اضطراب كبير في وضع الأسرة (الجزء الأول)  الرأسمالية تُذل الأم
October 07, 2018

اضطراب كبير في وضع الأسرة (الجزء الأول) الرأسمالية تُذل الأم

اضطراب كبير في وضع الأسرة (الجزء الأول)

الرأسمالية تُذل الأم

يناقش حاليا وعلى نطاق واسع مصطلح الاضطراب في سياق الاقتصاد الرقمي الذي يزعزع استقرار الأعمال التجارية العالمية حيث أصبحت طرق التجارة والأعمال القديمة مهملة وغير ذات صلة. لكن معنى التعطيل في هذه المقالة هو حرفيا اضطراب وفوضى تصيب الملايين من الفئات الأسرية من الغرب إلى الشرق، ما أصبح كارثة إنسانية سببها إلى حد كبير تدفقات رأس المال من وراء تمكين المرأة. وفي نسقها المعاصر، اقترنت النسوية الكلاسيكية بالنظام الاقتصادي للرأسمالية، ما أدى بعد ذلك إلى عهد جديد من اضطراب الأمومة، الذي لم يؤثر على النساء المسلمات فحسب، بل أيضا على الأمهات في البلدان غير الإسلامية، وبخاصة في الغرب وآسيا - المحيط الهادئ.

وسيدرس الجزء الأول من هذه المقالة كيف كان السبب في هذا الاضطراب تأنيث الهجرة على يد النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي عمل على استغلال الأمهات، وبالتالي القيام بدور مباشر في الإسهام في التخلي عن عشرات الملايين من الأطفال وتزايد عدد حالات الطلاق. ثم في الجزء الثاني منها، سنستعرض كيف أن الليبرالية، وهي إحدى القيم المتأصلة للرأسمالية العلمانية، قد تسببت في تقليص حجم الأسر، بل أدت إلى حضارة مهددة بالانقراض.

تأنيث الهجرة: الإمبريالية الهائلة في الأمومة

منذ تأسيسها احتقرت الرأسمالية في حقيقتها المرأة، فعاملتها كعامل رخيص أو وسيلة للإنتاج. إن الدور المحوري للمرأة يترجم فقط إلى لغة الاقتصاد - أي كيفية إنتاج المواد والأرباح للشركات الرأسمالية. وقد كانت الفائدة الشريرة للرأسمالية في أيامها الأولى ملفوفة بأفكار نسوية وملثومة بشعار تمكين المرأة لتبدو في طاهرها جميلة براقة..

ولكن في عصر الاضطراب هذا، يبدو أن الوجه الحقيقي للرأسمالية أصبح مرئيا بشكل متزايد. وقد جعلها جشعها تستغل الأمهات على نطاق واسع، وخاصة اللاتي يتواجدن في منطقة آسيا والمحيط الهادئ كما هي آخر آمال أسواق الرأسمالية المشارفة على الموت. وقد واجهت هذه المنطقة تأنيثا هائلا للهجرة التي كانت النتيجة الحتمية للطموحات الرأسمالية غير القابلة للنمو اقتصاديا. وقد برزت هذه الطموحات بوضوح في خطاب هيلاري كلينتون في منتدى المرأة والاقتصاد في آبيك، 29 حزيران/يونيو 2012، حيث قالت: "تمثل المرأة الآن 40 في المائة من القوى العاملة العالمية، و43 في المائة من القوى العاملة الزراعية العالمية، وأكثر من نصف طلاب الجامعات في العالم. لذلك، فمن المنطقي أن: الحد من الإمكانات الاقتصادية للمرأة هو لكل بلد كترك المال على الطاولة. وهذا أمر لا منطقي خاصة عندما لا نزال نكافح من أجل الخروج من الأزمة الاقتصادية."

كلمات كلينتون تكشف بوضوح الدافع الحقيقي للدول الرأسمالية التي تملك قلبا يسمح لها بالتضحية بنسائها لأنها تنظر إليهن على أنهن مجرد عامل ومحرك للنمو الاقتصادي، لا أمهات أجيال المستقبل وشرف تجب حراسته. تتعمد الرأسمالية إهانة الأمهات وتعملهن على أنهن مجرد عاملات، بل حتى عاملات من المستوى المتدني. ووفقا لتقرير منظمة العمل الدولية لعام 2013، فقد تم توظيف 43 مليون امرأة للقيام بمهام الرعاية، والطهي، والخدمة في المنازل، وكخادمات. ويعكس ذلك زيادة هائلة قدرها 19 مليون شخص يعملون كعمال منازل على مدى السنوات الـ 18 الماضية. فالفقر وانعدام الرفاه لملايين النساء في بلدانهن يجبرنهن على ترك ديارهن وأطفالهن من أجل كسب ما يكفي لدفع غائلة الجوع. وتأتي معظم هذه العاملات من بلدان العالم الثالث، بما في ذلك البلاد الإسلامية. ويأتي معظمهن من آسيا والمحيط الهادئ (21.4 مليون نسمة)، تليها أمريكا اللاتينية ثم الكاريبي بنسبة 19.6 مليون نسمة. إن التطبيق العالمي للرأسمالية بنموذجها المالي القائم على المصالح ونظام السوق الحرة ومبدئها الليبرالي دعه يعمل دعه يمر، الذي جعل الثروة تتركز في أيدي القلة، وبالتالي انتشر الفقر المدقع في العالم الإسلامي، دول العالم الثالث. وقد أدى ذلك في وقت لاحق إلى تأنيث جماعي للعمال المنزليين، ما يعرضهن للاستغلال.

عشرات الملايين من الأطفال تركوا وحدهم

إن الفكرة المسمومة للنسوية بالتعاون مع جشع الرأسمالية، دائما ما تتجاهل الأثر العائلي على حياة الأطفال والأسر والمجتمع ككل. وقد حذرت فانيسا توبين، نائبة مدير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، من أن هذا التأثير الخطير قد حذرت منه العديد من الدراسات التي أظهرت أن التكاليف العائلية لهجرة اليد العاملة تفوق الفوائد الاقتصادية، مع كون العلاقات الأسرية والديناميكيات أول ما يُصاب ويتأثر. وقالت توبين بأن تزايد "تأنيث" الهجرة قد أدى إلى تعقيد الوضع لأنه "ينطوي على إعادة تعريف للدور الاقتصادي للمرأة في المجتمع وداخل الأسرة أيضا" (2008، المؤتمر الدولي المعني بنوع الجنس والهجرة والتنمية.

وقد أدى اختلال الأمومة - بالإضافة إلى هز مؤسسة الزواج - إلى ولادة جيل هش مهجور ومضطرب، باعتباره نتيجة باهظة للأمة التي توظف الأمهات كمحرك للنمو الاقتصادي. أصدرت اللجنة الإندونيسية لحماية الطفل (2016) بيانات عن ملايين الأطفال الصغار الذين تم التخلي عنهم من قبل أمهاتهم لعملهن في الخارج. وهناك 11.2 مليون طفل إندونيسي محرومون من الرعاية الأبوية وحنان أمهاتهم، في حين تشير بيانات اليونيسيف (2008) إلى أن نحو 6 ملايين طفل في الفلبين قد تركوا منذ أن أصبحت أمهاتهم عاملات مهاجرات. ويواجه الأطفال المهجورون أيضا مشاكل عندما يهاجرون إلى الخارج مع أمهاتهم من العمال المهاجرين. في صباح - ماليزيا وحدها يقدر أن هناك حوالي 50 ألف طفل من العمال المهاجرين الإندونيسيين الذين لا يحصلون على الحقوق التعليمية المناسبة. وفي هونغ كونغ، هناك أيضا قضية "أطفال غير موثقين" ولدوا لمئات الآلاف من العاملات المهاجرات الإندونيسيات والفلبينيات.

هذه الهجرة الاقتصادية التي تفصل ملايين الأطفال عن أمهاتهم تحدث في الصين أيضا. فوفقا للاتحاد النسائي لعموم الصين واليونيسيف (2016)، هناك 61 مليون طفل في الصين تقل أعمارهم عن 17 عام، تُركوا في المناطق الريفية بينما هاجر أحد الوالدين أو كليهما للعمل. ويعيش أكثر من 30 مليون فتى وفتاة، بعضهم في سن الرابعة، في مدارس داخلية حكومية في قرى بعيدا عن آبائهم، وغالبا ما يكونون بعيدا عن الأجداد أو الوصي. ويتعرض هؤلاء الأطفال المهجورون في الصين لمشاكل عديدة كالاتجار بالأطفال والعنف الجنسي والانتحار والجريمة وأمراض مجتمعية أخرى، كما جاء في دراسة لي ييفي (2015) وهو أستاذ من جامعة بيجين نورمال. هذا هو الأثر الحقيقي لتعطيل الأمومة في الحضارات العلمانية التي هي أبعد ما تكون عن نور وعدل الإسلام. يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124]

إن التمكين الحقيقي للمرأة في الإسلام يكون بالاستفادة المثلى من دورها كحارسة للحضارة ومعلمة للأجيال القادمة، وليست كجزء من القوى العاملة. وفي مشروع دستور حزب التحرير، في القسم المتعلق بالنظام الاجتماعي في الإسلام جاء النص على أن "الأصل في المرأة أنها أم وربة بيت وعرض يجب أن يصان".

إن نموذج الإسلام يتناقض تماما مع الرأسمالية. فالإسلام يحافظ فعليا على هذه العلاقة الإنسانية السامية التي تربط بين دور الأمومة للمرأة ونوعية جيل المستقبل، وذلك من خلال ضمان الحفاظ على طبيعة الأمومة فاعلة في المجتمع وضمان ولادة مستدامة لأفضل جيل مستقبلي قادم وذلك من خلال دعم التعليم، وفي ذات الوقت ضمان وصول المرأة إلى الحقوق التعليمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وينص الإسلام على أنه يجب على أقارب النساء من الذكور ضمان حاجات النساء دائما، فإن عُدم القريب من الذكور، فإن الدولة هي من سيضمن احتياجاتهن المالية.

وسنستعرض في الجزء الثاني من هذه المادة المناقشة المتعلقة باستمرار تأثير اضطراب الأمومة على الأسرة، ورأي الإسلام بشأن بناء قدرة الأسرة على الثبات.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

فيكا قمارة

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو