أحكام الإسلام الاقتصادية متسقة مع بقية الأحكام الأخرى يأخذ بعضها برقاب بعض
January 19, 2018

أحكام الإسلام الاقتصادية متسقة مع بقية الأحكام الأخرى يأخذ بعضها برقاب بعض

أحكام الإسلام الاقتصادية متسقة مع بقية الأحكام الأخرى يأخذ بعضها برقاب بعض

دعت دكتورة رجاء حسن خليفة نائب الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية لتفعيل دور المنظمات الطوعية في تخفيف وطأة الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد حاليا بقيادتها بإشاعة روح التكافل والتراحم في المجتمع وكفالة الأيتام ورعاية الأسر الفقيرة وأصحاب الحاجات. الخرطوم 2018/1/14م (سونا)

في البداية نذكر بإقرار النائب الأول لرئيس الجمهورية، رئيس الوزراء، بكري حسن صالح، بفشل الحكومة في معالجة الأزمة الاقتصادية، في خطابه أمام البرلمان وطالب بمدرسة جديدة، حيث قال: "إن المدارس السابقة لإدارة الاقتصاد رغم اجتهادها إلا أن (الحكاية واقفة) لذلك اقتصاد البلاد بحاجة إلى مدرسة جديدة"، هذا اعتراف صريح بالفشل الاقتصادى.

عندما يعيش الناس أوضاعاً غير عادية كهذه التي تعجز فيها الدولة، بمواردها العامة وممتلكاتها وثرواتها، عن تلبية الحاجات الأساسية للناس، وتعجز كذلك عن القيام بوظائفها وواجباتها تجاه الرعية، ينبري لنا أمثال هؤلاء الذين يحضون الناس على التكافل بين أفراد المجتمع ليس لأنها أحكام شرعية يعملون على ترسيخها بل لضمان استمرار الأوضاع على ما هي عليه لأنهم إن كانوا يحضون الناس على التكافل فالأوْلى حض الدولة على تطبيق أنظمة الإسلام، التي هي رحمة للبشرية وليس للمسلمين وحدهم، وهي حل مضمون قال رسول الله e: «حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا»، ولكنهم يصرفون الناس عن واجب الدولة ومسؤوليتها ويلقون المسؤولية على الناس يلومونهم على عدم اقتسام الفتات الذي توفر لهم. نعم إن الإسلام شرع في أحكامه رعاية المسلم لأخيه المسلم، فالمسلمون يقومون فيما بينهم بالتعاطف والتراحم والتآلف والتعاضد، كما حث الإسلام على الصدقات الجارية والأوقاف وغيرها، لكن هذه الأحكام تسير جنبا إلى جنب مع أحكام رعاية الدولة لرعيتها فتخلق اتزانا تاما لأن أحكام الإسلام يأخذ بعضها برقاب بعض، فكيف لبلد يعترف المسؤول الثاني فيه بانهيار اقتصاده وترفع الدولة يدها عن أدنى مساعدة ورعاية تقدمها للناس بسياسة رفع الدعم الخبيثة، كيف لهذا البلد أن تخفف المنظمات الطوعية فيه وطأة الظروف الاقتصادية؟! وأين تذهب موارد الدولة خاصة الذهب الذي يصرح وزير المعادن بأن السودان ستتجاوز جنوب أفريقيا كأول دولة لإنتاج واحتياطي الذهب في أفريقيا؟! إذا كان الإسلام قد أعطى عناية كبيرة لأحكام التكافل، فإنه لم يكتف بها بل أقام أولا الأحكام العامة التي جعلها من مسؤولية الدولة ومن واجباتها تجاه أفراد الرعية.

لكن منذ أن هدمت دولة الخلافة وغاب الإسلام عن معترك الحياة، وحكمت أنظمة الغرب العلمانية، وطبق النظام الاقتصادي الرأسمالي علينا في بلاد المسلمين، أصبحنا تحت وطأة توصيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فسمعنا كثيراً عن الخطط الاقتصادية وبرامج الإصلاحات (برامج الإفقار والتجويع)، وكلها باءت بالفشل وزاد الفقر والحرمان يوماً بعد يوم، لأن العلاج لم يكن من مبدأ الأمة وعقيدتها، فأصبحت المعالجة هي أصل الداء وأس البلاء، ومعظم هذه الإصلاحات هي رفع الدعم عن السلع والخدمات لتقابل الدولة سداد الربا المأخوذ من هذه المؤسسات والذي يرون فيه الحل الوحيد لعلاج المشكلة الاقتصادية، فيزدادون ديناً بالربا ويزيد غضب الله وتنزع بركته فيتبدى كل صباح أنها فعلا حرب أوقدت نارها هذه الدولة المرابية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ + فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾.

وتُركت أحكام الإسلام الاقتصادية من مثل أحكام الملكية العامة التي تنفَق وارداتها على حاجات الناس كالتعليم والصحة والمرافق العامة، وهذه الملكية أضحت ملكا للمتنفذين يتصرفون فيها كأنها ملك لهم إما بتصديرها بثمن بخس من الدولارات ووضع هذه الدولارات في بنوك الغرب أو بتعطيل إنتاجها، ما أقصى جانبا مهما وعظيما من ثروات الأمة كفيلاً بحل المشاكل بل وكفيلاً بأن يعيش كل فرد في رفاهية تامة، وذلك أمر ممكن بل لا يحتاج سوى استثمار المحيط الطبيعي للدولة وما ينطوي عليه من ثروات باستخراج معادن الأرض وكنوز البحار، وكافة الثروات التي أودعها الله في هذه البلاد الغنية.

أما أحكام ملكية الدولة التي يتم من خلالها إعطاء الفقراء مالاً ليرفعوا صفة الفقر عنهم فأصبحت هذه الملكية لمن يؤيد الدولة ويُحرم منها مَن هم في أمس الحاجة لها، وهي أموال عظيمة لا تدخل في الملكية العامة، لأنها أعيان تقبل الملك الفردي كالأرض والأشياء المنقولة، ولكنه قد تعلَّق فيها حق لعامة المسلمين فصارت بذلك ليست من الملكية الفردية. وملك الدولة هو ما كان الحق فيه لعامة المسلمين والتدبير فيه للدولة تنفقه في رعاية مصالح الناس، أحكام الملكيات الآن لا وجود لها بل أصبح كل المال لأفراد استغلوا سلطتهم في نهب وسلب مقدرات الأمة، وكذلك عطلت أحكام تحريم كنز المال؛ والاحتكار والتي تعني استثمار المال في مشاريع تعود بالعمل على من لا يجد عملا ما أفرز عطالة عن العمل.

أما المؤسسات الربوية من بنوك ومصارف، والتي تقوم على الربا وتنتهك أحكام تحريم الربا فقد جعلت المال غير متوافر في السوق في دورة الإنتاج، فانحصر أثره على المرابين وحرم منه السواد الأعظم من الناس، فنتج تفاوت عظيم بين الناس في مستوى المعيشة وشوهت أحكام الزكاة وأصبحت للعاملين عليها أكثر من غيرهم، هذه الزكاة التي إن وصلت أموالها فعليا إلى من يحتاجون المال من الأصناف الثمانية لخففت حاجة المحتاجين. ولكنها لا تجبى على الوجه الشرعي، وكذلك لا تنفق على الوجه الشرعي.

إن الأوضاع الاقتصادية الخانقة ليس سببها عدم التكافل ولا تعود إلى قلة ثروات البلد ولا إلى قلة مواردها، بل تعود إلى أسباب رئيسية هي عدم الحكم بما أنزل الله، وعدم توزيع المال بالحق والعدل، والسير في ركاب المؤسسات الربوية المسخرة لخدمة الغرب والتي تضع سياساتها الاستعمارية لينفذها حكام لا يهمهم إلا مصالحهم الآنية الأنانية، ولا يهمهم مصلحة الشعب أو الناس، فقاموا بتسليم ثروات الأمة للدول الكبرى، هذه السياسات أوجدت في المجتمع آثاراً سلبية سيئة، منها أن الفقر قد يؤدي إلى الكفر أو الفسق أو العمالة أو الارتماء في أحضان منظمات مشبوهة. وإهدار نسبة كبيرة من طاقات المجتمع بالعطالة، وعدم وجود حركة اقتصادية مما يسبب الركود الاقتصادي والتضخم، وتؤدي سياسة الإفقار إلى تمزق الأسرة والمشكلات الإنسانية، ويسبب الجرائم وانتشار العصابات ووجود جيل متمرد على كل القيم، وبالتالي يفقد المجتمع العيش الهنيء والسكينة في المجتمع وهذا ما وصلنا إليه.

الإسلام ليس فلسفة خيالية، بل هو العلاج الناجع للمشاكل الاقتصادية؛ فقد وضع أحكاما عملية منها أنه قرر أن العمل بكل أنواعه المشروعة هو السبب الأول والطريقة الأصلية لحصول الإنسان على المال. وإن عجز الفرد عن توفير النفقة له ولأهله وجبت تلك النفقة على أقاربه، وإن عجز من تجب عليه النفقة من أقاربه عن تقديم النفقة له، أو لم يكن له أقارب انتقلت حينئذ على بيت المال فيجب على بيت المال أن يقوم بتوفير جميع الحاجات الأسـاسـية للعاجز وإشباع حاجاته إشباعاً كلياً من ديوان الزكاة (أحد دواوين بيت مال المسلمين)، وإن لم يجد الإنسان العمل فعلى الدولة أن توفر له عملا لأنها مسئولة عنه، قال سيدنا محمد e: «فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». رواه البخاري ومسلم.

وعلى الدولة توزيع الزكاة على الأصناف الثمانية بعد إحصاء جميع الفقراء والمساكين والغارمين وتوزع عليهم حسب الحاجة، وإن لم يكف ديوان الزكاة لسد حاجات الفقراء والمساكين يجب على الدولة سد حاجاتهم من موارد بيت المال الأخرى، قال e: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنْ عَلَى الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ، فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنـا أَوْ ضِيَاعًا فَلْأُدْعَى، وَأَنَا مَوْلَاهُ، وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالًا فَلِلْعَصَبَةِ مَنْ كَانَ»، وإن لم يكف بيت المال بدواوينه الأربعة (ديوان الزكاة، ديوان الملكية العامة، ديوان ملكية الدولة، ديوان الطوارئ) انتقلت الرعاية إلى أغنياء المسلمين وعندها تفرض الدولة ضرائب على الأغنياء فقط وبقدر الحاجة لسداد العجز وإشباع حاجات الناس، وحرم الإسلام كنز المال، وأوجب تداوله وفرض على الدولة إعطاء من قصرت به الحاجة من أموالها الخاصة التي تملكها منقولة وغير منقولة، وجعل الإرث كوسيلة من وسائل تقييم الأموال، ومنع الإسلام التقتير ومنع البذخ والإسراف، وفرض أن الإنسان لا بد أن يأخذ المال لأجل الحياة، وبأنه لا يحل المشاكل والضوائق الاقتصادية إلا دولة الخلافة الراشدة التي تقضي على مخططات البنك الدولي وصندوق النقد الاستعماريين، وعلى خطط الاستعمار الخبيثة، وعلى أنانية المستفيدين من الأوضاع الفاسدة، الذين نهبوا الثروات وجوعوا الشعوب ليحتفظوا بكراسي منقوصة السيادة.

كتبته للمكتب الإعلامى المركزى لحزب التحرير

الأخت/ غادة عبد الجبار – أم أواب

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو