الابتلاء للمؤمن حاصل لا محالة؛ أحسنوا ضيافته فإنّه عابر سبيل
الابتلاء للمؤمن حاصل لا محالة؛ أحسنوا ضيافته فإنّه عابر سبيل

يُدرك كل ذي عقل وفهم أنّ هذه الحياة الدنيا ما هي إلا دار امتحان واختبار؛ فقد بُنيتْ وأُسستْ على ابتلاء النّاس لِامتحان صبرهم، وتمحيص أعمالهم، واختبارهم بالشدائد للكشف عن معادنهم، فإنْ هم تجاوزوا فَتَرات الابتلاء بنجاحٍ رُفعتْ قيمتهم في الدّنيا والآخرة، وإلّا خسروا كلَّ شيء!

0:00 0:00
السرعة:
May 03, 2020

الابتلاء للمؤمن حاصل لا محالة؛ أحسنوا ضيافته فإنّه عابر سبيل

الابتلاء للمؤمن حاصل لا محالة؛
أحسنوا ضيافته فإنّه عابر سبيل


يُدرك كل ذي عقل وفهم أنّ هذه الحياة الدنيا ما هي إلا دار امتحان واختبار؛ فقد بُنيتْ وأُسستْ على ابتلاء النّاس لِامتحان صبرهم، وتمحيص أعمالهم، واختبارهم بالشدائد للكشف عن معادنهم، فإنْ هم تجاوزوا فَتَرات الابتلاء بنجاحٍ رُفعتْ قيمتهم في الدّنيا والآخرة، وإلّا خسروا كلَّ شيء!


قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، وقال تعالى أيضا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.


فتربية الناس بالبلاء وامتحانهم بالمخاوف والشدائد وبالجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات أمر حتمي ولا بدّ منه للتمحيص وليصلب عود المرء ويقوى فيكون جديرا بمرضاة الله ونوال كرمه. وكما يقول سيد قطب رحمه الله في ظلال القرآن في تفسير الآية الأخيرة ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ...﴾: "فالشدائد تستجيش مكنون القوى، ومدخور الطاقة، وتفتح في القلوب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن إلا تحت مطارق الشدائد. والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصّح وتدّق وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش عن العيون والران عن القلوب. وأهم من هذا كله، أو القاعدة لهذا كله: الالتجاء إلى الله وحده حين تهتز الأسناد كلها، وتتوارى الأوهام - وهي شتى - ويخلو القلب إلى الله وحده لا يجد سنداً إلا سنده. وفي هذه اللحظة قد تنجلي الغشاوات، وتنفتح البصيرة، وينجلي الأفق على مد البصر: لا شيء إلا الله، لا قوة إلا قوتُه، لا حول إلا حولُه، لا إرادة إلا إرادتُه، لا ملجأ إلا إليه...".


إذن يُبتلى المرء ولا هروب من البلاء ليدرك حقيقة الدنيا وزيفها وأنها متاع الغرور وأن الحياة الحقيقية الدائمة بعد هذه الدنيا، حياة لا نصب فيها ولا وصب؛ يُبتلى المرء ليُنقّى من ذنوبه وليُغفر عن زلاته وليرفعه الله درجات عنده وتكون له عقبى دار الأخيار، ولذلك كان على قدر عظم الامتحان عظم الثواب.


قال رسول الله e: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وقال e: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ». أخرجه الإمام أحمد وغيره.


إنّ الواجب على العبد حين وقوع البلاء أن يتيقن أنّه من عند الله فيسلم الأمر له؛ فيلتزم شرعه ولا يخالف أمره؛ فلا يتسخط ولا يسب الدهر، بل يستغفر الله ويتوب إليه مما أحدث من الذنوب ويتعاطى الأسباب لدفع البلاء، وهو موقن أنّ مع العسر يسرين وأنّ الفرج آت لا محالة.
وإنّ من الأمور التي تخفف البلاء على المبتلى وتسكن الحزن وترفع الهمّ وتربط على القلب، اللجوء إلى الله وطلب عونه، وإدراك عاقبة الصبر والرضا بالقضاء، فيكثر المبتلى من الصلاة والدعاء وسائر الخيرات وهو يعلم علم اليقين أنّ دوام الضيق مُحال، وأنّ للبلاء خيراً يعقبه فيعمل بنصيحة ابن الجوزي رحمه الله ويعتبر البلايا ضيوفا؛ عليه أن يحسن قِراها حتى ترحل إلى بلاد الجزاء مادحة لا قادحة، فلولا البلايا لوردنا القيامة مفاليس.


وليكن حالنا مثل ذلك الرجل الصالح الذي أصابه شلل نصفي وكان الدّود يتناثر من جنبيه، وهو أعمى وأصمّ، ورغم كل ذلك ما فتئ يحمد الله الذي عافاه ممّا ابتلى به كثيراً من خلقه، يحمده أنّه أطلق له لساناً يوحّده وقلباً يذكره في كلّ وقت وحين...


فاللهمّ إنّنا أدركنا أنّ هذه الحياة الدنيا إلى زوال وأنّ العاقبة للمتقين...


فاللهمّ أحينا بالإسلام وأمتنا عليه واجعله الغالي النفيس عندنا واجعلنا من جنودك الفدائيين الذين يسترخصون أرواحهم من أجل نصرة دينك...


اللهمّ ارزقنا الصبر والرضا والقناعة والأجر والعافية...


اللهمّ اجعل ابتلاءك لنا منحة وثوابا وارزقنا النجاح في اختبار الآخرة...


اللهمّ اجعل في ديننا صلابة وقوّ عزائمنا وثبت يقيننا فيك...


اللهمّ كن وليّنا، اللهمّ كن وليّنا، اللهمّ كن وليّنا؛ فذلك حسبنا...


وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
هاجر اليعقوبي

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو