتمر بالنسبة للبشرية كلها, فلا يوجد على وجه البسيطة مؤتمر آخر يجتمع فيه المسلمون بأعداد كثيرة في أي مكان, وفي أي زمان من العالم كاجتماعهم في الحج وفي كل عام يزداد عدد الحجيج إلى بيت الله الحرام, ولو تـُرك الأمر للمسلمين لأصبحت أعدادهم أضعافاً مضاعفة مما هي عليه اليوم .

إن الحج ركنٌ من أركان الإسلام الخمسة, وهو فرض على كلِّ مستطيع, ذكراً كان أو أنثى, وهو مؤتمر سنوي, إلاَّ أن مشكلة الأمة اليوم أنها لا تتعامل مع هذا الحدث العظيم كما يجب أن تتعامل معه, نعم: إنها لا تتعامل مع هذا الحدث العظيم على أنه مؤتمر للأمة الإسلامية من كلِّ حَدَبٍ وصوب, وإنما تتعامل مع هذا المؤتمر العظيم على اعتبار أنه عمل فردي يلتقي فيه الناس لوقت معلوم ! ثم يعودون من حيث جاؤوا ! نعم : هكذا يتعاملون, بمعنى أن كل مسلم يذهب للحج, فيحج ثم يعود إلى بيته, والحج كما هو معلوم عملٌ عظيم مبارك. ولكن هل يُصدق إنسان عاقل أن اجتماع هذا العدد الهائل من الناس في صعيد واحد ! وفي أيام ٍمتتالية لا يمكن أن يؤدي إلى تغيير عظيم على مستوى الدنيا جميعها, إذا ما وُجِّه الوجهة الصحيحة ؟! وهل يمكن أن يصدق إنسان عاقل بأن اجتماع هذا القـَدر من الناس في مكان واحد, وفي وقت واحد, لا يمكن أن يُغير للأفضل ! على العكس تماما! فالذي يتبادر للذهن بأنه إذا لم يكن هناك قدرة للناس على التغيير وهم متفرقون! فإن اجتماعهم هذا يقربهم من التغيير المنشود, ولكن المعضلة أن هذا التغيير لا يجري! على الرغم من رضوان الله تبارك وتعالى, وعلى الرغم من الأجر العظيم الذي يكرم الله به الحجيج, حين يُباهي بهم ملائكته وقد جاؤوا إلى بيته شـُعثا غـُبرا, ويشهدهم أنه قد غفر لهم, فتخيل يا أخي يا مسلم يا عبد الله: تخيل الحجيج في بيت الله الحرام, بأرض الله الحرام, في الشهر الحرام, في هذا المقام الذي يجمعُ الملايين من الناس, ولو افترضنا بأن نصفهم من كبار السن, فهذا يعني أن النصف الآخر من الشباب الذين لا يزالون يملكون الطاقة والحيوية . علاوة على أنهم مجتمعون في شهر حرام, في بيت الله الحرام.

نعم: إن عدد الحجيج الكبير, والطاقة البشرية الهائلة, والإجتماع في بيت الله الحرام في هذا الموسم العظيم, وهذا المنسك الكريم, الذي تتجه فيه أنظار المسلمين إلى هذا المكان, في هذه الأيام المباركات, في هذا المؤتمر الكريم, فيبارك الله لهم أيضاً وينزل عليهم عونه ورحمته ورضوانه ومغفرته وبركاته, وهذا بشهادة من الله جل في علاه حين يُباهي ملائكته كما ورد عنه عليه السلام وقد قال: أما خروجك من بيتك تؤم البيت الحرام فإن لك بكل وطأة تطؤها راحلتك يَكتب الله لك بها حسنة, ويمحو عنك بها سيئة, وأما وقوفك بعرفة فإن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا فيباهى بهم الملائكة فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوني شعثا غبرا من كل فج عميق, يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يرونِ ! فكيف لو رأوني ؟! فلو كان عليك مثل رمل عالج أو مثل أيام الدنيا أو مثل قطر السماء ذنوبا, غسلها الله عنك, وأما رميك الجمار فإنه مدخور لك, وأما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة, فإذا طفت بالبيت خرجتَ من ذنوبك كيوم ولدتك أمك .

إذن عدد كبير, وإيمان خالص لله بإذنه تبارك وتعالى, وتحملُ المسلمين هذه المشقة وهذا التعب, وتلك المسؤوليات, وكل هذه التكاليف, وهم يرجون رحمة ربهم الذي وعدهم بالمغفرة والرحمة بإذنه.

إذن فما الذي يمنع الناس في مثل هذا الموسم العظيم من أن يجتمعوا للتغيير؟!

والحقيقة أن هناك عوامل عديدة جداً! فالمسلمون يخرجون من بيوتهم للحج ليس لهم غرض دنيويٌ, لأن الغرض الأساسي بالنسبة إليهم في الأولى والآخرة نيلُ مرضاته والفوز بغفرانه, ولكننا نرى المسلم اليوم أصبح أفـُقـُهُ ضيقاً على المستوى الفردي, وعلى المستوى الجماعي, لدرجة أنه لا يفكر إلاَّ في نفسه, بدائرة ضيقة جداً, فهو حين يخرج من بيته صباحا تكون دائرة تفكيره فقط في رزق عياله, وإذا جاء هذا الإنسان المسلم وصلى في المسجد فإن أفقـَه يكون محصورا بالصلاة فقط , ولا يفكر فيما هو أبعد من ذلك, ولربما يقوم واعظ ٌعقب الصلاة ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر دقائق معدودات, فينصرف هذا المصلي عنه ولا يستمع ! وكذلك حاله في التعليم إذ يكون أفـُقـُه ضيقاً حين يكتفي بأن يكون ولده مثلاً يُحسنُ القراءة والكتابة فقط !. ولا يعنيه بحث ما تحويه المناهج من مخالفات شرعية, حتى وإن وصلت إلى مخالفة القطعيات ! وإذا حصلت أزمات سياسية أو عسكرية لا يُبالي ! ويكون في هذه أيضا صاحب أفق ضيق ! ما أن تنتهي هذه الأزمة حتى ينام ليله الطويل الهانئ, دون أن يكلف نفسه العناء بالعمل للحل الجذري ! وإنما يتقوقع في إقليمية ضيقة !

وهذا ما يحصل أيضاً في الحج ! فهمُّ الحاجِّ أن يكون مقعده بالكرسي الأول من الحافلة, وأن يكون سكنه أقرب ما يكون من المسجدين, وأن يكون أقرب ما يكون بمنى وعرفة ! إضافة إلى اهتمامه بما لذ وطاب من أصناف الطعام ! نعم لا نبالغ في الحقيقة حينما نقول بأن تفكير الكثير من المسلمين ضيق للغاية, وهمهم فردي متعلق بأشخاصهم, إلاَّ أننا نجد القليل منهم يفكر في نفسه وفي نفسه فقط ويقول: إني ذاهب للحج, وسوف ألتقي بملايين المسلمين, من كل حدب وصوب, ومثل هذا يكون همُّه الأكبر, وشغله الشاغل, هو الإلتقاء بإخوانه هناك, فيتصل بمن استطاع منهم ويبين لهم أن هذا المؤتمر يجب أن يكون فيه الفكر الجاد, والرقي الفكري, والعمل للحل الجذري, والعمل الحثيث لتوعية الأمة بأن الإسلام غائب, وأن العمل لإعادته واجب, وأن الحكام هم الجُدران التي يحتمي بها الكفار, وأنهم أس الداء, ومكمن البلاء, ومنبع الشقاء .

نعم يجتمع ملايين البشر في صعيد واحد, يذهب المسلم للحج ويعود وهمُّه الهدايا ! ثم يستمع كما في كل عام لخطبة يوم عرفة المكررة الممجوجة, يثني صاحبها على الحكام, وكأنهم فتحوا روما, وطهروا فلسطين, وأنقذوا العراق, وأجابوا نداء الأفغان, أو كأنهم جاهدوا الكفار وحملوا لهم الدعوة, أو فرضوا عليهم الجزية ليعطوها عن يد وهم صاغرون !

ثمَّ يعود الحاج إلى بلده خاوي الوفاض تماما كما خرج منها, دون أن يصدع بالحق مناشداً الغيورين من أبناء المسلمين بالتغيير في هذا المؤتمر العظيم .

إن مما يؤسف له حقاً أنك لا تجد أناسا من المسلمين ــ إلاَّ من رحم الله ــ يفكر في نفسه ويقول: إني ذاهب للحج وسألتقي بملايين المسلمين, ولأعملنَّ جاهداً على توعيتهم التوعية الحقـَّة ما استطعت إلى ذلك سبيلا, واضعاً الخط المستقيم إلى الخطوط المعوجة .

ولكن الذي نراه اليوم : أن المسلمين يجتمعون بالملايين من البشر على صعيد واحد وينفضون وكأنهم لم يجتمعوا, طبعاً إلاَّ بفضل الله سبحانه وتعالى فتتنزل عليهم الملائكة, وتغشاهم الرحمة, ويذكرهم المولى فيمن عنده .

فإذا كان هذا حال من رجع من حجه كيوم ولدته أمه مغفوراً له لقوله عليه السلام : "من حج لله ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه", وهذا كله من حيث براءته من الذنوب .

إخوتي في الله وأحبتي : إن هذا الأمر يحصل في موسم الحج الأكبر من كل عام, وهذا ما يحصل أيضا في مواسم مماثلة أقل عددا تماما كالمؤتمر الأصغر فيأتي المسلمون للأقصى في كل عام من شهر رمضان ويجتمعون فيه, ومنهم من لا يتمكن من الوصول إليه إلاَّ في الجمع المباركات, ليستمعوا كما في كل عام إلى نفس الخطبة مع تعديل طفيف طال بعض الكلمات من مثل : هنيئا لكم أيها المسلمون فقد فزتم بفضائل عدة منها: فضل الجمعة, وفضل الإستماع لخطبة الجمعة, وفضل الصلاة في الأقصى المبارك, وفضل الجمعة الأخيرة من رمضان, وفضل الرباط, وفضل تخطيكم للحواجز, وتخطي الجُدر العنصرية, ولا ننكر أن في هذا كله فضل ! ولكن: أن يأتي المسلم من أقصى البلاد ثم يعود خاوي الوفاض تماماً كما جاء لأن الخطباء لا يعملون على توعية المسلمين ولا يحثونهم على العمل الجاد لحل القضية المصيرية لأمة التوحيد والمتمثلة بعودة الإسلام مطبقاً في دولته .

إن الأصل في الإنسان المسلم وقد حاز الخير كله: فضل من الله الكريم, ورحمة وغفران عظيم, وقد علم أن الله قد غفر له, إن الأصل فيه أن لا يخشى تأخر رزقه ورزق عياله, وأن لا يخشى إلاَّ الله سبحانه وتعالى, وأن يخشى حكام الجور وجلاوزتهم, وأن لا يخشى مخابراتهم المجرمة, إنسان كهذا عاد تقياً نقياً طاهراً, فماذا يضيره في هذه الحياة الدنيا وقد عاد من الحج كيوم ولدته أمه, هكذا يجب عليه أن يكون .

وللأسف فإنك تجد هذا الإنسان المسلم بعد عودته من الحج وقد أسقط الفريضة فقط ! لا يهتم بالمسلمين, فهو: لم يخاطب الحجيج ليكشف لهم ضلالات حكامهم, وفحش إجرامهم, ولم يبين لهم العلاج الصحيح لحل مشاكل جميع المسلمين, فالحج هناك ينشغل بما ذكرت, وبعد عودته ينشغل باستقبال المهنئين ووداعهم, وينشغل بالولائم !! وبغير ذلك من المسائل الشكلية... وكفى الله المؤمنين القتال !!!

ثم يعود بعد ذلك إلى سابق عهده بالحياة وكأن شيئا لم يكن, وكأن المسلمين بأحسن حال وأهنأ بال .

والأصل أيها الإخوة الأكارم: أن يكون هذا المؤتمر لمعالجة قضايا المسلمين كافة, نعم إخوتي في الله وأحبتي فقد كانت مواسم الحج في السابق مؤتمرات, فالرسول عليه السلام كان يتقصد قبائل الحجيج فيدعوهم إلى الله, وكان يطلب منهم النصرة في مواسم الحج أيضا, وكذلك الحال زمن الخلفاء الراشدين ومن خلفهم من بعدهم كانوا يعتبرون موسم الحج بمثابة تأكيد على وحدة بلاد المسلمين, لأن الوفود التي كانت تأتي إلى الحج كانت مرؤوسة بأمراء كانوا يقدمون البيعة والطاعة للخليفة الواحد, أمير المؤمنين الوحيد للأمة الإسلامية كلها, والأصل فينا أن نكون قد بدأنا بهذا منذ زمن بعيد, نقرب الناس ونبين لهم على أن موسم الحج يجب أن يكون مؤتمراً للتغيير في بلاد المسلمين .

نسأل الله العظيم, رب العرش الكريم أن يكون موسم الحج القادم في ظل الخلافة الراشدة الثانية المهدية بإذنه, وقد توحدت جميع بلاد المسلمين تحت إمرة أمير المؤمنين, ليجعل من موسم الحج مؤتمراً للإلتقاء مع أمراء الحج ليتفقد خليفتنا كل صغيرة وكبيرة وليسأل عن أحوال المسلمين ويحيطهم بمحبته, ويسهل عليهم حجهم, ويرعى شأنهم, ويتفقد معيشتهم, ويعيدهم لأهلهم سالمين غانمين .

لعل الله سبحانه وتعالى برحمته وفضله وبركاته, وهذا الغفران وتلك المغفرة, وهذا الرضا الذي ينزله الله تبارك وتعالى على الحجيج لعله سبحانه يأذن بتغيير حال المسلمين فيخرجهم مما هم فيه ضنك وتشرذم, ولعله سبحانه يبدل خوفهم أمنا, وهزيمتهم نصراً مؤزراً, إنه مولانا سميع مجيب بصير وبالإجابة جدير .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بقلم : الأستاذ الداعي الى الله

المزيد من القسم null

لا بد قبل الخوض في هذا الموضوع ، من بيان حقيقة الخلافة ، وماذا تعني . إنها النظام السياسي الإسلامي ، فهي الطريقة الشرعية لرعاية شؤون الناس في الدولة ، بالحكم والسلطان ، وذلك وفق ما جاءت به الشريعة الإسلامية من الوحي الإلهي ، والذي ختمت به الرسالات السماوية على قلب محمد (صلى الله عليه وسلم ) . وعن مصادر هذا الوحي الرباني وهذه الشريعة السمحة ، فهي كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) وإجماع الصحابة الكرام والقياس الشرعي المبني على النص الشرعي . وبناء على هذه المقدمة ، فإن الناس في ظل دولة الخلافة ونظامها ، كلهم سواء فهم جميعا يخضعون للشريعة ، الحكام والمحكومون , المسلمون وغير المسلمين من رعايا الدولة ، فكل الناس عباد لله وتلزمهم أحكامه وشريعته وأوامره ونواهيه .


فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول في هذا المعنى : (( من جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليقتص منه ، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه )). فعلى أساس المساواة قامت دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة على عهد النبوة ، ويؤكد الرسول (صلى الله عليه وسلم) هذا المعنى عندما يبين وجوب تطبيق الشرع على جميع أفراد الرعية ، بغض النظر عن مكانتهم ، فيقول : ((وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )).


ولقد أكد خلفاؤه (صلى الله عليه وسلم) هذا المعنى فهذا أبو بكر (رضي الله عنه ) بعد أن تولى الخلافة باختيار المسلمين ورضاهم وبيعتهم يقول : (( لقد وليتم عليكم ولست بخيركم )) ويقول عن وجوب استقامته في الحكم : (( إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني )).


والآن إذا نظرت إلى الدول والأنظمة التي تحكم المسلمين ، ترى كم هي حاجتهم للخلافة ، في عهد الاستبداد والفساد الذي يعيشونه منذ عقود طالت ، وها هي الثورات المباركة قد كشفت إجرام الحكام وحربهم وبطشهم بشعوبهم ، لتصبح الخلافة هي الحل وهي البديل عن هذا العهد البائد .


لطالما ظهرت مبادئ ومذاهب ، وطلع مفكرون يقولون بالحتمية التاريخية ، لأفكارهم الاشتراكية والماركسية والديمقراطية والعلمانية ، وأنها المرحلة الأخيرة في تطور البشرية ورقيها ، وأنها نهاية التاريخ ، لكنها قد بادت وذهبت رياح بعضها ومن بقي منها فإنه يترنح ويوشك على السقوط من أمراضه وعلله التي تفتك به .


إن الأزمات التي يعيشها العالم اليوم في ظل الحضارة الغربية ونظامها الرأسمالي ، قد صارت كابوسا يخيم على الجميع في كل نواحي الحياة ، وها هي أزمة اقتصادية جديدة تطل برأسها القبيح على العالم من وراء المحيطات من رأس هذا النظام العالمي وهذه الحضارة الغربية ، من أمريكا زعيمة النظام الرأسمالي وحاملة لواءه في العالم ، فهي تخير العالم بين أن يبقى يقرضها ويعطيها الأموال دون سداد وبين أن تفلس ويخسر كل الدائنين أموالهم وتسقط قيمة مدخراتهم وأرصدتهم من عملتها الدولار ، كل هذا بسبب هذا النظام البائس .


لقد صارت تظهر الحاجة لنظام جديد كلما تفجرت أزمة في النظام الرأسمالي وصار قادة هذا النظام في الغرب يدعون لنظام جديد بديل عن النظام الحالي سواء في أمريكا أو أوروبا وآخر مرة برزت هذه القضية في الأزمة الاقتصادية التي نشأت عن قضية الرهن العقاري في أمريكا وما تبعها من آثار اقتصادية واسعة شملت العالم بأسره .


إننا نعلن بكل يقين أن الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة هي نهاية التاريخ ، وهي التي سوف تخرج العالم من أزماته ومن شرور الرأسمالية ، فهي اليوم حتمية تاريخية ، سياسية وفكرية ، لحضارة أفلست وتصدع بنيانها .


إن المعركة اليوم هي على كل هذا ، على مركز القيادة للعالم وشعوبه ، والغرب يدرك هذه الحقيقة وهو يصارع رغم أمراضه على إبقاء قيادته وتأخير سقوطه وانهياره . لقد كان الصراع بين الغرب وحضارته مع النظام الاشتراكي ودوله يغطي سوءات هذه الحضارة الغربية وبعد أن سقطت الاشتراكية وتفتت معسكرها أرادت أمريكا ومعها أوروبا أن يجعلوا من الإسلام والمسلمين غرضا لهم يرمون إليه سهامهم ، فصنعوا مفهوم الإرهاب ونشروه في العالم وافتروا على الإسلام والمسلمين وتفننوا في اتهام المسلمين حتى ظنوا أنهم سيطيلوا عهدهم وقيادتهم ، لكن ظنهم هذا أرداهم ، فليس المسلمون كالاشتراكيين والشيوعيين ولا الإسلام كالاشتراكية والشيوعية . فبعد الحملات الصليبية التي شنها الغرب على المسلمين والتي أعلنها جورج بوش الصغير ، قبل المسلمون التحدي وهم لن يتوقفوا حتى يسقطوا الغرب وأذنابه الحكام .

فالمسلمون اليوم فإنهم اليوم يكافحون ويناضلون ، من أجل إسقاط هذا النظام الجائر ، وإقامة نظام جديد على أسس جديدة من قيم الحق والعدل ، وهي لا شك غير ما هم فيه ، وغير ما عليه العالم من الديمقراطية البالية والدول المدنية المتهالكة ، كما هو ظاهر في أمها أمريكا ، ثم أخواتها إيطاليا واليونان وإسبانيا والبرتغال وغيرها .

إن الأزمات والأمراض الاجتماعية والصحية والسكانية ومشاكل الفقر وغيرها الكثير ، من الحصاد الأثيم لهذه الحضارة الغربية ، التي تحكمت في العالم قرنين من الزمان ، جلبت له الحروب والدمار ، وجعلته يعيش في خوف دائم وصراع دائم ، من اجل حفنه من الأثرياء والطفيليين ، يحتكرون الثروة والسلطان ، ليعيش الملايين في معاناة وحرمان .


إن حاجة العالم اليوم إلى الخلافة ، هي حاجته لمنقذ ومخلص ، تماما كما كان الحال في أول هذه الأمة وحاجة البشرية للإسلام ، فكانت دولة الإسلام الأولى المنقذ للبشرية من ظلم الجاهلية عند العرب ، ومن طغيان الروم والفرس وكل الممالك التي كانت تسوس الناس بالإثم والعدوان .


كما صور هذا الحال وهذا المعنى رسول المسلمين إلى رستم قبل القادسية عندما سأله ما الذي جاء بكم فقال ربعي بن عامر : (( ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة )).


برهان (أبو عامر)

أبواب الخير   حفظ اللسان

عن عقبة بن عامر، قال: قلت يا رسول الله ما النجاة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ) رواه الترمذي وقال حديث حسن. أي أمسك عن الشر لا عن الخير.


وفي حديث الطبراني عن ثوبان "طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته".


لا شك أننا نبحث عن الأسباب التي نرجو أن تكون من أهم أسباب نجاتنا في الدنيا والآخرة؛ ولذا بدأ رسول الله عليه الصلاة والسلام إجابته بالإشارة إلى أخطر الجوارح وهو اللسان الذي ينبغي ألا يستعمل إلا في الخير كما أشار في قوله " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ".


وفي حديث الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء تكفر اللسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا ".


ولقد فسر الرسول عليه الصلاة والسلام الغيبة في حديث صحيح رواه مسلم عن أبي هريرة قول الرسول عليه الصلاة والسلام "أتدرون ما الغيبة" قالوا "الله ورسوله أعلم" قال "ذكرك أخاك بما يكره" قيل "أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟" قال "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" ولهذا حرم الله الغيبة ونهى عنها فقال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } الحجرات12.


وفي القرآن الكريم نهي عن النميمة التي هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد قال تعالى { هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ } القلم11.


وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم"لا يدخل الجنة نمام"


وفي إصلاح المنكر روى مسلم عن أبي سعيد الخدري "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ورد في الحديث "رحم الله عبدا تكلم فغنم أو سكت فسلم" قيل لبعضهم "لم لزمت السكوت؟" قال "لأني لم أندم على السكوت قط وقد ندمت على الكلام مرارا" ونظم هذا أحدهم فقال:


ما إن ندمت على سكوتي مـرة لكن ندمت على الكلام مــرارا .


وفي وصية الرسول "وليسعك بيتك" أي التنعم بنعمة الحصانة


ولهذا على المؤمن أن يكون عفيفا على الدوام وذلك بالاستغناء بالحلال عن الحرام، لأن بالحلال سيعف نفسه، وسيعف زوجته وفي هذا الموضوع أحاديث عديدة تفسر ما ينفع الناس ومنها ما يدعو إلى قضاء وقت فراغه بين أهله في بيته، وحذار أن يقضي فراغه في أماكن اللهو واللعب أو على قارعة الطريق أو في كل مكان مغر ومثير للغرائز ومجلب للفواحش.


وفي قوله عليه الصلاة والسلام "وابك على خطيئتك" إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن أنس. إذا نحن نخطئ ونصيب باستثناء الأنبياء؛ ولهذا نترجى رحمة الله ومغفرته فالله تعالى غفار لمن تاب { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } طه 82، فطوبى لمن أمسك عليه لسانه، وتحصن بنعمة الحصانة، وتاب إلى الله متابا، وتمسك بما أحل الله، واجتنب ما حرمه الله.


إلا أن كثيرا من الناس يتخذ من هذا الحديث ذريعة للعزلة وعدم الحديث ، والابتعاد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يصل به الأمر فيقول "لا أرى ،لا أسمع،لا أفكر،لا أتكلم"


مع أنه يرى ويسمع ويفكر وينطق !!! ويعاني من الظلم الواقع عليه ؛ يتجرعه في كل يوم ، وفي كل مكان !!!


إن المتتبع لأحوال المسلمين يرى أن أحكام الإسلام غاضت من الأرض وبلاد المسلمين تعاني من أعداء الله ؛كفلسطين, وكشمير, وقبرص, وتيمور الشرقية والعراق وأفغانستان وجنوب السودان .


إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات، وأكبر المهمات، وقد دل على وجوبه الكتاب والسنة .


وقد دلت النصوص على الأمر به، وجعله من الصفات اللازمة للمؤمنين، وهو سبب في خيرية الأمة ، وأن تركه يؤدي لوقوع اللعن والإبعاد ونزول الهلاك وضعف الإيمان عمن قعد عنه حتى بالقلب. يقول تعالى: { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } آل عمران104 .


ويقول عليه الصلاة والسلام ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) رواه مسلم. ‏


إن كانت الخشية من الموت ؛ فإن الأجل محدود ، والله تعالى يقول : { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } النساء78.


وإن كانت الخشية على الرزق ؛ فقد تكفل الله بالرزق، والله تعالى يقول : { وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } الذاريات22.