الأنصارية (أم ضي) وأزمة الوقود!
May 24, 2018

الأنصارية (أم ضي) وأزمة الوقود!

الأنصارية (أم ضي) وأزمة الوقود!

قصة الأنصارية أم ضي تلك المرأة التي عاشت في حالة إنكار دائمي لواقعها، فكانت لا ترى في نفسها بأنها شخص عادي، إنما هي صاحبة ملكات عالية، وتستطيع أن تعالج كثيراً من المشاكل التي تجابه النساء في مدينتها لقاوة غرب السودان، وذلك عن طريق ما يسمى (بالزار) الذي كانت تمارسه بمهارة عالية. وكذا لم تكن تعترف بكونها امرأة فكانت ترتدي الجلابية الأنصارية التي كنيت بها، وتلبس العمامة الخاصة بالرجال حاملة سوطها، تجوب الطرقات في أواخر الليل مستعدة لضرب كل من يجابهها. وقد بلغ بها الإنكار ذروته حينما قررت أن تعبر (خور شلنقو) وهي على ظهر ثورها محلقة في الهواء، وحينما حاول ابنها ثنيها عن هذه المغامرة المحكوم عليها بالفشل حتما، انتهرته وقالت نحن السيادي نحن الشيخ الزيبون الذي يطير في الهواء ثم أطلقت عنان الثور وما هي إلا لحظات حتى تعثر الثور فسقطت الأنصارية أم ضي وسقط متاعها عليها ثم ولى الثور هاربا تاركا الأنصارية على الأرض وهي تئن تحت الأحمال التي انهالت عليها. وهنا فقط أدركت الأنصارية أم ضي أنها امرأة ضعيفة عاجزة حتى عن النهوض.

هذه هي الحالة التي تعيشها وزارة النفط والغاز وهي في أشد حالات الإنكار عن وجود أزمة في الوقود. فقد صرح لصحيفة الصيحة الوزير المقال قائلاً: (نملك كمية من البنزين تغطي كل أنحاء السودان) كما أكد على عدم تأثير صيانة المصفاة على توفير الوقود حيث قال: (صحيح إن جزءاً منها تحت الصيانة ولكن الجزء الآخر يعمل ويغطي كل الاحتياجات). وجاءت تصريحات وزير الدولة بوزارة النفط سعد الدين البشرى أمام البرلمان لتفضح حالة الإنكار تلك، فقد اعترف بتفاقم أزمة الوقود بالبلاد وعجز الوزارة عن معالجتها وتأسف على عدم مقدرة الوزارة لتعويض الناس عن الخسائر التي لحقت بهم في المشاريع الزراعية ونفوق الحيوانات، كاشفا عن أن عدم توفير التمويل في الوقت المناسب للصيانة هو سبب أزمة الوقود مبيناً أن عملية صيانة المصفاة تحتاج إلى 102 مليون دولار لم توفر حتى الآن. وفي سياق متصل من حالات الإنكار فقد صدر عن وزير المالية محمد عثمان الركابي في الصحف الصادرة في يوم 2018/5/10 قائلا (إن أزمة الوقود التي شهدتها البلاد خلال المرحلة الماضية قد انتهت وإن تكدس الصفوف أمام محطات الوقود سببه حالة الخوف وعدم الاطمئنان التي عاشها المواطنون خلال الفترة الماضية) وفي صحف اليوم نفسه جاءت تصريحات وزارة النفط لتكشف حالة الإنكار التي يعيشها وزير المالية حيث صدر تصريح من وزارة النفط يقول: (الوقود درس قاسٍ للحكومة ولم نحدد وقتا لانفراج الأزمة).

إن وزارة النفط ظلت في حالة الإنكار التام للأزمة إلى أن وقع الفأس على الرأس، وهلك الحرث والنسل فدمرت آلاف الأفدنة من مختلف المحاصيل والخضروات، ونفقت الآلاف من الحيوانات، وكذلك اصطفت السيارات أمام محطات الوقود لساعات طوال أملا في الحصول على الوقود، بل بعضها ظلت في محطات الوقود حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي. اعترفت الوزارة وذرف وزير الدولة دموع التماسيح بعد أن اكتشف أن وزارته سقطت تماما كما سقطت الأنصارية أم ضي ولكن كان ابن الأنصارية أم ضي ذلك الابن البار كان إلى جوار أمه فحينما نادت عليه لينهض بها وجدته بجوارها فهُرع إليها وحمل تلك الأحمال التي كانت على ظهرها ونهض بها. أما هذه الحكومة فلا بواكي لها، ولن تجد من أبنائها وبطانتها من يبرّ بها ويأخذ بيدها.

إن حالة الإنكار هذه حالة عامة ومنهج ثابت تتعامل به الحكومة مع معظم المشكلات التي تمر بها البلاد بالرغم مما فيه من استخفاف بالناس، وتسطيح للعقول، ومع ذلك ظلت تتعامل بهذا المنهج، فحين بروز أزمة الدقيق أنكرتها، وكذلك أزمة السكر أنكرتها، وحينما كشفت امتحانات مادة الكيمياء أنكرتها، كما أنكرت حجرها على أموال الناس بالمصارف... وقد أنكر أحد مشايخ الإنقاذ التراجع عن المشروع الإسلامي!! مدعيا أن بعض المتربصين بالمشروع الإسلامي يريدون الانقضاض عليه (سبحان الله وأين هو المشروع الإسلامي هذا!!). لقد أصبح الإنكار منهجا تتبعه الحكومة للقفز على المشاكل أملاً في الإبقاء على الأوضاع تحت السيطرة!!

وللخروج من هذه الأزمة فقد قرأنا بعض الأطروحات منها ما قال به وزير الدولة بوزارة النفط حيث طلب من أعضاء البرلمان (الدعاء) لحل ضائقة الوقود، ولا أدري إلى من سيلجأ أعضاء البرلمان في دعائهم هذا! هل سيدعون صندوق النقد الدولي الذي يطيعونه ويجيزون توصياته! أم سيدعون الله الذي يعصونه ويشرعون من دونه؟ أما مقترح إمام مسجد الشهيد (الشيخ الكاروري) للخروج من أزمة الوقود فقد طلب من الناس أن يصلوا صلاة الاستسقاء لتوفير الوقود وقال إن صلاة الاستسقاء ليس للمطر وحده إنما هي عامة.

وقد علق أحد الساخرين قائلاً: (كان ينبغي أن يدعو لصلاة الاستنباع بدلا من صلاة الاستسقاء). أما عضو البرلمان الموقرة فقد ارتأت أن سبب الأزمة هم المغتربون الذين عادوا من السعودية، بسبب إجراءات ابن سلمان الطاردة، ويرغبون أن يعيشوا في الخرطوم وفي حالة رفاه، فيجب إدخالهم في معسكرات حتى يتعلموا حياة التقشف... نقول لهؤلاء وأمثالهم ما هكذا تورد الإبل!!

 إنه لحل أي مشكلة لا بد من الاعتراف بها أولاً، ومن ثم تحديد أسبابها وأبعادها وآثارها، ومن ثم البحث عن الحل الصحيح بالاستناد إلى قاعدة مقطوع بصحتها. ولا ننخدع فنتعامل مع آثار المشكلة وما تلبث إلا قليلا حتى تعود المشكلة بحجم أكبر أو بمظهر آخر. وقد تجلى منهج حل المشاكل هذا في الخليفة عمر بن عبد العزيز، فحينما أسند إليه أمر الخلافة نظر في الأمر مليا فوجد أن هنالك ثلاث مشاكل لا بد من حلها كي تستقر الأمور ولا يصلح القفز عليها، وذلك لأن همه كان مرضاة الله أولاً، ثم تحقيق مصالح الناس ثانيا وليس كرسي الحكم، فوجد أن هنالك مشكلة سياسية متعلقة بكيفية تولي الحكم...

ومشكلة مالية، إذ إن خزينة بيت المال كانت خاوية... ومشكلة اقتصادية متعلقة بشح الإنتاج وقلة الموارد. فبعد أن صعد المنبر وحمد الله وأثنى على رسول الله r. قال للناس إن هذا الأمر أسند إليَّ بغير علم مني ولا مشورة منكم، وهذا لا يصح في دين الله والأمر موكول إليكم. فاختاروا من ترونه أهلاً لذلك. فأجمع الناس على اختياره... ثم عمد إلى المشكلة المالية وكان يعلم أن هنالك (قططاً سماناً) أخذت المال بغير وجه حق، ولكنه كان حريصا على تنظيف يد أهل بيته أولا، لذلك طلب زوجته وهي ابنة الخليفة عبد الملك بن مروان فطلب منها أن تأتي بكل المال الذي ورثته من أبيها وكان يرى فيه شبهة، وقال لها أنا وأنت وهذا المال لن نعيش تحت سقف واحد، فاختارته دون المال فوضعه في بيت مال المسلمين... ثم عمد إلى كل الذين أخذوا مالاً بغير وجه حق فأعاده إلى بيت المال مبتدئا بأبناء عمومته من أمراء بني أمية، ثم انتقل إلى الآخرين فجمع تلك الثروة في بيت مال المسلمين. ومن ثم التفت إلى الضائقة المعيشية فأخذ تلك الأموال كلها وبنى بها بنية تحتية قوية للزراعة، فشق القنوات وأصلح الأراضي وأقرض المحتاجين، وما هي إلا بضعة أشهر حتى جمع مالا وفيرا من الزكاة والخراج، فجابوا الأمصار فلم يجدوا فقيراً يأخذ الزكاة ولا معسرا في دين ولا أيما يريد الزواج إلا وكفوه، وما تبقى من الحبوب نثروه على سفوح الجبال بأمر منه وقال قولته الخالدة إلى أبد الدهر (انثروا الحب على رؤوس الجبال حتى لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين).

إن الناظر في واقع السودان يجد أن هذه المشاكل التي جابهت الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز هي عينها التي تواجهنا اليوم... وما بقية المشاكل إلا استنساخ وتفريع لهذه المشاكل. فإذا اتبعنا المنهج ذاته الذي اتبعه عمر بن عبد العزيز فسنصل إلى النتائج نفسها بإذن الله. فهل من عزيمة؟!

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس حسب الله النور - الخرطوم

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو