العلمانية عقيدة المبدأ الرأسمالي جاهلية العصر الحديث
September 22, 2018

العلمانية عقيدة المبدأ الرأسمالي جاهلية العصر الحديث

العلمانية عقيدة المبدأ الرأسمالي جاهلية العصر الحديث

إن صنم العلمانية هو نتاج تفكير عقائدي مستوردة من الكفار وهي ليست مجرد فكرة مستحدثة، بل تأتي في إطار الحرب بين الحق وبين الباطل، منذ الجاهلية الأولى، وهذا الصنم ليس فكرة تروج للعلم والتطور والتقدم بل هي عقيدة، أي خالق ومخلوق وعابد ومعبود وحاكم ومحكوم؛ فعندما نتحدث عن العقيدة يجب أن نعلم لمن سينصاع الإنسان، ولمن سيكون الأمر والنهي، وكيف سينظم الخلائق شؤونهم الحياتية، ومن أين يستقون المعالجات والحلول لمشاكلهم؟ فالعلمانية هي عقيدة لا إله إلا المال والمصلحة، وثقافتها ثقافة الاستعمار وثقافة لا بقاء إلا للأقوى، فهي عقيدة فصل الدين عن الحياة وإقصاء القوانين الربانية عن مفاصل الحياة وعن أنظمتها جميعا؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والتعليمية والصحية...، ومعنى أنها عقيدة فهي فكرة كلية عن الإنسان والكون والحياة وعلاقتها بما قبلها وما بعدها، وإيجاد الحلول لجميع مشاكل الحياة، أي هي فكرة أساسية تُؤسس عليها جميع الأفكار الأخرى وتصبح مصدرا ومرجعا للأفكار والسلوكيات والقرارات والمواقف وتؤثر على سائر الأعمال والأقوال.

وفصل الدين عن الحياة هو التنصل عن أن يكون للإنسان مرجعية ربانية تعمل على أرض الواقع ويأخذ عنها الإنسان كل ما يحتاج إليه من معالجات ليدير شؤون حياته وليدير علاقاته مع الآخرين ومع المجتمع ومع الدولة ومع الكون الذي يعيش فيه. ومعتنقو العلمانية الأساسيون هم كفار الغرب في أوروبا وأمريكا الاستعماريون وهمهم الأول هو أن يضع الإنسان أنظمة الحياة وفقاً لأهوائه وشهواته ورغباته ومصالحه بحجة الحريات والديمقراطية والرأسمالية للربح المادي والثراء الفاحش، فلا يقيمون للإيمان بالله الواحد الأحد وزناً ولا للقيم، والأعراض والأرواح والحقوق والواجبات عندهم رخيصة ومستباحة، تتغير أهواؤهم وتتلون كما يحلو لهم وبحسب ما يحقق التغيير لهم من منفعة مادية، لذلك كان المبدأ الرأسمالي وأبرز ما فيه النظام الاقتصادي الذي أفقر البشرية من العدل ومن الكرامة.

أما "الدين" الذي تقبل به العلمانية فهو الدين الكهنوتي الذي يُحجِّم وجود الخالق في القلب والخيال والخرافات والفلسفة أو داخل المساجد والكنائس والمعابد فقط ولا يخرج منها ليبسط تحكمه بأنظمة الحياة. تماماً كما كان يعبد كفار قريش في مكة الأصنام المختلفة، وتبقى عقيدتهم الوثنية ليعيشوا جميعاً عيشة همجية بدون تدخُل الخالق الواحد الأحد في طريقة سير حياتهم وقوانينها. ولذلك كانت حرب العلمانيين الرأسماليين الأساسية مع مبدأ الإسلام الذي وفر للإنسان نظام حياة متكاملاً يستند إلى عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، فسادَ الإسلامُ العالم لمئات السنين حتى تكالب عليه الرأسماليون العلمانيون الاستعماريون فهدموا دولته.

وبسقوط الخلافة تشتت المسلمون وعادوا إلى عصر الجاهلية مرة أخرى في هذا الزمن الجبري ولا يزالون يتعرضون يومياً لهجمات ثقافية فكرية وإعلامية وتعليمية لتخدير خاصية التفكير لديهم حتى يصبح المسلم "علمانيَّ التفكير" فيتصرف بما توجبه العلمانية (أو الحداثة والتحضر أو المدنية أو النظام العالمي الجديد والمواثيق والقوانين الدولية المشتركة أو النظام الرأسمالي الحديث والمصالح المشتركة كما يحلو للإعلام أن يسميها) ويتخذ قرارات هي في حقيقتها "إملاءات علمانية" حيث إن مفهوم "العلمانية" مفهوم مخيف يتسلل إلى عقل الإنسان بكل خبث ليصبح الإنسان في حالة "مسلم علماني" ولا ينتبه إلى ذلك لأنه "مبرمج" ليكون في حالة غفلة عن دينه، أو بتعبير أدق فهو في حالة استغفال وبُعدٍ عن أحكام الإسلام كنظام حياة وطراز عيش يشمل كل نواحي الحياة الإسلامية التي سِمَتُها تبني مصالح الناس ورعاياتها بالحلال والحرام والتقيد بقوانين رب العالمين لينالوا خير الدنيا والآخرة.

ولنقرب الصورة أكثر لنحدد كيف تسللت العلمانية إلى حياة الشخص، فما يحدث هو أنه إذا واجهته مشكلة في حياته وفي علاقاته مع الآخرين، أياً كان نوع المشكلة؛ إيمانية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، تجده يجلس ليفكر ليجد الحل لها بما يفيده ولا يؤذي مصلحته المعنوية والمادية فيبحث عن منفعته فإن كان فكره علمانياً يغفل عن السعي لمعرفة حكم الله تعالى في مسألته، ولعله يأخذ الحل من المجتمع للرأي العام الذي تأثر بالأفكار الغربية و"تعلمن" على يد الحكومات العلمانية التي لا تُطبق شرع الله فهي حكومات تابعة في بلاد المسلمين للغرب الكافر المستعمر... وهكذا فإنْ لم يرجع للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ليجد الحل لمسألته بمعرفة الحكم الشرعي بالدليل الشرعي عن مسألته من أهل العلم الثقات يكون حينها "مسلما علمانيا". وذلك يُفسر الكثير من سلوكيات المسلمين، ومن الأمثلة على ذلك عندما يقلد شباب المسلمين وبناتهم رموز الكفر من المغنين أو المنضبعين بثقافة الغرب فيتخذون من هؤلاء قدوة لا تليق بالمسلم والمسلمة؛ وفي الوقت نفسه تجدهم يخجلون من هويتهم الإسلامية أو تخجل المسلمة من ارتداء اللباس الشرعي، أو يتقاعس أبناء وبنات الأمة الإسلامية عن المطالبة بتطبيق شرع الله في نظام حكم إسلامي وشرعي ويصبح هدفهم الهجرة إلى بلاد الغرب هرباً من شظف العيش في بلادهم. والنتيجة مسلم متذبذب بين الحق والباطل يصلي ويصوم ويزكي لكنه يتعامل بالربا ويشرب الخمر ويزني ويقبل بحكومات الظلم ويسعى لمصلحته ضارباً عرض الحائط بالحكم الشرعي ويتماشى مع الواقع الفاسد بدلاً عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحاكم وإن بحث عن مصدر شرعي تجده يتبع علماء سلاطين علمانيين ممن شوهوا الدين.

وليُحكِم الغرب قبضته على المسلمين نصب حُكاماً رويبضات يخدمون مصالحه وتحكم عليهم بالأموال فمكنوه من رقاب الناس ومن أموالهم ومن أراضيهم ومن أعراضهم ليجد الإنسان أنه قد وُضع هذه المرة في حالة خضوع لسياسات وقوانين تتحكم وتسيطر عليه في المجتمع العلماني وفي الدولة العلمانية.

والنتيجة أن المسلم سيتصرف "بعلمانية" دون أن يفكر! فالمسلم اليوم متخبط بين العيش بأحكام الله جل وعلا ورسوله عليه الصلاة والسلام الشرعية وبين إملاءات وتوقعات مجتمعية لم يتساءل عن مصدرها من قبل. فتكون نقطة البداية ليتفادى المسلم فكرة العلمانية الخبيثة التي تحتل عقله بدون انتباه منه وقد تسرب إليه من خلال الوسائل الإعلامية التابعة للأنظمة الحاكمة وتشرب به من خلال المناهج التعليمية في سنوات دراسته الابتدائية والثانوية والجامعية وطُبق عليه عنوة وجبرا عنه من خلال القوانين الوضعية في الدساتير الغربية الاستعمارية المطبقة في بلاد المسلمين، تكون نقطة البداية ليزيل أتربة العلمانية عن عقله وقلبه. فحري بالمؤمن أن يتساءل ليستيقظ من غفلته عن مصدر هذه السياسات والقوانين والقرارات التي تُتخذ جبرا عنه؟ فهل هو راضٍ عن حال الناس في بلاده؟ عن حال أسرته، عن دينه وعِرضه وماله وأرضه؟ هل النظام التعليمي يليق بأبنائه، أبناء أمة محمد عليه الصلاة والسلام وأبناء خير أمة أخرجت للناس؟ فهو يعلم أن هناك مشكلة لكن ما سبب هذه المشاكل من حوله؛ تكميم أفواه في المساجد وظلم واستعباد وكُفر وقسوة قلوب وثقة مفقودة في المعاملات...؟ هل يعرف أسباب المشكلات المستعصية التي يعيشها هو والناس في هذه الأوقات الصعبة التي تمر بها الأمة من قتل وذبح وانتهاك أعراض واعتقالات وتعذيب وفقر وعوز وبطالة وعنوسة وإحباط وطموح مقتول وجهل وأمراض مزمنة...، والأسوأ أنه لا رأي سياسياً له! فمتى يختار المسلم من يحكمه بشرع رب العالمين ويحطم أصنام الكفر؟! فمشاكل المسلم جميعها تقع في إحدى هذه الدوائر! فهل هو يعلم ما هي حقوقه الضائعة وثرواته المنهوبة وما هي واجباته الشرعية؟ هل هو راضٍ عن حال أمته الإسلامية؟! إن هذه التساؤلات والانطلاق للبحث عن الإجابات الحقيقية والصحيحة لها بداية كسر قيد الاستغفال ومنع لاستمرار المؤامرة التي تُحاك ضد المسلمين. فليعلم المسلم من أين يُؤتى دينه ومن يكون عدوه وما دوره وكيف تكون العبادة وفقا لما أراد الخالق عز وجل له في هذه الحياة.

إن الأصنام من حولنا في زماننا هذا هي عبارة عن سموم فكرية وثقافية وإعلامية؛ فالعلمانية وبناتها كالرأسمالية والديمقراطية والليبرالية والمدنية كلها أصنام عادت بالبشرية إلى جاهلية ما قبل الإسلام؛ فنحن اليوم لا نعيش في كنف الحياة الإسلامية التي أمرنا بها الله عز وجل، تماماً كما كان يعيش الناس قبل الإسلام، والمخرج الوحيد والمنقذ هو إقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة لإعادة الإسلام سيرته الأولى تماماً كما فعل رسول الله r من قبلُ بإقامة دولة واحدة يحكمها رجل واحد يوحد الأمة الإسلامية تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله ويطبق الشرع ويحكم بما أنزل الله تعالى. فلنجعل هذه السنة الهجرية الجديدة منطلقاً للعمل لإقامة الدين والهجرة الحقيقية إلى النهضة الصحيحة بالإسلام والمسلمين.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة محمد حمدي – ولاية السودان

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو