October 28, 2014

العلم الحديث بين نظرية الفوضى وفوضى نظريات علمائه!


يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾.


قال الحسن وقتادة: لما ذكر اللهُ سبحانه الذبابَ والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة. واليوم وبعد ما يَقارب الألف وخمسمئة عام تأتي هذه البعوضة (بأمر الله تعالى) لتُثبت للعلم الحديث مدى عجزه ومحدوديته وضعف إمكانياته في الإحاطة المطلقة بالعلوم!


فهذه البعوضة - الضعيفة والمُهملة - المخلوقة لله والمُسيّرة بأمره أحرجت العلم الحديث وعلمائه، ومرّغت غرورَهم وعنجهيتهم بالتراب، ووضعت عقولهم في مأزق كبير! فقد كان يتباهى معتنقو العلم الحديث بأنهم قادرون على توقع كل شيء في المستقبل اعتمادا على القوانين العلمية التي توصلوا لها وثقة بها؛ وذلك لأنهم استطاعوا معرفة نتائج بعض التفاعلات الكيميائية في المختبر، مثلا: عند دمج ذرتي هيدروجين وذرة أوكسجين ينتج جزيء ماء، أو لأنهم مثلاً استطاعوا قياس سرعة الجسيم وتسارعه ومكان وزمان سقوط المقذوفات..الخ، فظنوا أن باستطاعتهم أيضا حساب كل ما حصل قديما (مثل: كيفية نشوء الكون)، ومعرفة وتوقع كل التغيرات التي سوف تحصل اليوم أو مستقبلاً في العالَم سواء في مجال: المناخ، أو حركة البحار والرياح والأمطار، أو في حركة السوق والاقتصاد والأسهم المالية، أو في حساب نتائج الحروب قبل وقوعها، أو حتى في البشر من ناحية السلوك والتفكير والمجتمعات والزيادة السكانية ونقص الغذاء، أو نسب التلوث في الجو والماء وثقب الأوزون، أو ذوبان الجليد في القطبين وما يتبعهما من فيضانات, أو حتى حساب متى سينتهي الكون!


لكن في منتصف القرن الماضي، وتحديدا في العام 1961، ظهرت "نظرية الفوضى" بالعلم الحديث والتي تُختصر بقولهم أن:" رفرفة جناحيّ فراشة أو بعوضة في الهند قد تحدث فيضانات في نهر الأمازون"! وللتوضيح، إن رفرفة الجناحين ما هو إلا تعبير عما اكتشفه العالِم " إدوارد لورينتز"، حيث وجد: "أنه عند حساب أي معادلة علمية في المختبر، يُعمد إلى التقريب لتسهيل الحساب (مثلا: 1.499999 ≈ 1.5)، لكن هذا الجزء الصغير الذي أضيف أو أٌهمل في العدد سوف يغير نتيجة المعادلة لو لم يُضاف أو يُهمل"، مصداقا لقول الحق سبحانه: " إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" سورة القمر- 49. فالرقم الأول لا يساوي الرقم الثاني حتى لو قاربه جدا، والفرق المُهمل بينهما (كرفرفة مهملة لجناح فراشة أو بعوضة) قد يكون له تأثير عظيم وغير متوقع أبدا (كعظم فيضان نهر الأمازون) على كثير من المعادلات الكيميائية والطبية والاقتصاد..الخ.


هذا الاكتشاف رغم بساطته ظاهريا، إلا أنه جعل الكثير من القوانين العلمية الحديثة وحقائقها مشكوك بصحتها المطلقة، مما أوجب إعادة النظر فيما ظنه العلماء سابقا من المُسلمات العلمية، وأولها نظرة العلم الحديث للعالَم، حيث أن هذه النظرة التي وضعها "آينشتاين" في النظرية النسبية ترى أن العقل هو إحدى حقائق الوجود المطلقة؛ وأن ما كشفته هذه النظرية وميكانيكا الكم لا يمكن أن يتواءم مع النظرية القديمة (النظرية الميكانيكية للكون)؛ التي كانت تصف هيكل الزمان - المكان، وتصف خواص الجسيمات الأولية دون الرجوع إلى مراقب مشارك (أي إلى العقل), حيث كانت النظرة القديمة لا تتضمن إلا المادة والقوانين الطبيعية, أما النظرة العلمية الجديدة فمن المحتم عليها أن تتضمن المادة والقوانين الطبيعية إضافة إلى العقل.


لكن مع ظهور نظرية الفوضى أصبح عند كثير من العلماء شكوك بقدرة العقل المُطلقة على مراقبة العالَم؛ وذلك لاستحالة قدرة العلماء على الإحاطة بجميع القيم متناهية الصغر في المعادلات وحسابها رغم أثرها الكبير على النتائج كإعصار أمازوني! ولأنهم لم يتمكنوا من حساب وتوقع النتائج في العالَم بدقة مطلقة، لم يتهموا العقل بالقصور بل اتهموا العالَم بالفوضوية! هنا اهتزت ثقة هؤلاء العلماء بالعلم والمعرفة المُطلقة، فعكفوا على دراسة الظواهر التي اعتبروها فوضوية (مثل: تقلبات المناخ والاقتصاد.. الخ). لكن، ما أن بدأوا يسلّمون بفوضوية العالَم، حتى صدموا مرة أخرى صدمة أعنف! وذلك عندما اكتشفوا أن للفوضى قوانينا تضبطها وتحكمها رغم أنها تبدو لهم فوضوية! فأطلقوا على هذه القوانين الخفية عنهم والتي تحكُم الفوضى بعلم اللامتوقع. يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: 38-39].


وأصبح العلم الحديث يتخبط ولا يدري بأي اتجاه يسير! هل نحو "نظرية الفوضى"؟ أي: "هل عجز قوانين العلماء عن تنبؤ الكون بدقة مطلقة لأن هذا الكون عبارة عن فوضى لا يمكن قياسها بعقولهم"!؟ أم نحو "علم اللامتوقع"؟ أي: "هل قوانين العلماء ستكون قادرة يوماً ما أن تقيس هذه التنبؤات الكونية اللامتوقعة بدقة مطلقة فيخضع هذا الكون لعلمهم وسيطرة عقولهم"!؟


إن السبب الجوهري في هذا التخبط هو الركون إلى العلم المجرد وطريقته العلمية في البحث، والأصل في هذه المسائل استخدام الطريقة العقلية بدل العلمية (*). فالطريقة العلمية تقوم على البحث العميق في الواقع وعن أصل هذا الواقع مع التجرد من كل معلومة مسبقة عنه والانطلاقة من الفراغ دون أحكام مسبقة أو مُسلمات عن هذا الواقع، وإنما أخذ النتائج من الواقع نفسه من خلال إخضاعه للتجربة والوضعيات المختلفة. وهذه الطريقة تصلُح فقط لما يمكن قياسه في المختبر لكنها بالتأكيد تفشل في قياس ما لا يدخل المختبر, مثلا: التغير في السلوك البشري أو تنبؤ ما سيحدث في المستقبل من فناء للبشرية أو الأرض!


وأهل العلم الحديث من أتباع الطريقة العلمية كمن يبحث جاهداً عن حل أحجية "من جاء أولا؟ البيضة أم الدجاجة!؟" لذلك، يتوجب عليهم إعادة بحثهم (في المسائل غير الخاضعة للقياس في المختبر) بطريقة عقلية لينطلق تساؤلهم بدايةً مِن: "مَن أوجد هذه البيضة أو الدجاجة؟". والطريقة العقلية في البحث هي التي تقوم على التفكير بالواقع بشكل مستنير، فتبحث فيه وفي متعلقاته وفق المعلومات السابقة المتعلقة به، من خلال الإحساس بالواقع وربطه بالمعلومات في الدماغ، ليقوده هذا الدماغ للتساؤل الصحيح: "من أوجد هذه الدجاجة وأودع فيها خصائصها؟ ومن أوجد هذا العالَم الذي ما زال العِلم عاجزا عن أبسط البسيط في معرفة ماضيه وحساب حاضره وتوقع مستقبله؟" عندها سيُقر العقل السوي بأنه مهما بلغ الإنسان من العلم أو العقل أو المعرفة، ستبقى علومه وعقله ومعارفه محدودة لا تستطيع أن تحيط إلا بالقليل من العلوم مما أراد الله تعالى لها أن تحيط به, يقول الحق سبحانه في الآية 85 في سورة الإسراء: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ويقول الله تعالى في آية الكرسي: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، وعندها فقط يُسلّم هذا العقل بسكينة واطمئنان لما وراء حدوده وحدود الزمان والكون، يُسلّم لله الخالقِ المدبر ويتواضع لعظمة الله ولعظمة علمه الذي وسع الغيب والحاضر ووسع علوم العلماء ووسع كل شيء، قال سبحانه: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَاۖ فَاصْبِرْۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49].

إذن، فالعلم يحتاج للعقل ليكون مشرفا عليه، والعقل يحتاج أن يكون موصولاً بخالقه ليهديه, قال تعالى: ﴿منْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: 17]، وإلا ضاع العلم في فوضى وأصبح كما وصفه "آينشتاين" وهو أبو العلم الحديث: "العلم بلا دين كالرجل الأعرج" ليكون هذا العلم وبالاً على أصحابه في الدنيا والآخرة.

اللهم اجعلنا من الهُداة المُهتدين لدينك القويم

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم مكين


للمزيد:
(*) كتاب التفكير، للشيخ تقي الدين النبهاني، مؤسس حزب التحرير.
- كتاب "نظرية الفوضى" ، جايمس غليك.

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو