الأسرة المسلمة: نموذج يجب أن يحتذى به
الأسرة المسلمة: نموذج يجب أن يحتذى به

عث الله رسوله بالهدى... بعثه ليكون الإسلام الدّين الذي رضيه الله لعباده فنظّم بأحكامه حياتهم وسيّرها بها. اهتمّ بكلّ كبيرة وصغيرة ووفّر المعالجات لكلّ المشاكل التي تعترض الإنسان في أسرته وفي مجتمعه، فعاش مطمئنّا تحيطه رعاية الإسلام وأحكامه من كلّ جانب. فالإسلام عقيدة انبثق عنها نظامها، وحين ساد العالم حكَمَه فأحسن حُكمَه وقاده فكان أفضل قيادة جمعت الإنسانيّة تحت راية لا إله إلّا الله، وطبّقت فيها أحكام الخالق فعمّ العدل وحلّت الطّمأنينة.

0:00 0:00
السرعة:
October 21, 2018

الأسرة المسلمة: نموذج يجب أن يحتذى به

الأسرة المسلمة: نموذج يجب أن يحتذى به

بعث الله رسوله بالهدى... بعثه ليكون الإسلام الدّين الذي رضيه الله لعباده فنظّم بأحكامه حياتهم وسيّرها بها. اهتمّ بكلّ كبيرة وصغيرة ووفّر المعالجات لكلّ المشاكل التي تعترض الإنسان في أسرته وفي مجتمعه، فعاش مطمئنّا تحيطه رعاية الإسلام وأحكامه من كلّ جانب. فالإسلام عقيدة انبثق عنها نظامها، وحين ساد العالم حكَمَه فأحسن حُكمَه وقاده فكان أفضل قيادة جمعت الإنسانيّة تحت راية لا إله إلّا الله، وطبّقت فيها أحكام الخالق فعمّ العدل وحلّت الطّمأنينة.

لكن مع غياب الإسلام وأحكامه عن حياة المسلمين توالت المصائب عليهم وصاروا كالأيتام على مأدبة اللّئام تتقاذفهم مصالح الدّول الاستعماريّة الجشعة التي تتكالب على الفوز بثروات أراضي المسلمين والتي تسعى جاهدة لإقصاء الإسلام تماما عن الحياة لتحلّ محلّه حضارتها المادّيّة العفنة.

غاب الإسلام فصار الإنسان "ميّتا" تسيّره الغرائز والحاجات، لا همّ له سوى إشباعها وبأيّ طريقة كانت. يسير في هذه الدّنيا بلا هدى بعد أن كان الإسلام نوره ونبراسه يحيا به حياة طيّبة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.

غاب الإسلام فتحوّلت الأسرة المسلمة المطمئنّة التي يحفّها التّفاهم والحبّ والانسجام إلى حلبة صراع كلّ فرد فيها يحسب أنّه على صواب والآخر يناقضه ويتسبّب في إزعاجه وقلقه. فحين نتأمّل حال الأسرة المسلمة اليوم وما آلت إليه نراها مشتّتة مفكّكة يتخبّط أفرادها في واقع يحكمه نظام رأسماليّ فاسد ينشر مفاهيم غربيّة تتعارض مع ما جاءت به عقيدتهم الإسلاميّة من مفاهيم، فباتوا غرباء منفصلين عن أحكام دينهم تتقاذفهم مفاهيم هذا النّظام الرّأسماليّ المطبّق عليهم والمطْبِق على أنفاسهم، تتلهّف أنفسهم لدينهم وأحكامه التي حصّنت الأسرة وصانتها لتصنع أجيالا متوازنة ثابتة قويّة تدافع عن دينها وتنصره وتنشره في العالم ليخرجه من ظلمات الأنظمة الوضعيّة النّاقصة إلى نور الإسلام الكامل.

لإقامة بيت مسلم وضع الإسلام أحكامه ليؤسّسه على ركائز متينة وثابتة: وأوّلها أن يبنى البيت وقد جمع بين زوجين مسلمين صالحين، وقد حثّ الله عباده على اختيار الزّوج الصّالح والزّوجة الصّالحة «اخْتَارُوا لِنُطَفِكُمُ الْمَوَاضِعَ الصَّالِحَةَ» إذ إنّ البيت قلعة لا بدّ من تحصينها ولا بدّ أن تكون قويّة متينة متماسكة تقف أمام الهزّات والتّحدّيات.

تقوم الأسرة في الإسلام على العشرة الطّيّبة والخلق الحسن... قال أبو الدّرداء لامرأته "إذا رأيتني غضبا فارضيني وإذا رأيتك غضبى راضيتك وإلّا لم نصطحب". وحثّ أفرادها على الطّاعة والعبادة، فعلى المسلم أن يحسن معاملة أهله وينصحهم ويذكّرهم بالأعمال الصّالحة ويغرس فيهم التّنافس على الخيرات والسّعي للفوز بالحسنات ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.

يعتصم الوالدان بالله ويلتزمان بما فرضه من أحكام فيربّيان أبناءهما عليها ويرعيانهم خير رعاية. يعلّمانهم دينهم ويرغّبانهم في الجنّة وما قرّب إليها من أعمال ويرهّبانهم ويخوّفانهم من النّار ومن الأعمال التي تقذف بهم فيها.

فالأسرة المسلمة بنيت على طاعة الله، جمع بين الزّوجين رباط وثيق قويّ ومتين فسعى كلّ منهما للبحث عن شريك يعينه على أمر دينه يقوّمه إن أخطأ ويحثّه على القيام بالطّاعات ونيل رضا ربّ السّماوات. أخرج الإمام أحمد في مسنده بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله e: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ».

هكذا هي حياة الزّوجين؛ يعملان ليرضيا ربّهما ويعين الواحد منهما الآخر على الطّاعة، وعلى هذا يقومان برعاية الأبناء وعلى هذه الأسس يربّيانهم. أخرج مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنّه سمع النّبيّ e يقول: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ، فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ».

على الزّوجين أن يقسّما ويوزّعا المسؤوليّات حتّى تسير السّفينة بتعاون بين ركّابها، كلّ له دوره يقوم به بحبّ ورضا ومودّة ورحمة. عن الأسود قال: سألت عائشة: ما كان النّبيّ e يصنع في بيته؟ قالت: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ - تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ - فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ». (رواه البخاري)، هكذا كان خير من أرسله ربّ العالمين رحمة لهم خيرهم لأهله. كان رحيما ودودا لزوجاته معينا لهنّ. هكذا ربّى المسلمين وهكذا أرسى دعائم الأسرة المسلمة فبدأ بالزّوجين اللّذين يقومان على الأبناء ويربّيانهم فحدّد لهما المسار الشّرعيّ لبناء شخصيّات الأبناء.

عليهما أن يعلّما أبناءهما أنّ لله الخلق والأمر وأنّ له الحكم كلّه لا شريك له. يرسّخان فيهم الاعتزاز بدينهم والعمل على نصرته وإعلاء كلمته. يعلّمانهم الكلمات الطّيّبة التي علّمها رسولنا وقدوتنا لابن عمّه عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما «يَا غُلامُ، إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فاَسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلامُ،وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».

يجمع بين أفراد الأسرة المسلمة الحبّ في الله يجتمعون عليه ويتعاونون فيما بينهم على البرّ والتّقوى فيتنافسون على القيام بالطّاعات ويُؤْثِر كلُّ فرد الآخرينَ على نفسه فيحيا محبّا لهم عاملا لإرضائهم ما دام في ذلك إرضاء لربّه. هذا ما تكون عليه الأسرة المسلمة ما دام الإسلام يسيّرها ويضبطها ويحميها ويصونها فإذا غاب عنها الإسلام تحوّلت إلى أسرة مفكّكة أوصالها تخيّم عليها الأنانيّة وحبّ الذّات.

هذا هو النّموذج الذي يجب أن يُحتذى به! هذه هي الأسرة التي يجب أن تكون في بلاد المسلمين! إنّ الاقتداء بهذا النّموذج يقتضي تغييرا جذريّا للأفكار والمفاهيم السّائدة... يستوجب اجتثاث هذه الحضارة العفنة التي قبعت على أنفاس المسلمين وجعلتهم يحيون منبتّين غرباء مذبذبين!! على المسلمين إعادة مفاهيمهم النّقيّة الصّافية التي زيّنت حياتهم وجعلتهم يحيون مطمئنّين أعزّاء أقوياء قادة سادة لهذا العالم!

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التّحرير

زينة الصّامت

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو