أجرة الأجير وعلاقتها بالحالة الاقتصادية وكيف تقدر    
January 21, 2012

أجرة الأجير وعلاقتها بالحالة الاقتصادية وكيف تقدر  

تقدير أجرة الأجير هي إحدى المشكلات التي تواجهها المجتمعات، وذلك بسبب عدم فهم واقع الإجارة، وعلى ماذا يعقد عقد الإجارة، وقبل أن ننتقل إلى كيف تقدر هذه الأجرة، لابد من التطرق إلى ماهية الإجارة، وعلى ماذا تعقد ومن ثمّ وما علاقتها بالحالة الاقتصادية ومن ثمّ الانتقال إلى تقدير الأجر.

الإجارة عقد على المنفعة بعوض وهذه المنفعة إما أن تكون متعلقة بمنفعة العمل الذي يقوم به الأجير وإما أن تكون متعلقة بمنفعة الشخص وبناء عليه كان الضابط في العقد هو المنفعة التي يحصلها المستأجر من الأجير وليس كما يظن البعض أن الجهد أو أن الوضع الاقتصادي هو مقياس الأجر وكلمة قاس لغة تعني تقدير الشيء على مثاله والمقياس هو المقدار ومعنى أن المنفعة هي مقياس الأجر هو أن المنفعة يحصل بها تقدير الأجر.

إن هناك وحدة للقياس، ‎وهناك مقياس للتبادل، فالمنفعة هي وحدة القياس ونقصد بها منفعة الجهد ومنفعة السلعة، ‎وأما مقياس التبادل فهو ما يتم تبادله من جهد أو سلعة مقابل وحده معينة ألا وهي النقد، فالثمن هو للسلعة والأجر هو للجهد، وعلى ذلك فان القيمة وهي مقدار ما في الشيء من منفعة مع ملاحظة عامل الندرة غير الثمن وغير الأجر، ‎لأن القيمة ثابتة في حين أن الثمن والأجر كل منهما غير ثابت فهما متغيران.

وأما ما يقال من أن الوضع الاقتصادي يتحكم بأجرة الأجير وليس المنفعة وأن الواقع ينطق بذلك بدليل أن أجرة الأجراء تختلف باختلاف البلد واختلاف الوضع الاقتصادي فيه فبيانه هنا:

إن جعل أثمان السلع جراء الوضع الاقتصادي يتحكم بالأجر، يؤدي إلى تحكم السلع التي ينتجها أو يشتريها الأجير بالأجرة التي يتقاضاها، مع أن أثمان السلع إنما تتحكم بالمستأجر أو صاحب العمل لا بالأجير، بمعنى أن صاحب العمل عندما يتخذ أُجَرَاءَ ينظر إلى مدى الربح أو المردود الاقتصادي الذي سيحققه، فإذا جعل الوضع الاقتصادي يتحكم بالأجير أدت إلى تحكم صاحب العمل بالأجير: ينزل أجرته ويرفعها كلما أراد، بحجة نزول الأسعار أو ارتفاعها أو بحجة الوضع الاقتصادي السيئ وهذا خطأ. لأن الأجير يتقاضى أجره بدل منفعة عمله، فهي تساوي قيمة المنفعة في السوق العام لتلك المنفعة حسب تقدير خبراء كل مهنة، فلا تربط أجرة الأجير بأثمان السلع التي ينتجها أو يشتريها. وعندما يحدث هبوط في أسعار السلع التي ينتجها الأجير فإنها تؤدي إلى خسارة صاحب العمل، وقد تؤدي إلى إخراج العامل من عمله، أو تقليل أجرته، إذ قد تنزل السلع هذا الشهر لكثرة العرض، وقد ترتفع في الشهر المقبل لقلة العرض، فإذا رفع صاحب العمل أجرة الأجير أو أنزلها يكون قد وضع الأجرة التي يريدها بحجة ارتفاع الأسعار وانخفاضها، وبذلك يكون الأجير قد وضع تحت رحمة المستأجر وهذا هو التحكم بعينه. ثم إن ارتفاع الأسعار وانخفاضها لا يؤثر على أرباب الأعمال في المدى القصير ولا يؤدي إلاّ إلى خسارة جزئية. وإنما يحصل التأثير إذا حصل هبوط الأسعار للسلعة في السوق كلها أو لجميع السلع في السوق المحلية، وكلاهما لا يحصل فيه تأثير إلا على المدى الطويل، فحينئذ تحصل الخسارة، ويصبح خطر إخراج العامل من عمله موجوداً. أما على المدى القصير فإنها تحصل خسارة جزئية يمكن تعويضها عندما يزداد الطلب على السلع والخدمات.

وإذا حصل الهبوط في جميع السلع والخدمات في السوق فإن ذلك ينتج عنه هبوط في سوق الثمن فيحصل هبوط في الأجرة وهذا يحصل لكل الأجراء أي يكون عاماً في السوق نتيجة الأزمات الاقتصادية ومثال ذلك الأزمة الاقتصادية التي حصلت مطلع سنة 2008 وقد أدت إلى هبوط سوق ثمن البيوت جراء أزمة الرهن العقاري وهبوط ثمن السيارات بل وتسريح آلاف العمال العاملين في هذا القطاع ومن بقي منهم فقد خفضت رواتبهم فالذي حصل هو أن سوق السلعة أي قوى العرض والطلب هي التي حددت ثمن السلعة وكذلك سوق منفعة الأجير أي قوى العرض والطلب هي التي حددت مقدار الأجر ونظرا لوجود نفس مقياس التبادل وهو النقد نتج القول إن الوضع الاقتصادي يؤثر على سوق منفعة الأجير وهذا لا يعني ارتباط الأجرة بثمن السلع أو الوضع الاقتصادي وهنا نعني بكلمة ارتباط هو أنه إذا حصل هبوط أو صعود في الأولى يتبعه بشكل لا يتخلف هبوط أو صعود في الثانية وهذا الشيء ليس متحققا دائماً بالنسبة لهبوط سوق السلعة وهبوط سوق منفعة الأجير. والتفسير لذلك هو أن سوق المنفعة للأجير تأثر لما حصل من هبوط في سوق السلع وذلك لا يكون إلا خلال فترة زمنية طويلة.

وعلى ذلك فان مسألة تقدير الأجرة تخضع لقانون العرض والطلب، أي هي عرض وطلب وليست مربوطة بأثمان السلع، فعلى سبيل المثال في مجال المقاولات والإنشاءات عند ازدياد أعداد العمال أو المهندسين ونقص الطلب عليهم (أي لا توجد مشاريع كثيرة تستوعب العمال والمهندسين) فان الأجرة ستنخفض، في حين لو افترضنا العكس سترتفع.

وأمر آخر أنه يلاحظ أن أجرة الأجراء تختلف باختلاف البلد، مع أنهم يبذلون نفس الجهد، ومرد ذلك إلى أن سوق المنفعة في بلد ما، اختلف تقديره عن البلد الآخر فنتج عنه اختلاف أجرة الأجير، وليس سبب ذلك أن الوضع الاقتصادي في ذلك البلد هو أفضل منه في البلد الأخر، وإن كان يلاحظ، والدليل على أن الحالة الاقتصادية ليست هي أساس التقدير؛ أن الشركات العابرة للقارات الناتجة عن العولمة لها موظفين وعملاء في كل أنحاء العالم، وأن أجورهم مرتفعة ومتقاربة لنفس الموقع الوظيفي، بغض النظر عن البلد التي تعمل فيها، ففي بعض البلدان يكون اقتصادها أفضل من غيرها ولا يؤثر ذلك على مقدار الأجر.

وعلى ذلك نرى أن الحالة الاقتصادية ليست هي التي تحدد الأجور، وإنما تحددها المنفعة، لكن للحالة الاقتصادية تأثير على سوق العرض والطلب، وبالتالي تؤثر ولا تحدد، وذلك يكون على المدى الطويل وليس على المدى القصير.

أما الواقع العملي لتقدير الأجر فإنه يسير حسب الأجير وحسب العين المؤجرة، فالأجراء أنواع ولكل واحد منهم طريقة وعوامل في التقدير فالأجير الخاص مثل العمال والموظفين في القطاع الخاص, والأجير المشترك مثل أصحاب الحرف كالخياط والحداد والنجار والبناء وما شاكلها, وأجور الأعيان كالبيوت والمحلات التجارية والمخازن وغيرها, ينظر إليها من ناحية تقديرها في ظل الظروف الطبيعية لسوق المنفعة ويكون الأجر خاضعاً للعرض والطلب, وفي حالة النزاع على الأجر يحكم للأجير بأجر المثل قياسا على مهر المثل.

وأما تقدير أجور موظفي الدولة فهي تقدر بكفاية الموظف ولا دخل لها بالمنفعة المرجوة من عمله, كونه قد تفرغ لعمل من أعمال الدولة وهذا التفرغ يمنعه من طلب الرزق ولنا أن نستأنس بما فعله الصحابة في هذا الموضوع فقد ورد في كنز العمال عن عطاء بن السائب قال: "لما بويع أبو بكر أصبح وعلى ساعده أبراد (جمع برد وهي الثياب) وهو ذاهب إلى السوق ، فقال عمر : أين تريد ؟ قال : السوق قال : تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين ؟ قال : فمن أين أطعم عيالي ؟ فقال عمر انطلق يفرض لك أبو عبيدة ، فانطلقا إلى أبي عبيدة فقال : أفرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهم ولا بأوكسهم وكسوة الشتاء والصيف إذا أخلقت (بليت) شيئا رددته وأخذت غيره ، ففرضا له كل يوم نصف شاة وما كساه في الرأس والبطن". وذكر أيضا عن ميمون بن مهران قال : "لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين فقال : زيدوني ، فان لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة فزادوه خمس مائة".

وأيضا روى ابن سعد في الطبقات في خبر أبي بكر رضي الله تعالى عنه عن عطاء بن السائق قال:"لما استخلف أبو بكر أصبح غاديا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتّجر بها فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ، فقال له : أين تريد يا خليفة رسول الله ؟ قال السوق قالا : تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال فمن أين أطعم عيالي ؟ قالا له: انطلق حتى نفرض لك شيئا ، فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاةو ما كساه في الرأس والبطن".

وجاء في "الرياض النضرة في مناقب العشرة" عن إبراهيم بن محمد بن سعيد بن عباس قال: "كان رزق أبي بكر الصديق حين استخلف خمسين ومائتي دينار في السنة وشاة في كل يوم يؤخذ منه بطنها ورأسها وأكارعها فلم يكن يكفيه ذلك ولا عياله قالوا وقد كان ألقى ماله في مال الله حين استخلف قال فخرج إلى البقيع فتصافق قال فجاء عمر فإذا هو بنسوة جلوس فقال ما شأنكن قلن نريد خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي بيننا فانطلق يطلبه فوجده في السوق قال فأخذ بيده فقال: هنا تعال. فقال: لا حاجة لي في إمارتكم رزقتموني مالا يكفيني ولا عيالي قال: فإنا نزيدك قال: أبو بكر ثلاثمائة دينار والشاة كلها قال: أما هذا فلا فجاء علي وهما على حالهما تلك فلما سمع ما سأله قال: أكملها له قال: ترى ذلك قال: نعم قال: فقد فعلنا فقال: أبو بكر أنتما رجلان من المهاجرين لا أدري أيرضى بها بقية المهاجرين أم لا فانطلق أبو بكر فصعد المنبر واجتمع إليه الناس فقال: أيها الناس إن رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ بطنها ورأسها وأكارعها وإن عمر وعلياً كملا لي ثلاثمائة دينار والشاة أفرضيتم فقال: المهاجرون اللهم نعم قد رضينا".

وروى ابن سعد في الطبقات في خبر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : "يحل لي حلتان، حلة في الشتاء وحلة في القيظ، وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهليكقوت رجل من قريشليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم". وقال أيضا: "إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم، إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف". قال وكيع في حديثه: فإن أيسرت قضيت.

إنه وإن كانت الحوادث تعلقت بمنصب رئاسة المسلمين والحكم إلا أنه ينطبق على كل من يكلف بعمل من أعمال الدولة سواء في جهاز الحكم أو الجهاز الإداريّ ولذلك يكون أجره بمقدار كفاية الموظف من حاجاته الأساسية والكمالية مع الأخذ بعين الاعتبار أن كل وظيفة تختلف عن الأخرى بكمالياتها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محمد ذيب

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.