العقل والإيمان
العقل والإيمان

أصبحنا نسمع كثيرا من المسلمين عامة والشباب خاصة أسئلة مثل: إن كان كلّ شيء موجود في هذا الكون لا بدَّ له من موجِد يوجده وهو الله سبحانه فمن أوجد الله؟

0:00 0:00
السرعة:
February 04, 2024

العقل والإيمان

العقل والإيمان

أصبحنا نسمع كثيرا من المسلمين عامة والشباب خاصة أسئلة مثل: إن كان كلّ شيء موجود في هذا الكون لا بدَّ له من موجِد يوجده وهو الله سبحانه فمن أوجد الله؟

وللإجابة على هذا السؤال العقلي بزعمهم، لا بدَّ لنا أولا من تعريف العملية العقلية (التفكير)؛ فالتفكير هو نقل الواقع المحسوس إلى الدماغ عن طريق الحواس ومعلومات سابقة يربط الدماغ الصالح للربط بينها وبين الواقع ويصدر حكما على الواقع. (كتاب التفكير للشيخ تقي الدين النبهاني، بتصرف)

وبهذا يتبين لنا أن العملية العقلية لها أربعة أركان أساسية (الواقع، الحواس، المعلومات السابقة، الدماغ)، ولنثبت كلَّ ركن من أركان العقل بمثال:

1- فلو سألتكَ عن الموضوع الذي يتحدث عنه كتاب موجود في غرفتي بالمنزل، فالعاقل لا يجيب لأنه لم ير الكتاب فغاب هنا واقع التفكير.

2- أما عن الحواس فلا منطق في سؤال شخص أعمى عن لون الكتاب فلن يعرف لأنه قد غابت عنه حاسة البصر.

3- وأما المعلومات السابقة فلو أحضر لك شخص كتابا باللغة الإسبانية لتقرأه فلن تقدر لأنك لا تعلم الإسبانية، وهذا يثبت أهمية المعلومات السابقة في عملية التفكير.

وبهذه الأمثلة يتضح لنا أنَّ العقل لا يمكنه التفكير إذا غاب عنه أحد أركانه (الواقع، الحواس، المعلومات السابقة، الدماغ). ومن التعريف السابق يتبين لنا أنّ عقل الإنسان محدود لأنّ جميع أركانه محدودة؛ فنجد أنّ العقل محصور في الواقع وهو الكون والإنسان والحياة. وأما الله سبحانه وتعالى فذاته وراء الكون والإنسان والحياة، فلا يوصف بأنه عاقل من يحاول التفكير في الله سبحانه وتعالى بالعقل فقط، فقد أعطانا الله سبحانه وتعالى العقل لنتدبر آيات الله، ويتضح ذلك في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾، والتدبر إنما هو أعلى مستوى من مستويات التفكير؛ فالتفكير إما أن يكون سطحيا مثل أن يقول قائل إذا سخنت الماء يغلي، أو عميقا كأن يقول إن الماء يغلي عند درجة حرارة 100 مئوية بسبب زيادة سرعة جزيئات الماء لاكتسابها طاقة، كالذي يدرس في الجامعات والمدارس ونحوها. وأما التفكير المستنير (التدبر) فهو التفكير في المادة وما حولها؛ فغليان الماء عند هذه النسبة المحددة (100 مئوية) إما أن تكون هذه النسبة جزءاً من المادة أو أن تكون مفروضة عليها، أما كونها جزءاً من المادة فغير صحيح لأن درجة الغليان مرتبطة بالضغط الجوي الذي يكون فيه الماء، ففي أعلى قمة الجبل حيث الضغط يساوي نصف الضغط الموجود في مستوى البحر يبدأ الماء في الغليان عند خمس وثمانين درجة مئوية فقط. إذاً فهي مفروضة على المادة ولا بدَّ من فارضٍ لها وهو الله سبحانه وتعالى. وبالتدبر في الكون نجد أنَّ الكون يسير ضمن نظام لا يحيد عنه، وهذا النظام ليس جزءاً من الكون بل هو مفروض عليه، فلا بد من فارض لهذا النظام وهو الله سبحانه وتعالى.

فإدراك أثر فعل الخالق قطعي لا ينكره عاقل، فالإنسان لم يخلق نفسه ولا عضوا من أعضائه ولا يستطيع أن يغير شيئا من خواصه، فهو يجوع ويشعر بالعطش ومعدته تهضم الطعام وكبده ينقي السموم وكل عضو يقوم بعمله منذ ولادة الإنسان دون إرادة منه.

فهذا وغيره من الآيات الكثيرة تدل دلالة قطعية على وجود الخالق، وإن لم ندرك ذاته. فنحن نؤمن بوجود الجاذبية إيمانا قطعيا ولم نرها، فقط أدركنا أثرها... فوجود مدبر للكون أمر قطعي، وعدم إدراكه يجب أن يكون من مقويات الإيمان وليس من عوامل الارتياب والشك لأن وجوده قطعي وعدم إدراكه ليس معناه أنه ليس موجودا لأن دليل وجوده قطعي، بل إن عدم إدراكه دليل على عجز ومحدودية الإنسان.

ولهذا فإن قولهم كل موجود له موجد فمن أوجد الله، قولٌ باطل متناقض لأن إثبات الألوهية يقتضي أن الله هو الخالق وأنه ليس مخلوقا لأنه لو كان مخلوقا ما كان خالقا، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الرحمن شاكر – ولاية مصر

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو