May 19, 2014

أضواء على المؤتمر الإسلامي العالمي الذي عُقد في تركيا الذي شهده جمعٌ من علماء نيجيريا الأفاضل


جاء في صحيفة (الديلي ترست) النيجيرية، الصادرة باللغة الإنجليزية بتاريخ الاثنين 2014/5/12م (يومان مضيا علي المؤتمر الإسلامي الذي عُقد في إستانبول - تركيا، الذي يهدف لعودة الوحدة في المجتمع الإسلامي بحضور 1000 ممثل عن 96 دولة. د. إبراهيم محمد مدير مركز دراسات القرآن - جامعة بايرو - كانو - واحد من ضمن (9) أعضاء في الوفد النيجيري قال: (الندوة العالمية مع فكرة الاجتهاد والقياس هدفت لتعريف بعض التحديات التي تواجه المسلمين اليوم).


ضم الوفد النيجيري ممثلين عن جماعة نصر الإسلام، المجلس النيجيري الأعلى للشؤون الإسلامية، الأمة الإسلامية لجنوب غرب نيجيريا، وجمعية المسلمين في نيجيريا.


يقول محمد: المؤتمر هو الرابع في التسلسل الذي يهدف لإتاحة الفرصة لعرض موقف موحد للمسلمين للتعامل مع الأحداث الجديدة التي حتى هذه اللحظة قادة المسلمين غير واعين عليها) انتهى.


بالإشارة للخبر أعلاه أُبين الآتي:
أولاً: نشكر علماء نيجيريا على اهتمامهم بقضايا المسلمين المصيرية، ومنها هذه القضية المهمة التي ذكرت في الخبر وهي قضية الوحدة الإسلامية؛ إذ إن واجب العلماء أن يكونوا في مقدمة صفوف الأمة؛ يدلَّون الناس على الخير، ويقودونهم إلى الفلاح، ويهدونهم سبل الرشاد، كيف لا وقد سماهم النبي عليه الصلاة والسلام ورثة الأنبياء فقد أورد ابن ماجه وغيره من أصحاب السنن عن أبي الدرداء رضي الله عنه قَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «... وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».


أيها العلماء الأفاضل:


لا يخفى عليكم أن وحدة الأمة في دولة واحدة، تحت خليفة واحد؛ واجب لا تحتاج معرفته إلى كثير جهد، أو بذل وسعٍ، فقد أوجب الله تعالى على الأمة أن تحكم بشرعه، وتقيم حكمه، عن طريق مبايعة رجل من المسلمين على الكتاب والسنة؛ يجمع الأمة، ويوحد صفها، ويحمي بيضتها، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49].


وروى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ». قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ».


وقد ضرب الصحابة رضيَ الله عنهم، أروع الأمثلة في فهمهم لوجوب الخلافة الكيان السياسي الموحِد لجميع المسلمين في الأرض، وفي تقيدهم بأوامر النبي عليه الصلاة والسلام، وليس أدلَّ وأظهر في هذا الأمر من تأخيرهم دفن النبي الحبيب عليه الصلاة والسلام؛ لانشغالهم ببيعة خليفة من بعد النبي عليه الصلاة والسلام، يقيم أحكام الإسلام، ويقود الأمة من بعده، فقد أورد البيهقي في السنن الكبرى عن ابن إسحاق، قال أبو بكر رضي الله عنه في خطبته يومئذٍ: (وإنه لا يحل أن يكون للمسلمين أميران فإنه مهما يكن ذلك يختلف أمرهم وأحكامهم، وتتفرق جماعتهم، ويتنازعوا فيما بينهم، هنالك تترك السنة، وتظهر البدعة، وتعظم الفتنة، وليس لأحد على ذلك صلاح).


وقد بين علماء الأمة من السلف الصالح عظمة إقامة الخلافة، وأهميتها. ومن أقوالهم في هذا الأمر:


يقول الأمام القرطبي قي تفسيره الجامع لأحكام القرآن في تفسير قول الله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] قال: (هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه).


وقال الإمام بن تيمية في كتابه السياسة الشرعية:
(يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمّروا أحدهم». رواه أبو داود، من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة).


ثانياً: لا يخفى عليكم أيها العلماء الأفاضل:


أن فكرة الاجتهاد الجماعي هي فكرة غربية نابعة من رحم الديمقراطية الباطلة عقلا وشرعا، أظهرُها فساداً التراضي على حل وسط، يتفق عليه الجميع دون اعتراف منهم بالحق المطلق، حتى مسألة الإيمان داخلة ضمن نطاق هذا التصور الباطل الذي وضعوه.


فلا اجتهاد جماعياً في الإسلام، فالاجتهاد كما عرفه علماء الأصول: استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه.


فقد روى أبو داود في سننه في باب اجتهاد الرأي في القضاء، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ «كَيْفَ تَقْضِى إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟» قَالَ أَقْضِى بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِى كِتَابِ اللَّهِ؟». قَالَ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ». قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَدْرَهُ وَقَالَ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِى رَسُولَ اللَّهِ».


فالاجتهاد يقوم به مجتهد ليتبنىَ به رأيا معيناً، يبين وجهة نظره في هذا الأمر، أما اتفاق البعض على رأي، أو تنازل أحد عن رأيه للآخرين لا يسمى إجماعاً.


والمعلوم لكم أيها العلماء الأفاضل
:


أن إجماع الصحابة هو المعتبر شرعا، وهو وحده الدليل الشرعي، وأيَ إجماعٍ غيره لا يعتبر شرعاً؛ لأن إجماع الصحابة يكشف عن دليل، وهذا لا يتأتى لغير الصحابة لأنهم هم من أثنى الله عليهم، وهم الذين صاحبوا رسوله عليه الصلاة والسلام، وعنهم أخذنا ديننا، فكان إجماعهم هو الحجة، ويكون دليلا شرعياً بوصفه يكشف عن دليل وليس بوصفه رأياً لهم.


ومن المعلوم لكم أيها العلماء الأفاضل: أنه لا اجتهاد مع وجود النص، يقول العالم الأزهري المجتهد الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله، في كتابه الشخصية الإسلامية الجزء الأول: (وقد انعقد اجماع الصحابة على الحكم بالرأي المستنبط من الدليل الشرعي أي أجمعوا على الاجتهاد في كل واقعة وقعت لهم ولم يجدوا فيها نصاً وهذا ما تواتر إلينا عنهم تواتراً لا شك فيه).


أيها العلماء الأفاضل
:


وردت نصوصٌ كثيرةٌ في وجوبِ الخلافةِ، وأهميتها، وضرورتها، ولا يخفى علينا علمكم الغزير في هذا الشأن العظيم، فكيف يتوقف العمل بنصوصِ اللهِ الآمرة بإقامة الخلافةِ، ويُبذلُ الوسعُ والاجتهادُ لإقامةِ وحدة للأمة على غير الخلافة؟.


أما (نظام الحكم) في تركيا، ذلك البلد الطيب المستضيف لجمعكم الموقر هذا، فإن أفعال حُكامه تُغني عن أقوالهم، فما زال النظام إلى اليوم يحافظ على المبادئ التي هدم بها عدو الإسلام والمسلمين مصطفى كمال الخلافة، وما زال إلى اليوم يعتقل حملة الدعوة العاملين لإعادة الخلافة الراشدة الثانية؛ حيث حُكم على عدد من شباب حزب التحرير بأحكام تجاوزت المائة عام، ليس لشيء إلا لأنهم دعوا لإقامة حكم الله، بإعادة الخلافة الراشدة غير مستخدمين في ذلك إلا ألسنتهم الطاهرة.


وما زال النظام ذاته في تركيا كغيره من الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين، يغض الطرف عما يقوم به سفاح الشام من قتل وذبح للأطفال والنساء، وتدمير للمباني بالقنابل الذكية وغير الذكية، والبراميل المدمرة؛ فقط لأنهم قالوا (ما لنا غيرك يا الله)، (والأمة تريد خلافة إسلامية).


لذا فهذه الأنظمة لا تهمها وحدة الأمة، بل لا تريد عودة الخلافة مطلقاً، كما أنَّ عودة الإسلام للحكم ليس في أجندتهم المفضوحة المؤيدة لإقصاء الإسلام والتضييق على حملته ودعاته.


علماء نيجيريا الأفاضل:


كما تعلمون أن المسلمين في نيجيريا كغيرهم من إخوانهم في العالم يحبون الإسلام، ولا مانع لديهم من بذل الغالي والنفيس في سبيله، ويتضح حبهم للإسلام في امتلاء المساجد في كل وقتٍ ينادي فيه المنادي للصلاة، حتى إنهم ينافسون في ذلك كثيرا من بلاد الإسلام ولله الحمد!.


ويتضح حبهم للإسلام حين تغلق الطرقات الكبيرة يوم الجمعة بأعداد المصلين الكبيرة!.


ويتضح حبهم للإسلام في صلاة العيدين حين تتوافد جموع المصلين رجالاً ونساءً وأطفالاً، حتى يكاد الناظر لا يرى نهاية الصفوف أو بدايتها من طولها وكثرة المصلين فيها!.


ويظهر حبُّ مسلمي نيجيريا للإسلام لما أيدوا الشيخ عثمان بن فودي ففتح الله على أيديهم بلاداً واسعةً، ودخل الكثيرون في الإسلام، وما زالت آثار حركته إلى اليوم باقيةً في نيجيريا.


علماء نيجيريا الأفاضل:


المسلمون في نيجيريا يحتاجون إليكم؛ لتبينوا لهم حرمة الديمقراطية وحرمة التحاكم إليها؛ الديمقراطية التي جعلت البشر مشرعين من دون الله تعالى، وأن تبنِّي الأحكام يكون بأغلبية الأصوات لا بقوة الدليل، جاء في المعجم الكبير للطبراني عَنْ عَدِيِّ بن حَاتِمٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ»، فَطَرَحْتُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةٌ، فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [ص: 31] حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ».


وقال تعالى ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾، وقال ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].


فالديمقراطية هي أس الداء وسبب البلاء الذي تمر به نيجيريا، من قتل، وفقر، وتفجيراتٍ، وعدم أمن، برغم الخيرات الكثيرة التي حباها الله بها؛ من ثروات الأرض والسماء، وبما أكرمها الله تعالى بها من رجال أقوياء أشداء، وكثافة سكانية عالية ولله الحمد أغلبها من المسلمين.


من كل ذلك وغيره أيها السادة العلماء الأفاضل يتضح أن المسلمين في نيجيريا على استعداد لخدمة الإسلام والمسلمين، وأن يكونوا مع إخوانهم تحت راية خليفةٍ واحدٍ للمسلمين، إلا أنهم يحتاجون منكم أن تحثوهم للعمل لإقامة الخلافة، حسب الطريقة الشرعية التي أقام بها النبي عليه الصلاة والسلام دولته، دولة الخير في المدينة المنورة، التي سار عليها الخلفاء الراشدون من بعده رضي الله عنهم، روى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم علىَ السمعِ والطَاعةِ في المنشطِ والمكرهِ... ».


أيها العلماء الأفاضل:


إن أعظم عملٍ تقومون به يشهد لكم به أهل الأرض وملائكة السماء، هو أن تجعلوا للخلافة رأياً عاماً في المنابر والمجالس والندوات، حتى يتكوَّن الوعيُ على وجوبِ الخلافةِ، وعلى نعمةِ تطبيق الإسلام ليخرج من بين المسلمين من ينصر هذه الدعوة، فيفتح الله على يديه فيطبق الشرع، ويجمع الأمة، وتسير الحياةُ وفقَ شرعِ اللهِ تعالى وأحكامه، ويرفع الظلم، ويبسط العدل، ويذهب الفقر ويُعبد الله تعالى كما أمر قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ... ﴾ [المائدة: 96].


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد أبو أيمن

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو