الأمة الوسط يجب أن تكون مستعدة للتضحية بما تحبه في سبيل الله
June 01, 2019

الأمة الوسط يجب أن تكون مستعدة للتضحية بما تحبه في سبيل الله

الأمة الوسط يجب أن تكون مستعدة للتضحية بما تحبه في سبيل الله

(مترجم)

سيواجه المسلم العديد من الاختبارات والصعوبات والتحديات والإغراءات والانحرافات في طريق حمل الدعوة لإقامة نظام الله سبحانه وتعالى على الأرض. الشخص الوحيد الذي يتوق للجنة ولرضا الله أكثر من أي شيء في هذا العالم هو الوحيد القادر على التضحية بكل ما هو مطلوب على حساب مصالحه أو رغباته وطموحاته وحياته للاستجابة لأمر الله الذي ألزمه هو أو هي - أن يحمل مهمة الأنبياء، المتمثلة في إقامة دين الإسلام وإرجاعه قوة عظمى في هذا العالم.

التضحية تعني التخلي عما هو عزيز علينا - سواء أكان ذلك من وسائل الراحة لدينا أو الوقت والثروة أو الملذات أو الرغبات أو الطموحات أو المصالح - من أجل ما يتوق إليه قلبنا أكثر. رمضان هو تذكير كبير لهذا المفهوم، لأننا كمؤمنين نترك هذا الأمر الأكثر أهمية بالنسبة للإنسان - الطعام والشراب - من أجل رضا الله سبحانه وتعالى والفوز بالجنة، مع إدراك أن هذا يفوق متع الحياة وملذات هذا العالم.

ومع ذلك، لتحقيق دور "الأمة الوسط"، والالتزام بأن نكون كما يصفنا الله سبحانه وتعالى شهداء على الناس، يتطلب النضال والتضحية... وأكثر بكثير من مجرد تضحية عادية لعدد قليل من الرغبات. في الحقيقة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]، لذلك فإن المسلم الذي يفهم حقاً مدى خطورة واجبه في أن يكون شاهداً على الناس ويصل إلى أعلى مراتب الجنة، يقدر أيضاً أن هذا سيتطلب منه التضحية بما قد يكون عزيزاً عليه، مما قد يكون سهلاً أو مريحاً سواء في الوقت أو الجهد أو النوم أو الثروة، من أجل الله سبحانه وتعالى. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 92]

نرى هذا المستوى من "البر" في حياة الصحابة والصحابيات، مثل مصعب بن عمير الذي ضحى بأسلوب حياته الفخم كشاب، ومكانته العالية في المجتمع، وكل وسائل الراحة التي تمتع بها من أجل الإسلام وحمل رسالته إلى الناس؛ رأيناها مع سمية بنت خياط، أول شهيدة في الإسلام، ضحت بحياتها من أجل النطق بكلمة حق في وجه أعداء الإسلام؛ ورأيناها مع أبي بكر الصديق الذي ضحى بكل ثروته من أجل معركة تبوك لتعزيز هيمنة الإسلام في العالم. في الواقع، كان بسبب التضحيات العظيمة لأصحاب النبي  eوالمؤمنين الأوائل أن الإسلام انتشر في جميع أنحاء العالم، مما أدى بنا إلى أن نعتبر أنفسنا مسلمين اليوم.

ومع ذلك، فإن هذا المستوى من التضحية ليس سهلاً. لتحقيق ذلك يتطلب أن نتوق للجنة حقا ولرضا الله سبحانه وتعالى وتفضيل ذلك على جميع الأشياء الأخرى في الحياة. لا يمكن ببساطة أن يكون هذا شيئاً تعبر عنه ألسنتنا - بل يجب أن يكون واضحاً في أعمالنا وحياتنا. يتطلب إدراك أن حياتنا لا يمكن أن تكون حياة عادية يتم قضاؤها ببساطة من خلال السعي لتحقيق الملذات والراحة في هذه الدنيا أو الروتين العادي للحياة، أو حيث يكون تركيزنا الأساسي أو أولويتنا أو اهتمامنا على زيادة ثروتنا وممتلكاتنا أو تزيين منازلنا، أو بناء مكانة عالية لنا ولأطفالنا في المجتمع، أو الاستمتاع بترفيه وملذات هذه الدنيا. قال النبي  e، بعدما فهم المهمة العظيمة التي كلفه بها الله سبحانه وتعالى لتبليغ دينه سبحانه وتعالى للبشرية، لزوجه خديجة رضي الله عنها: «لَا رَاحَةَ بَعْدَ الْيَوْمِ يَا خَدِيجَةُ» وفي ذلك تأكيد على حقيقة أنه بالنسبة للشخص الذي يهتم بهذه الدعوة، كما هو واجب على كل مسلم، فقد انتهى وقت الاسترخاء والاستغراق في وسائل الراحة والثروة والطموحات الشخصية والأفراح المؤقتة لهذه الحياة - لأن هناك مخاوف أكبر بكثير يجب أن تستهلك الطاقات والتفكير والقلق - مكانة الإسلام في هذا العالم وموقعه بالنسبة للإنسانية. يتجلى هذا الشوق الحقيقي للجنة وكسب رضوان الله في كل شيء في مثال الشاعرة الخنساء، التي وقفت مع أبنائها الأربعة في معركة القادسية وحفزتهم على القتال في سبيل الله. وعندما سمعت أن الأربعة قد استشهدوا في المعركة، قالت: الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم وإني لأرجو أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.

سبحان الله!

ومع ذلك، فإن بهرجة هذا العالم، والخوف من فقدان وسائل الراحة لدينا أو اهتماماتنا يمكن أن تصرف انتباهنا، أو حتى تمنعنا من تحقيق هذه المهمة الهامة في الحياة المتمثلة في السعي لإقامة نظام الله سبحانه وتعالى على هذه الأرض. مما يمكن أن يحجب تلك الرؤية والتوق لدينا للوصول لمكانة عالية، الجنة. إذا كان هذا هو الحال، فعلينا أن نتذكر أن كل شيء في هذا العالم ليس سوى زخرفة هشة وضعها الله سبحانه وتعالى أمامنا، لمجرد اختبارنا في إيماننا - بشأن ما إذا كنا ننشغل بها أم لا، كما يقول في الآية التالية: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. [الكهف: 7] وبالتالي، هذا هو التذكير بأن الله سبحانه وتعالى يخبرنا أن جميع بهرجة هذا العالم هي مجرد ديكورات ويجب ألا تحتل في أعيننا وزنا أكبر مما تستحق، بحيث تمنعنا من طاعة ربنا سبحانه وتعالى. قال سبحانه وتعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف: 46]

علاوة على ذلك، أحد أعظم خداع الشيطان هو تضخيم سحر وملذات هذه الحياة في أعيننا بحيث تبدو أنها أكثر قيمة مما هي عليه في الواقع، حتى ننصرف عن مسرات الجنة وإهمال أوامر ربنا سبحانه وتعالى. يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: 5]

علينا أيضاً أن نفكر دائماً في حقيقة أننا جميعاً مدركون تماماً الطبيعة المؤقتة والقصيرة لجميع وسائل الراحة والملذات في دنيا والتي ستنتهي. في الواقع، هذه الحياة تشبه قطعة من الثلج تركت في الشمس فسوف تذوب وتتلاشى قريباً، في حين إن الآخرة التي خصصها الله سبحانه وتعالى بالنسبة لنا هي أبدية. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: 20]

ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ [الرعد: 26] لذا فإن أفراح هذه الحياة ليست سوى متعة عابرة ومضللة. هل نرغب حقاً في التضحية بالمسرات الأبدية للجنة بسبب الخوف من فقدان بضع لحظات مؤقتة من الراحة والسرور في هذه الحياة التي تشغلنا أو تعيقنا أو تمنعنا عن الوفاء بواجبنا الحيوي المتمثل في العمل على إقامة نظام ربنا سبحانه وتعالى، والخلافة على هذه الأرض؟

علاوة على ذلك، نحن بحاجة إلى أن نقدر حقاً كيف تقارن مباهج الدنيا غير المهمة والصغرى بالنعم الدائمة التي لا يمكن تصورها والتي تنتظر عبد الله الصالح في الجنة، حيث سيتم إعطاؤهم كل ما يمكن لقلبهم أن يتمناه وأكثر إن شاء الله. يقول الله تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38] ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان: 20]

الصحابة رضوان الله عليهم سألوا النبي e مم بنيت الجنة؟ فأجاب: «لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ مَنْ دَخَلَهَا يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ وَيَخْلُدُ لَا يَمُوتُ لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ»؛ وقال النبي e أيضاً، «وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ - وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ - فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ».

بعد النظر في كل هذا، يجب أن نسأل أنفسنا بالتأكيد... ما الذي نحن على استعداد للتضحية به من أجل رضا الله سبحانه وتعالى وأن نستحق هذه المسرات الأبدية؟ ماذا فعلنا من أجل قضية دينه، الإسلام، لكسب الحق في مثل هذه النعم التي لا يمكن تصورها؟ وكيف يمكننا أن نتحمل الخسارة لمثل هذه الفرصة الذهبية بالحصول على مكانة عالية في الجنة وعد أولئك الذين يحملون الدعوة لإقامة نظام الله سبحانه وتعالى على هذه الأرض؟ قد نأسف على ضياع فرص في الدنيا، ولكن لا يمكن أن يكون أي أسف بالتأكيد أكبر من الخسارة في الآخرة، بسبب اهتمامنا باقتناء أو الحفاظ على بهارج هذا العالم الفاني، الخادعة والمضللة!

قال عثمان بن عفان رضي الله عنه ذات مرة: "إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَعْطَاكُمُ الدُّنْيَا لِتَطْلُبُوا بِهَا الآخِرَةَ، وَلَمْ يُعْطِكُمُوهَا لِتَرْكَنُوا إِلَيْهَا، إِنَّ الدُّنْيَا تَفْنَى، وَالآخِرَةَ تَبْقَى، لا تَبْطَرَنَّكُمُ الْفَانِيَةُ، وَلا تُشْغِلَنَّكُمْ عَنِ الْبَاقِيَةِ، آثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى، فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ".

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. نسرين نواز

مديرة القسم النسائي في المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو