الأسرة هي الأصل في مجال عمل المرأة  (أمّ وزوجة وربّة بيت)
October 22, 2018

الأسرة هي الأصل في مجال عمل المرأة (أمّ وزوجة وربّة بيت)

الأسرة هي الأصل في مجال عمل المرأة

(أمّ وزوجة وربّة بيت)

لقد أحكم الله عزّ وجلّ توزيع المسؤوليات بين الرجل والمرأة، بتشريع يوافق طبيعة كل منهما حق التوافق، وإنصاف يعطي لكل منهما حجمه ودوره الطبيعي في الحياة. وإنه لا مجال للمقارنة والمفاضلة بين دوريهما، ذلك أن الله سبحانه قد قيّد الذكر والأنثى على حدّ السواء بأوامره ونواهيه كما جعل جزاء الأعمال بالثواب والعقاب لمن يعمل مثقال ذرّة من خير أو مثقال ذرّة من شرّ دون التفريق بينهما. ومن هنا، كان الأصل في أعمال الإنسان المسلم هو التقيّد بأحكام الشرع، بغضّ النظر عمّا إذا كانت للذكر أو الأنثى أو للإنسان عامة دون خصوصية... وكان الالتزام بالمفاهيم الإسلامية والأحكام الشرعية من منطلق الإيمان بأحقيّة الله سبحانه في التشريع والرضا بأحكامه بقناعة تامة وتسليم، بوصفها هي الحق والخير والعدل وما عداها هو الضلال.

من هنا كانت وظيفة المرأة المسلمة في مؤسسة الأسرة بوصفها أمّا وزوجة وربة بيت هي مهمّة شرعية قد عني التشريع الإسلامي بها لما للأسرة من مكانة عظيمة، وما للمرأة من دور مهمّ فيها يتوافق مع فطرتها، فخصّها الإسلام بأحكام الولادة، والإرضاع، والحضانة والأمومة وكانت هذه المسؤولية أهم أعمالها ‏وأعظم أدوارها لأن في هذا العمل بقاء النوع ‏الإنساني واستمراريّته، ودور الأمومة في هذه المرحلة أبرز من دور الأبوة لأن المرأة هنا هي أداة لحفظ النوع! كما أن الأمومة لا تنحصر فقط بالإنجاب، بل مع ذلك تربية ورعاية وإنشاء وتكوين للأبناء، هذه المسؤولية التي تشرف عليها المرأة هي في حقيقتها عمليّة صناعة للأجيال في الأمة!

والمرأة المسلمة الواعية تُدرك جيّدا أن قضيّتها في حياتها هي أمتها ونهضتها، ولا تعرف قضيّة غيرها، لذلك فهي تعي جيّدا حجم المسؤوليّة التي أوكلها الله لها في بناء أمتها من خلال رسالة الأمومة، ومن خلال ما تقتضيه هذه المهمّة من تسخير للطاقة والجهد والتفرّغ بالوقت من أجل إتمام عملها بإتقان وأدائه على الوجه الذي يُرضي خالقها، وهذا ما تعنيه كلمة "الأصل في المرأة أم وربة بيت"، أي أن عملها الذي يتصدّر قائمة أولوياتها مكانه البيت حتى تُعطيه حجمه وتستوفيه حقه...

وكلمة البيت في هذا المقام، ليست استصغارا لحق أو استهانة بدور، كما يُروّج له بالمفهوم الغربي النفعي، بل هو ظرف مكاني لتحديد مهامّها، إذ إن البيت في هذا السياق يشمل رعاية الأبناء والزوج وتوفير الاحتياجات المادية والمعنوية، من طبخ وتنظيف وغسيل وتربية ومتابعة للأطفال ومعاشرة للزوج وطاعة له فيما أجازه الشرع، وحفظ السرّ والمال والعرض، وما يحتاجه هذا العمل من فكر وعلم ومشاعر وأحاسيس وحسن إدارة وتصرّف وما تقتضيه هذه المسؤوليّة الجسيمة من جدية وصبر وعطاء وجهد وبذل وسع، فأين ستؤدّي كلّ هذا إن لم يكن في بيتها، وكم يتطلّب هذا العمل من وقت إن لم يأخذ أكبر حيّز من حياتها؟؟

وإنه حقّا من الجهل أن ندّعي بأن الحياة الأسريّة والزوجية على وجه التحديد هي شراكة في الأدوار والمسؤوليّات، إذ إن هذا الفهم لا ينطبق مع الشرع ولا مع الفطرة، فلا يمكن فعلا مشاركة الأدوار الأسرية، إذ إنّ لكل فرد دوره الذي يتماشى مع طبيعته في الحياة ويتوافق مع طاقته وفطرته. ولأنّ عمل المرأة في بيتها يتطلّب جهدا كافيا ووقتا كبيرا، فلم يفرض عليها الشرع مسؤولية الإنفاق وإعالة الأسرة ماديا، بل جعله فرضا على الرجل يأثم على تركه أو التقصير فيه، ولهذه المسؤوليّة كذلك ظرفها المكاني وهو خارج البيت عموما ولها مقتضياتها ومتطلباتها، أوكلها الشرع للرجل بما يتماشى مع طبيعته كذكر فيه معاني القوامة والحماية والقوّة البدنية ممّا يؤهّله لهذه الوظيفة طبيعيا لما عليه من موجبات الإنفاق والرعاية. فلا يمكن أن تكون الحياة الزوجية إذاً شراكة في الأدوار بل هي التزام بالمسؤوليات وفق ما حدده الشرع، ولا يمكن للمرأة مثلا أن توازن بين دور الأمومة والقوامة، كما لا يمكن للرجل أن يوازن بين دور الإنفاق وعمل البيت، لأن لكل عمل خصوصياته ومؤهّلاته.. وهذا جزء من حديث رسول الله r بيّناً واضحا في تحديد المسؤوليات «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا...» أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمر.

وقد ربط الشرع عظم هذه المسؤولية الموكولة للمرأة بعظم الأجر الذي تناله، عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله r: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ». رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ولأن الإسلام جاء بأحكامه من الوحي ليُيسّر بها حياة الإنسان وليخلق التناسق والتوازن في تلبية إشباعاته وانسجاما مع طبيعته لا ليُرهقه ويُعسّر شؤونه فتصبح الحياة الزوجية شقاءً وتعاسة وجورا، بل ليخلق داخل الأسرة حالة الاستقرار والسكينة والطمأنينة إذا ما التزم كل طرف فيها بدوره ومسؤوليته فقد قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]

وحتى لا يُفهم من كل ما سبق عرضه من كون عملها الأصلي أنها أم وربة بيت أنها محصورة في هذا العمل، وأنها ممنوعة من مزاولة غيره من ‏الأعمال، فإنّ لها التزامات شرعية أخرى شأنها شأن الرجل كالصلاة والزكاة والحج وحمل الدعوة وطلب العلم وغيره... ولها أن تعمل في الحياة العامة كما تعمل في الحياة الخاصة وأجاز لها الشرع البيع، والإجارة والوكالة. وجعل لها أن تزاول الزراعة والصناعة كما ‏تزاول التجارة، وأن تتولى العقود، وأن تملك كل أنواع الملك، وأن تنمي أموالها. وأن تباشر شؤونها في الحياة بنفسها، وأن ‏تكون شريكة وأجيرة، وأن تستأجر الناس والعقارات والأشياء، وأن تقوم بسائر المعاملات... لها أن تقوم بكل هذه الأعمال بشكل لا يتعارض مع دورها كأم وكزوجة وكربّة بيت ولا يؤثر في التزامها بهذا التكليف الشرعي ولا يتعدّى على وظائفها الطبيعية أو يحرمها منها أو حتّى يُعرّضها للتقصير أو الإهمال.

لذلك فالدولة في الإسلام هي دولة رعاية لشؤون الناس، وهي التي تنفّذ الأحكام لتنظّم بها حياة الفرد والجماعة، فتكون النفقة حقا ملزما للمرأة من وليّ أمرها أو من الدولة مباشرة إن عجز ولي أمرها عن تأمينه، حتى مع قدرتها على العمل، وتعمل الدولة في الإسلام على توفير مواطن العمل بما يتناسب مع احتياجات الناس وما يتوافق مع طبيعتهم، والأهم من ذلك وفق ما نص عليه الشرع بحيث يضمن للمرأة أن تحظى بفرصة للعمل خارج بيتها دون تفريط في وظيفتها الأصلية داخل بيتها من حيث طبيعة الشغل وساعات العمل وظروفه.

إنّ الواقع الذي تعيشه المرأة المسلمة اليوم بغياب تطبيق الإسلام في حياتها قد ظلمها كثيرا وأهانها، إذ إن وظيفة ربة البيت وما تعنيه من عظم مسؤولية أصبحت تُنعت فيها بالعاطلة عن العمل، لأنه لا يُعتبر عملا ذا قيمة بالميزان النفعي، كما أن خروجها للعمل قد حرمها من حقوق كثيرة أولها حق الأمومة والتمتّع بأطفالها وقضاء الوقت معهم ومتابعتهم في التربية الفكرية والنفسية والسلوكية، وقد جعل من حياتها ركضا وراء الاستحقاقات المادية ممّا سبب لها ضغطا أسريا جعلها تفرّط في دورها كزوجة تُوفّر لزوجها أسباب الراحة والهناء داخل البيت أو كأمّ ترعى أبناءها وتُراقب تربيتهم أو كربة بيت تهتم بنظافة بيتها ومترتّباته، ولأن سوء تقدير الأولويات وتوزيع المهام يهلك صاحبه، فإن حالة التوتر الذي تعيشه أغلب النساء العاملات قد أثّر في نفوسهن نظرا لحجم الضغط الذي يعشنه داخل البيت وخارجه، ممّا جعلهنّ يقبلن على وظائفهن الطبيعية باستياء أو يعتبرن الجهود المبذولة لذلك تفضّلا وليست واجبات مما جعل الإقبال شديدا على الحاضنات والخادمات ودور الأطفال في محاولة لتحقيق التوازن!

والتفريط في وظيفة هي الأصل للمرأة قد سببّ مشاكل مجتمعية كثيرة، منها حالات الطلاق المرتفعة وخراب بيوت كثيرة وإهمال النشء والإقبال المتزايد على تحديد النسل خوفا من زيادة الإنجاب وإهمال البيوت ورفع متطلبات المستوى المعيشي ليُغطي رواتب المعينات المنزلية والحاضنات وحتى المستشارين النفسيين! ولا يمكننا إنكار أن الكثير من النساء يتألّمن من هذه الوضعية البائسة التي تعدّت على طبيعتهن الأنثوية وحرمتهنّ من تحقيق وظائف متماشية مع فطرتهن، لكن تأمين العيش الكريم لأسرتها أصبح واجبا عليها في ظل منظومة رأسمالية جائرة تستنزف طاقتها وجهدها وتسلبها حقوقها.

لقد ضمن الإسلام للمرأة حياة مطمئنّة آمنة تتناسق فيها طبيعتها مع أحكام ربها الذي خلقها وصوّرها وعلم فطرتها واحتياجاتها فتحيا بشرع ربها في سكينة واستقرار وهناء، ولأنّ علاقاتها بربها وبالإنسان وبنفسها مترابطة فيما بينها، فلن تستطيع أن تحقق وضعيّة الانسجام هذه دون أن تطبّق كل الأحكام الشرعية التي تربطها بهذه الحياة، فتنال بها خيري الدنيا والآخرة فكان عملها لإقامة الخلافة الراشدة وخوض الصراع الفكري والكفاح السياسي مسؤولية شرعية إلى جانب مسؤوليتها كأم وزوجة وربّة بيت حتى تقيم شرع ربها كاملا وتلقاه وهو سبحانه راض عنها.

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نسرين بوظافري

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو