اختلالات اقتصادية أم اختلالات مبدأ؟
August 27, 2019

اختلالات اقتصادية أم اختلالات مبدأ؟

اختلالات اقتصادية أم اختلالات مبدأ؟

أجمع عدد من الخبراء، يوم الثلاثاء، على وجود تحديات اقتصادية ينتظر أن تواجه الحكومة المدنية خلال الفترة الانتقالية، وأشاروا إلى الاختلالات الاقتصادية الكبيرة، لكنهم أكدوا أن الاقتصاد السوداني قابل للتعافي بحلول جذرية عاجلة ليلحق بركب الاقتصادات الإقليمية المزدهرة حوله. (شبكة الشروق، 21 آب/اغسطس 2019م).

ظلّ السودان منذ الاستقلال يبحث لنحو نيف وستين عاماً عن نظام سياسي مستقر دون جدوى، فقد تعاقبت على حكمه أنظمة عسكرية وثلاثة أنظمة ديمقراطية، طبقت جميعها النظام الرأسمالي الاقتصادي لم تستمر في الحكم كثيرا حتى تدهورت الأوضاع الاقتصادية وزادت الأزمات.

وها هو السودان يحتفل السبت 17 آب/أغسطس 2019 ببدء تنفيذ الاتفاق الذي تمّ التوصّل إليه بين المجلس العسكري وقادة الحركة الاحتجاجية بهدف الانتقال إلى الحكم المدني، الذي يأمل المحتفلون أن يجلب لبلدهم مزيداً من الازدهار الاقتصادي وذلك بتطبيق بنود الوثيقة الدستورية المتفق عليها كما برز اسم الخبير الاقتصادي المرشح الوحيد لتولي رئاسة الوزراء عبد الله حمدوك وهو الأمين العام السابق للجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة، عملَ كخبيرٍ اقتصادي وخبيرٍ في مجال إصلاح القطاع العام، والاندماج الإقليمي وإدارة الموارد وإدارة الأنظمة الديمقراطية، أملا في أن ينقذ السودان بهذه الكفاءة والعلاقة الوثيقة بالمنظمة العالمية من التردي الاقتصادي غير المسبوق.

وقد نصت الوثيقة الدستورية على أن تُكلَّف الحكومة الانتقالية لإعداد إصلاحات اقتصادية ووضع أسس سياسة خارجية متوازنة، كما وصفت الوثيقة جمهورية السودان بأنها "دولة ديمقراطية، تعددية، لا مركزية تقوم فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة دون تمييز" ولا يمكن تحقيق المجتمع الديمقراطي بهذه الصيغة المنصوص عليها في الوثيقة إلا بفصل الدين عن الدولة والسياسة واعتباره شأنا خاصا وعقيدة فردية ليس لها علاقة مباشرة بشؤون المجتمع كما تتبنى الديمقراطية الحريات العامة ومنها حرية التملك التي تعتبر جزءاً جوهرياً في النظام الاقتصادي الرأسمالي.

هذه اللمحات تؤكد أن الفترة الانتقالية لن تأتي بحلول للمشكلة الاقتصادية خارج منظومة الرأسمالية الاقتصادية وهي نفسها الحلول التي كانت قائمة في عهد الحكومات السابقة، وهذا يعني أن النظام الرأسمالي الاقتصادي سيستمر تطبيقه في السودان حتما، فالدولة الديمقراطية المنصوص عليها في الوثيقة هي الدولة العلمانية التي تطبق النظام الاقتصادي الرأسمالي حصراً.

وستكون الإصلاحات الاقتصادية المطروحة من الحكومة الانتقالية لإنقاذ الأوضاع الاقتصادية المتردية هي نفسها حلول العهود البائدة، وهي مزيد من القروض من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلا أن هذه المرة ستكون عبر خبرة رئيس الوزراء الذي سيحولها بعصا سحرية إلى (صدقات وهبات من تلك المنظمات الربوية) هذه المنظمات الربوية التي أسقطت السودان في دوامة الديون المتراكمة والربا المضاعف الذي فاق 55 مليار دولار، ومع الشروط القاسية التي تفرضها روشتات صندوق النقد الدولي التي ستؤدي إلى زيادة الإتاوات والضرائب والجمارك لزيادة الإيرادات، مع رفع الدعم عن السلع الأساسية، وهذا ما يزيد الفقر وضنك المعيشة الذي ظل السودان يعاني منه وسيبقى، وقطعا هذه الأزمات الاقتصادية في السودان ليست أمراً عابراً وذلك أن مشاكل العجز بأنواعه والتضخم والبطالة والمديونية والفقر والركود وتآكل الأجور وغيرها… كانت ولا زالت جزءاً لا يتجزأ من الخطاب الاقتصادي في السودان على اختلاف النسب والتفاصيل بين حكومة وأخرى لا فرق فيها بين حكومة عسكرية أو مدنية.

إن المشكلة الأساسية تكمن في الفلسفة الاقتصادية الرأسمالية نفسها، هذه الفلسفة القاصرة التي ترى أن المشكلة الاقتصادية إنما هي مشكلة ندرة وسائل الإشباع بالنسبة للحاجات، وبالتالي هي مشكلة إنتاج وزيادة إنتاج، وهو ما يجب التركيز عليه، فكانت مؤشراتهم للاقتصاد هي مؤشرات الإنتاج كمعدل النمو والناتج القومي والناتج المحلي وغيرها هي المؤشرات الأساسية، والذي حصل عندهم أنه بدل أن يكون البحث في الإنسان وحاجاته ووسائل إشباعها وأن يكون بحث الإنتاج تبعاً لذلك، بدل ذلك ضاع الإنسان وحاجاته في ثنايا بحث الإنتاج، وتحول الأمر إلى بحث في الإنتاج غرضه تعظيم الأرباح لا إشباع الحاجات، ثم ما لبث الأمر أن تحول إلى بحث في الأرباح بمعزل عن الإنتاج، ولذلك صرنا نرى أسواق المال وما يعرف بالاقتصاد الوهمي وصارت النقود تلد النقود أما الإنسان فلا مكان له في هذا الاقتصاد الرأسمالي إن لم يكن مساهما في عجلة الإنتاج فستدوسه هذه العجلة لتتخلص من عبئه.

إن النظام الرأسمالي، الذي يبيح التملك كيف كان، ويترك العنان للرأسماليين والمضاربين لاحتكار مزيد من الأموال وتضخيم ثرواتهم على حساب عامة الناس فيزيد الغني غنى ويزيد الفقير فقرا، أثبت هذا النظام فشله وأنه يحمل بذور الفشل معه أينما طبق، وها هي أمريكا صاحبة الاقتصاد الأكبر في العالم، وقعت عام 2008م في أزمة اقتصادية مدمرة نتيجة لآليات نظامها الاقتصادي الرأسمالي، وجرّت وراءها جميع دول العالم لتقع هي الأخرى فريسة هذه الأزمة، لتصبح أزمة اقتصادية عالمية بامتياز. وقد أكلت هذه الأزمة الأخضر واليابس، وأوصلت عشرات الآلاف من الشركات إلى الإفلاس وعشرات الملايين من العمال إلى البطالة، وما زالت أمريكا ودول العالم تعاني من هذه الأزمة ولم تتعافَ منها، رغم الخطط والاستراتيجيات الشاملة التي وُضعت لإنعاش الاقتصاد والنهوض به.

والسبب في فشل كل هذه الحلول والخطط في إنعاش الاقتصاد والتغلب على الأزمة هو كونها مأخوذة من النظام الرأسمالي الوضعي نفسه الذي أوجد هذه الأزمة وتسبب فيها، فهم كالمستجير من الرمضاء بالنار، ولقد أصبح مفكرو الغرب أنفسهم وكبار رأسمالييهم يشككون في نجاعة الحلول المطروحة، ويقولون إن هذه الحلول إن نجحت، فستساهم في تأجيل الانهيار فحسب، أما أن تحل المشاكل حلاً جذرياً فهذا ما لن تنجح فيه.

 ومن المستغرب أن يطبق النظام الاقتصادي الرأسمالي في بلادنا وتصر الحكومات المتعاقبة عليه كأنه لا بديل له! وفي الوقت نفسه نجد بعض علماء الاقتصاد المعاصرين ومنهم جاك أوستري اعترفوا أخيراً بأن الاقتصاد الإسلامي هو النظام الذي يحقق للإنسان السعادة والكفاية، وكذلك عالمة الاقتصاد الإيطالية لوريتا نابوليوني التي قالت صراحة إن هذه الأزمة الاقتصادية في 2008م ما كانت لتحدث لو طُبقت قوانين الاقتصاد الإسلامي، وحتى الفاتيكان، معقل الكنيسة الكاثوليكية، دعا في إحدى مقالات جريدته الرسمية "أوسيرفاتوري رومانو" البنوك الغربية الاتجاه إلى الاقتصاد الإسلامي لتجنب مثل هذه التداعيات الاقتصادية الخطيرة.

وفي الإطار ذاته ولكن بوضوح وجرأة أكثر طالب رئيس تحرير صحيفة (لوجورنال دي فاينانس) رولان لاسكين في مقال له بعنوان "هل تأهلت وول ستريت لاعتناق الشريعة الإسلامية"، طالب بضرورة "تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة".

إذا كان غير المسلمين توصلوا بالتجربة إلى أن التشريع الإسلامي هو الحل لنظام المضاربات الوهمية في الكثير من السندات العقارية والأوراق المالية والتي أصبحت من خلالها النقود مجرد سلعة جامدة تباع وتشترى دون أن تدخل في العمليات الإنتاجية الملموسة بإحياء الأراضي الزراعية وإنشاء المصانع ليتوصلوا إلى أن نظام الاقتصادي الإسلامي هو النموذج الصالح لحل الأزمات، فما بال أبناء الإسلام لا يتبنون دينهم لحل مشاكلهم الاقتصادية ويصرون على نظام لفظه أهله وبحثوا عن البديل؟!

إن الاقتصاد في نظام الإسلام يحتوي على نظام ملكيات تعجز عنه الأنظمة الوضعية الرأسمالية، حيث يجعل الإسلام المال دولة بين الناس جميعاً ليس بالعمل فقط، فهناك الملكية العامة وملكية الدولة والملكية الفردية، ويحرم النظام الاقتصادي في الإسلام الربا بصنوفه قليله وكثيره، كما يحض على التعاون والإنتاجية وعدم استغلال البشر لبعضهم البعض أو أن ينتهز أحدهم حاجة الآخر، وأن تكون النقود مصدراً للدورة الإنتاجية واستمرارية دورة الحياة لا أن تكون النقود سلعة بحد ذاتها. إن النظام الاقتصادي في الإسلام تجاوز بكثير مسألة أن يكون طرحاً فكرياً مجرداً، بل إنه بات مع أنظمة الإسلام الأخرى مشروعاً لنهضة الأمة يعمل عليه المخلصون من أبنائها ليل نهار حتى تعود إلى تنظيم شؤون الحياة مرة أخرى لتنقذ العالم من براثن الرأسمالية.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذة/ غادة عبد الجبار - أم أواب

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو