الاختلاف في تعريف مسألة القضاء والقدر  يتلاشى عند المذاهب الفكرية بين النظرية والتطبيق
February 18, 2019

الاختلاف في تعريف مسألة القضاء والقدر يتلاشى عند المذاهب الفكرية بين النظرية والتطبيق

الاختلاف في تعريف مسألة القضاء والقدر

يتلاشى عند المذاهب الفكرية بين النظرية والتطبيق

لقد بحثت المذاهب الفكرية في التاريخ الإسلامي موضوع القضاء والقدر وأفعال الإنسان وقالوا فيه ما قالوا وعرفوا فيه التعاريف المختلفة التي تصل إلى حد التباين. فالمعتزلة قالوا إن الله ترك العبد وما يخلق من أفعال بما سمي بحرية الإرادة والاختيار، والجبرية قالوا إن الله تعالى يخلق أفعال العبد ولا خيار له فيها فهو كالريشة في مهب الريح، والأشاعرة جمعوا بين الرأيين فاختاروا تعريفا تصالحيا توافقيا فقالوا إن الإنسان له حرية الإرادة والكسب لكن الله يخلق أفعاله التي أراد فعلها أو كسبها.

إلا أن حزب التحرير قد قوم خطأ تعريفهم لكل من القضاء والقدر وأوضح تعريف كل منهما وعبر عنهما بشكل دقيق صحيح على أساسين: الأول نصوص الوحي القطعية، والثاني مطابقتها للواقع. فأنهى حزب التحرير ذلك الخلاف الفكري الذي طال مكثه في الأمة لقرون من الزمن في الأذهان والسطور. وكان له رأي جديد نورده هنا على عجالة باختصار وتصرف من كتاب نظام الإسلام حيث يقول:

"والمدقِّقُ في الأفعالِ يرَى أَنَّ الإنسانَ يعيشُ في دائرَتَيْنِ إِحْداهُما يسيطِرُ عَلَيْها، وهيَ الدائرةُ الَّتي تقعُ في نِطَاقِ تَصَرُّفَاتِهِ وَضِمْنَ نطَاقِهَا تحصُلُ أفعالُهُ الَّتي يقومُ بها بمحْضِ اختيارهِ، والأُخْرى تُسَيْطِرُ عليْهِ، وهيَ الدائرةُ الَّتي يقعُ هوَ في نِطاقِهَا وتقعُ ضِمْنَ هذهِ الدائرةِ الأفعالُ الَّتي لا دَخْلَ لَهُ بِهَا، سواءٌ أَوَقَعَتْ مِنْهُ أمْ عليهِ. فالأفعالُ الَّتي تقعُ في الدائرةِ الَّتي تُسيطرُ عليهِ لا دَخْلَ لَهُ بِهَا ولا شأْنَ لَهُ بوجودِهَا، وهيَ قِسْمَانِ: قِسمٌ يقتضيهِ نظامُ الوجودِ، وقسمٌ تقعُ فيه الأفعالُ الَّتي ليسَتْ في مقدورِهِ والَّتي لا قِبَلَ لَهُ بِدَفْعِهَا ولا يقتضيها نظامُ الوجودِ.. فهذهِ الأفعالُ كلُّها الَّتي حصلتْ في الدائرةِ الَّتي تسيطرُ على الإنسانِ هيَ الَّتي تُسَمَّى قَضَاءً، لأنَّ اللهَ وحدَهُ هوَ الَّذي قَضاهُ.

أمَّا القَدَرُ فهوَ أَنَّ الأفعالَ الَّتي تحصُلُ سواءٌ أكانَتْ في الدائرةِ الَّتي تسيطِرُ على الإنسانِ، أم في الدائرةِ الَّتي يسيطِرُ عليْهَا تقعُ منَ أشياءَ وعلى أشياءَ منْ مادَّةِ الكونِ والإنسانِ والحياةِ، وقدْ خلقَ اللهُ لهذِهِ الأشياءِ خَواصَّ مُعَيَّنَةً، فخلَقَ في النارِ خاصيَّةَ الإحراقِ، وفي الخشبِ خاصيَّةَ الاحتراقِ، وفي السكِّينِ خاصيَّةَ القطعِ، وجعلهَا لازمةً حَسَبَ نظامِ الوجودِ لا تتخلَّفُ. وحينَ يظهرُ أنَّهَا تخلَّفَتْ يكونُ اللهُ قدْ سَلَبَهَا تِلكَ الخاصيَّةَ، وكانَ ذلكَ أمْراً خارِقاً لِلْعادَةِ. وهوَ يحصُلُ للأنبياءِ ويكونُ مُعْجِزَةً لهمْ. وكَمَا خلقَ في الأشياءِ خاصيَّاتٍ كذلكَ خلقَ في الإنسانِ الغرائِزَ والحاجاتِ العُضويَّةَ، وجعلَ فيهَا خاصيَّاتٍ معيَّنةً كَخَوَاصِّ الأشياءِ، فخلقَ في غريزةِ النَوْعِ خاصيَّةَ الميلِ الجنسيِّ، وفي الحاجاتِ العضويَّةِ خاصيَّاتٍ كالجوعِ والعطشِ وَنَحْوِهِما، وجعلها لازمةً لها حَسَبَ سنّةِ الوجودِ". انتهى

أما معنى القدر الوارد في آيات عدة من القرآن الكريم وبعض الأحاديث ومنها حديث جبريل الصحيح والمشهور الذي ورد فيه السؤال عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقد جاء القدر فيها بمعنى علم الله الأزلي الذي كتبه الله في اللوح المحفوظ وطُلب منا الإيمان به.

ومن المعلوم أن الفكر هو حكم على واقع، وعندما كانت كثير من أفكار تلك المذاهب الفكرية التاريخية في المسائل المتعلقة بالعقيدة منفصلة عن دراسة الواقع ومبنية على أخطاء مركبة تتخللها أولاً: طريقة المتكلمين الخاطئة في التفكير وهي الطريقة المنطقية التي تبني أفكارا على أفكار فتصل إلى أبحاث نظرية، ثانيا: اعتماد الظن في الاستدلال من النصوص في مسائل العقيدة، وثالثا: عدم مطابقة تلك الأفكار للواقع. حيث كل هذه الثلاثة مجتمعة أو بعضها يجعل من الفكر محلا للخطأ وتأرجح القناعة ومدعاة للارتياب.

وهذا يجعل منها أفكارا وآراء نظرية لا تتصل بالواقع ولا تستند إلى أدلة قطعية، فتصبح مجرد أبحاث لمعاني الألفاظ وملابساتها فضلا عن أنها أبحاث منطقية، فظلت أفكارا نظرية حبيسةً في الأذهان كنظريات ليس لها معانٍ مرتبطة بالسلوك، لأن بحث مسألتي القضاء القدر هو بحث مرتبط بالواقع وبحث أدلة قطعية لا ظنية، لأن أفكار الإسلام لها معان مرتبطة بالواقع ارتباطا وثيقا أصبحت مفاهيم، وهذه المفاهيم مرتبطة بالسلوك ارتباطا مباشرا لا مجرد أبحاث نظرية أو معلومات. لذلك فقد اهتم حزب التحرير بدراسة واقع معاني الأفكار ومعاني الألفاظ وفرق بينهما فقال في كتاب الشخصية ج1: "المفـاهيم هي معـاني الأفكار لا معـاني الألفـاظ. فاللفظ كلام دل على معانٍ قد تكون موجودة في الواقع وقد لا تكون موجودة...، أما معنى الفكر فهو أنه إذا كان لهذا المعنى الذي تضمنه اللفظ واقع يقع عليه الحس أو يتصوره الذهن كشيء محسوس ويصدقه، كان هذا المعنى مفهوماً عند من يحسه أو يتصوره ويصدقه...". انتهى

فميز بذلك بين معاني الألفاظ ودلالاتها وبين المفاهيم التي هي معاني الأفكار المرتبطة بالسلوك ارتباطا حتميا، فتعالج الواقع على أساسها. فعندما كانت الأفكار في الإسلام هي مفاهيم أي معلومات مرتبطة بالواقع أو واقع مرتبط بمعلومات حسب قاعدة أو قواعد يجري عليها قياس المعلومات والواقع حين الربط، وجدنا أن أبحاث المتكلمين النظرية واختلافاتهم في تعريف الأفكار على أساس المنطق ومعاني الألفاظ قد تلاشت عند ممارسة وتطبيق أحكام الإسلام على أرض الواقع. حيث وجدناهم مختفلين في تعريف بعض الأفكار نظريا ومنطقيا إلا أنهم التقوا على أرض الواقع في الأحكام العملية والمفاهيم المرتبطة بالسلوك وهي التي تمثل معاني أفكار العقيدة والأحكام الشرعية؛ لأن الناحية العملية التطبيقية لأحكام الإسلام قد جعلت جميع هؤلاء المختلفين في تعريف مسألة القضاء والقدر وغيرها يقفون عمليا منفصلين عن آرائهم القائلة بالجبر أو حرية الاختيار أو غيرها، وأصبحت كما لو لم تكن محل خلاف أصلا.

فمثلا عندما يقول الجبريون إن الإنسان وأفعاله كلها كالريشة في مهب الريح وأن أعماله خلقها الله له وهو مسير بها دون إرادة منه، فإنهم يتفقون في الناحية العملية مع المعتزلة الذين يقولون إن الإنسان يخلق أفعاله مع كونه حر الإرادة والاختيار، في حالة إيقاع عقوبة السرقة على الجاني في كسب المال الحرام أو إيقاع عقوبة الزنا على الجاني في العلاقات المحرمة. وكذلك يتفق معهما الأشاعرة وغيرهم ممن لهم رأي يختلف عنهما في تعريف القضاء والقدر في كل النواحي العملية. كما أن تحديد مفهوم المعصية عند المعتزلة هي نفسها عند الأشاعرة أو الجبرية وغيرهم.

وهذا ما أشار إليه الإمام ابن تيمية رحمه الله في اختلافهم في تعريف الإيمان، حيث عزا اختلاف من يُدخل العمل في تعريف الإيمان ومن يخرجه منه كالمرجئة، أنه خلاف لفظي لأن كلا الطرفين متفقان على فسق مرتكب الكبيرة لا كفره، وأن العقوبة الدنيوية أو الأخروية لازمة في حقه وأنه لا يخلد في النار. واستثنى الإمام ابن تيمية من هذا الخلاف اللفظي غلاة الخوارج وغلاة المرجئة، كما فصل ذلك في مجموع الفتاوى الجزء السابع في بحث الإيمان.

ومن باب المثال أيضا لا الحصر فإننا نضرب صورة أخرى في الخلاف بين من يقول بحرية الإرادة والاختيار ومن يقول بالجبر والتسيير وغيرهم في قضية طلب الرزق والكسب، فإننا نجد أن كل هؤلاء على اختلاف نظرتهم في تعريف القضاء يذمون من يقعد في بيته تاركا السعي في طلب الرزق ويعتبرونه مقصرا آثما لتضييعه من يعول بناء على النصوص ومنها قول النبي r : «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُوْلُ».

إننا بذلك لا نقلل أبدا من أهمية الوقوف على معنى كل من الأفكار والمفاهيم وتحديد معانيها بشكل دقيق على أساس إفادة الأدلة الشرعية، فالأصل أن يكون التعريف الشرعي جامعا مانعا مأخوذا من الأدلة التفصيلية لأنه في واقعه هو حكم شرعي ينطبق على وقائع كثيرة وهو ما يعرف غالبا بالقاعدة الكلية.

وإن أي خطأ في بلورة أي فكر إسلامي لا بد وأنه سيفضي إلى تشويش في الفهم وخطأ في التفكير والحكم، الأمر الذي يحدث بلبلة في الفكر من الناحية النظرية وقد ينتقل أحيانا الخلل إلى الأعمال. إلا أنه لما كان الإسلام عقيدة سياسية تنبثق عنها كافة المعالجات من حيث تنظيم شؤون حياة الناس في كل جوانبها، كان ذلك سببا في اختفاء هذا الاختلاف في الناحية العملية فيما إذا طبق الإسلام من خلال دولة لها أجهزتها في الحكم والإدارة.

فمثلا القاضي في الدولة الإسلامية سواء جبري المذهب أو غير ذلك فإنه قولا واحدا سينزل الأحكام الشرعية على وقائعها ويعالج القضايا والمشاكل بناء على خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، فيحكم بين الناس ويفض الخصومة والتنازع بينهم في كافة أمور الحياة.

إن هذا الاتفاق العملي بين المختلفين نظريا في الآراء ما كان ليوجد إلا بفضل الإسلام الذي هو عقيدة سياسية، انبثقت عنها أحكام عملية ومفاهيم تعالج الواقع وتعطي الحلول الدائمة لكل ما يواجهه الإنسان بوصفه إنسانا حتى قيام الساعة عن طريق تطبيق نظام ينظم علاقة الناس والمجتمع في كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

إن الإسلام بهذه العقيدة الربانية ونظامها العملي المتمثل بالدولة الإسلامية جعل المسلمين أمة واحدة يجمعهم بوحدة متينة على اختلاف ألوانهم وألسنتهم واختلاف آرائهم ومذاهبهم، يقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103] ويقول تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد العزيز محمد

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو