العنف ضد المرأة بمنظور شرعي
December 14, 2021

العنف ضد المرأة بمنظور شرعي

العنف ضد المرأة بمنظور شرعي

نظمت اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة، بالتعاون مع مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان، جلسة حوارية لمناهضة العنف ضد المرأة في الأردن، وتضمنت الجلسة التي تأتي في إطار حملة 16 يوما لمناهضة العنف ضد المرأة حلقة شاركت بها الأمينة العامة للجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة، ومديرة مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان في الأردن، والمنسقة الإقليمية للنوع الجنسي في المكتب الإقليمي لصندوق الأمم المتحدة للسكان ومدير إدارة حماية الأسرة.

تناقلت وسائل الإعلام موضوع العنف ضد المرأة، والذي تتصدر فيه الخطاب الجمعيات النسوية، بإشراف وتوجيه من الأمم المتحدة ومن نساء حملن لواء إخراج المرأة من عفتها وخدرها وراحتها، بحجة حرية المرأة، والبحث عن حقوقها التي تاهت في زحمة البعد عن حكم الله وشرعه، وتتبع خطا شياطين الإنس من الغرب الذي تنتشر فيه الرذيلة والفاحشة والجريمة وخاصة ضد نساء ليس لهن إلا ما كسبت أيديهن؛ يخرجن في عمر صغير في مدن اجتاحتها الجريمة التي تحسب بالثواني، من عنف واغتصاب، وقتل لتلك الضعيفة الجناح، وأرادوا بخبثهم أن ينقلوا هذه الصور، إلى بلادنا من خلال نشر النظام العلماني وفصل الدين عن الحياة، وبالتالي أصبحت المرأة التي كانت أماً وربة بيت وعرضاً يجب أن يصان، تجري وتلهث في تقليد تلك الصورة المشوهة، عن المرأة الغربية.

ولو عدنا إلى شرع الله فسنرى كيف كرم المرأة ورعاها؛ بنتاً وأماً وزوجة وأختاً في جميع مراحل حياتها، كما كرم الإنسان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم﴾، وممّا لا يخفى على ذي لب ما لقضية العنف ضد المرأة من أهمية كبيرة في القرآن الكريم الذي أكرم المرأة ووضعهـا في أعلى درجـات الاحترام والسموّ.

والعنف كمفردة يحمل في معناه أوجهاً متعددة؛ منها ما تدلل على مفاهيم العنف في القرآن، علماً أنها تتنوع من جهة المدح والذم، منها:

- القوة: قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ كما ينبغي التفريق بين استخدام القوة لرد العدوان فتسمى حينها دفاعاً، واستخدامها لضرب الآخرين بغير حق فيسمى عدواناً.

- ومن مرادفات العنف أيضا الإرهاب: قال تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ وردت في القرآن الكريم بمعنى الخوف.

- ومن مرادفات العنف الجهاد: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ وغير ذلك من المفردات القرآنية التي تحمل في معانيها دلالات العنف سواء أكان الممدوح منه أم المذموم.

وإلى جانب ذلك، فقد أوجب الله تعالى العدل وحرم الظلم، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.

 وقد تناول الفقهاء، معنى العنف فقهياً تحت مصطلح الإكراه، من دون استعمال مصطلح العنف إلا حديثاً، إذ عرّف الإمام جمال الدين الأسنوي الإكراهَ بأنَّه: "إلزام الشخص شيئا على خلاف مراده".

أما بالنسبة للمرأة، فقد ذكر القرآن الكريم المرأة مراراً وتكراراً، وكرمها وسمى سورة كاملة باسم سورة مريم، وأخرى سورة النساء. قال تعالى مكرماً المرأة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾.

وقد جعل الله تعالى المرأة قدوة لأهل الإيمان يقتدى بها، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وفي هذه الآيات دلالة واضحة، على تفنيد شبهة الخطاب الذكوري للفقه الإسلامي وغيرها من المطاعن التي توجه زوراً نحو القرآن الكريم بهضم حق المرأة والإقلال من شأنها.

أما مسألة المساواة بين الرجل والمرأة، التي صدعوا بها رؤوسنا وهم أصلا لا يعملون بها، ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ ولكن آيات القرآن أوضحت التساوي في الحقوق، ومن الآيات العامة التي وردت في تأكيد حقّ المرأة، خاصة على الرجل قول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ والمعنى: أي للنساء على الرجال من الحق، مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه من الحقوق والواجبات، بالمعروف. وكثيرة هي الأدلة في القرآن العظيم التي تدل على ذلك.

 وأما صور العنف المنهي عنه في القرآن الكريم، فهناك آيات عدة دلت على نبذ العنف تجاه المرأة وإيذائها، مؤكداً على إكرام المرأة والنهي عن إيذائها. قال الله تعالى‏:‏ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾.

والنهي عن الإيذاء القولي: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. تؤكد الآية الكريمة على صون المرأة من الكلام الفاحش والبذيء والسخرية.

وكذلك النهي عن إيذاء المرأة في سمعتها: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فالآية الكريمة تبين عظيم هذا الجرم، لما فيه من عظيم الضرر على المرأة، ولذلك كانت العقوبة عظيمة في حق من يعتدي على سمعة المرأة، تتناسب مع عظم تلك الجريمة.

وأما من يحاول الإيهام بوقوع العنف تجاه المرأة في القرآن الكريم: فمن أهم الآيات التي ينطلق منها الجهال والمغرضون لاتهام القرآن الكريم بالعنف تجاه المرأة، ما جاء في سورة النساء من آيات تقرر مفاهيم القوامة للرجل، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ والقرآن الكريم لم يقل الرجال سادة على النساء في دليل آخر على تكافؤ هذه الأسرة وتعاونها، إذ القوامة هنا تدور معانيها ومراميها حول القيادة الرشيدة والرعاية المحبة للأسرة، ولا تعني بأي حال الاستعلاء أو الإلغاء، أو الاعتداء على المرأة أو غيرها، من أفراد الأسرة.

 وفي حالة الشقاق أو الاختلاف بين الزوجين رتب الشرع حل هذه المشاكل على النحو التالي:

1ـ حسن النصح والوعظ

 2 ـ الهجر في المضاجع

3 ـ الضرب غير المبرح

4ـ تحكيم حكم من أهله وحكم من أهلها للإصلاح،

5 ـ الطلاق حين تنتفي جميع مراحل الإصلاح؛ التطليقة الأولى بطهر مرة واحدة ولا تخرج المرأة من دار زوجها وللرجل أن يراجعها في عدتها، وغيرها من الأحكام التي تقلل من إمضاء الانفصال بين الزوجين، قال تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾.

ومن تقدير ديننا العظيم للمرأة، أن كانت آخر وصايا النبي ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً».

لكن حذرنا من ممارسة العنف ضدها، ونهى عنه، ومن هذه الصور للعنف المنهي عنه في القرآن الكريم:

النهي عن ظلم الزوجات: أكد القرآن الكريم على العدل بين الزوجات واجتناب جميع مظاهر الظلم من الإيذاء والاعتداء الجسدي والنفسي، قال تعالى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾.

وأيضا هجران الزوجة بغير حق: كما في قصة خولة بنت ثعلبة زوجة أوس بن الصامت حين قال لها: أنت عليّ كظهر أمي، يريد تحريمها عليه، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.

النهي عن الإضرار بالمطلقة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾.

النهي عن الإضرار المادي للمرأة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾.

وهكذا نجد أن الله نهى عن إيذاء المرأة أو ممارسة العنف عليها ووضع عليها عقوبة تناسب ذاك العنف.

ولكن عندما ابتعد المسلمون عن دينهم وتحكيم شرع ربهم، صرنا نرى صور العنف والإيذاء للمرأة التي ضاعت حقوقها بضياع تحكيم شرع الله، ومهما صنعوا وابتكروا من منظمات ولجان ومؤسسات ليصدوا عن سبيل الله، ويكرسوا نظاماً وضعياً، وقوانين وهمية وينادوا بوقف العنف ضد المرأة، فلن يفلحوا أبدا. وما دامت الأحكام الوضعية مطبقة وحكم الله مغيباً فسيبقى الوضع كما هو، ولن تشعري أيتها المرأة بالأمان وتضمني حقوقك، إلا إذا عاد حكم الله في دولة خلافة راشدة تطبقه وترعى شؤون المسلمين، رجالا ونساء وتحميهم بخليفة يقاتل من ورائه، ويتقى به... عجل الله لنا بها.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نسيبة إبراهيم

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو