الأسرةُ المسلمةُ... تفكّكٌ ستَجبُرُه الخلافةُ الرّاشدةُ الثّانيةُ!
October 17, 2018

الأسرةُ المسلمةُ... تفكّكٌ ستَجبُرُه الخلافةُ الرّاشدةُ الثّانيةُ!

الأسرةُ المسلمةُ... تفكّكٌ ستَجبُرُه الخلافةُ الرّاشدةُ الثّانيةُ!

داهم الأسرة المسلمة خطر التّفكّك فصار يهدّد كيانها ويمزّق أوصالها وينذر بتحطيمها وفكّ الرّوابط بين أفرادها. لقد تحوّلت الأسرة التي سادها الحبّ والوئام والتّلاحم والانسجام إلى مجموعة تراها من الخارج كلّا وهي من الدّاخل أشتاتا تجمعها جدران المنزل أو طاولة الطّعام... بيت يعيش فيه الواحد غريبا عن الآخرين فلا يشاركهم مشاغله ومشاكله الخاصّة! تفكّك أصاب أفراد الأسرة ومزّقهم وجعلهم يحيون فرادى يتألّمون لما آلت إليه حالهم: غربة، وحدة، حزن، وضياع...!!

طغت على الأسرة - المؤسّسة الأولى والرّئيسيّة التي يتربّى فيها الطّفل فيحصل على المفاهيم ليطبّقها في حياته وتصقل شخصيّته - ظواهر عديدة من شأنها أن تقوّض كيانها. صار الأبناء لا يأبهون لآبائهم ولا لنصائحهم: العناد عنوانهم والأنانيّة عتادهم لا يرون في عقوقهم للوالدين إثما ولا خطأ... أمّا الآباء فليسوا بُرَآء ممّا آل إليه حال أبنائهم بسبب تساهلهم في القيام بوظيفتهم التّربويّة فانحسرت بذلك وظائف الأسرة وتعدّدت المشاكل فساد الجفاء وانقطعت أواصر المحبّة وصار لكلّ فرد عالمه الخاص...

داء خطير أصاب الأسرة المسلمة: التّفكّك العائلي وهو مشكلة كبيرة لا تقلّ أهمّيّة عن المشاكل الكثيرة التي تعاني منها الأمّة الإسلاميّة. فما أسبابه؟ وكيف يمكن علاجه؟؟

التفكّك العائليّ هو انحلال الرّوابط الأسريّة وضعف المحبّة واضمحلالها بين الأفراد إذ تصبح علاقتهم جافّة لا تعرف للمودّة طريقا، ويتحوّل البيت إلى "نزل" يأوي إليه الفرد ويأكل فيه. مسافة شاسعة باعدت بين أفراد العائلة وصار كلّ واحد منهم يعيش غريبا عن الآخر... الأمر على درجة كبيرة من الخطورة، فبتفكّك العائلة يتفكّك المجتمع وتنحلّ أمّة الإسلام التي أولت الأسرة أهمّية بالغة؛ فدينها علّمها ذلك وبيّن أنّ صلاح المجتمع واستقراره مرتبط بهذه الخليّة.

قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم موَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21] فالمنزلُ مقرّ للسّكينةِ والعيش الهنيء والاستقرارِ، تجمع بين أفراد ساكنيه المحبّة والرّحمة وتربط بينهم معرفة أحكام الإسلام فيتنافسون لنيل الخيرات... يرعى الأب أهل بيته وتطيع الأمّ زوجها وتسعده وتربّي أبناءها وتحيطهم بحبّها وعطفها، أمّا الأبناء فيتسابقون لإرضاء والديهم وطاعة ربّهم. يعرف كلّ واحد منهم حقوق الآخر ويسعى للقيام بها لنيل رضاه ورضا ربّه. غرس الإسلام مفاهيم راقية تجعل الرّوابط الأسريّة وثيقة وفريدة فحدّد الأدوار وجعل لكلٍّ وظيفته يكمّل الواحد الآخر لتبحر السفينة لا تزعجها رياح ولا عواصف، يقودها ربّان ويساعده معاونون وكلّ منهم يقوم بدوره المنوط بعهدته لتصل بهم إلى برّ الأمان: رضوان الله ودخول جنّته.

إنّ العلاقة بين الرّجل والمرأة علاقة سلم ووئام وتكامل وانسجام لا علاقة حرب يكثر فيها النّزاع والصّراع والخصام. فكلّ طرف يعلم وظيفته ويكمّل الواحد منهما الآخر. في شكواها للرّسول r زوجها قالت خولة "...يا رسول الله عيالي إن تركتهم ضاعوا، وإن أخذتهم جاعوا...". وعي وفهم للأدوار وضّحته خولة رضي الله عنها فهي على يقين أنّ عليها تربية الأبناء وعلى الوالد الإنفاق عليهم، فيكمّل الواحد الآخر ويتربّى الأبناء تربية صحيحة لا قسوة فيها ولا تدليل حتّى لا ينشأ الطّفل ناقما كارها أو ضعيفا هشّا لا يحترم والديه ولا يعبأ بهما.

يقول r: «كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يقوت» وكثير هم الأولياء الذين ضيّعوا بيوتهم وأبناءهم. فلا مشاعر صادقة ولا عطف ولا حنان!! صار همّ الأولياء توفير الطّعام واللّباس وآخر ما جدّ في عالم الإلكترونيات من حواسيب ولوحات رقميّة وهواتف محمولة... حاضرون بما يوفّرون للأبناء من ملذّات وغائبون عنهم فلا عطف ولا حنان ولا اهتمام... لا وقت للحديث معهم والجلوس إليهم وسماعهم، الكلّ يلهث ويسابق الزّمن للقيام بالأعمال الكثيرة والمهامّ العديدة إلّا... التّفكير والعمل الجادّ للحفاظ على لحمة الأسرة ووحدتها!!

أسباب كثيرة أدّت إلى تمزّق العائلة وتفكّكها؛ منها انشغال الوالدين عن الأبناء واهتمامهما بأمور أخرى كالعمل طويلا لتحسين المستوى المعيشي وإهمال الأبناء ومعرفة أحوالهم ومشاغلهم. إضافة إلى عدم اتّفاق الوالدين في أسلوب التّربية وتباين وجهات نظرهما ممّا يتسبّب في خلق تذبذب وعدم اتّزان في شخصيّة الأبناء، كما أنّ المشاحنات المتواصلة والمتكرّرة بينهما تجعل الجوّ الأسريّ متوتّرا مزعجا ويتسبّب هذا في قلق الأبناء ومعاناتهم ممّا يجدونه في البيت وتحوّله إلى مكان مرعب ومخيف يسوده الكره والأنانيّة بعد أن كان "مبعث الطمأنينة والأمان والحبّ والحنان"، تغيّرت العلاقات فسادتها الخلافات العديدة التي تؤدّي في بعض الأحيان إلى طلاق الوالدين وانفصالهما... يرى الدكتور سيث مايرز، طبيب نفسي أمريكي وباحث في العلاقات الاجتماعية، أن الأهل الذين يشعرون بالمرارة والمعاناة في تربية أبنائهم كانوا في الغالب يفتقدون إلى الدّعم العاطفيّ والاجتماعي في طفولتهم، سواء بتعرّضهم للإهمال من قبل والديهم أو نشوئهم في أجواء أسريّة مشحونة بالمشاكل والانفعالات، في حين يواجه بعض الأهل صعوبة بالغة وتحدياً في تربية طفل صعب المراس وهذا هو سرّ المرارة التي يشعرون بها (نهى الصّرّاف: تربية الأبناء.. شعور صامت بالمرارة والخوف من الفشل: العرب)

صيحة فزع نطلقها حين نقف على نسب الطّلاق في أسر المسلمين التي تضاعفت وارتفعت لتدقّ ناقوس الخطر تنبئ بانهيار هذه الخليّة المهمّة في المجتمع؛ ففي تونس تمّ تسجيل 41 حالة طلاق يوميّا أي ما يزيد عن 3 حالات في السّاعة الواحدة حسب ما نقلته "الصّباح نيوز" عن وزارة العدل، هذا وأشارت دراسة أجراها المركز العربي للتّعبئة والإحصاء إلى تسجيل ستّ حالات طلاق في كلّ ساعة في الجزائر، الأمر الذي دفع العديد من المتابعين والناشطين في الجزائر للتّحذير من تفشّي ظاهرة الطّلاق في البلاد (ايرونيوز). وكذا الأمر في مصر التي تحتلّ المرتبة الأولى عالميّا في الطّلاق بمعدّل 250 حالة يوميّا... أزواج ينفصلون بعد ساعات من عقد القران... 4 ملايين مطلّقة و9 ملايين طفل ضحية الانفصال. (اليوم السّابع: 2017/09/05). أمّا المغرب فقد احتلّ المرتبة الخامسة على صعيد الوطن العربي حول نسبة الطّلاق... ويتمّ تسجيل 5 حالات طلاق في السّاعة. وتحت عنوان "الطّلاق في ليبيا.. "نسبة مرعبة" و"أرقام غائبة"" أشارت القناة 218 إلى أنّ أوساطا حقوقيّة تقول إنّ نسبة الطّلاق زادت على نحو كبير خلال السّنوات القليلة الماضية، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أنّ نسبة الطّلاق في السّنوات الأخيرة زادت عن 30%، وهو ما يعني بلغة الأرقام أنّ كلّ 100 حالة زواج تتّجه 30 حالة منها نحو "الخاتمة غير السّعيدة". وهذه النّسب المرعبة للذّكر لا الحصر؛ فعديد الدّول الأخرى تعاني من هذه الظّاهرة التي انتشرت وتفشّت في أسر المسلمين وذلك لابتعادهم عن المفاهيم الإسلاميّة الصحيحة عن الزّواج ذاك الوثاق الغليظ الذي ربط بين الزّوجين فصار الطّلاق ينفّذ لأتفه الأسباب: الحاجات المادّيّة - تغيّر الأدوار: لتأخذ الأمّ مكان الأب تقود الأسرة بسبب غياب راعي العائلة إمّا بسبب عمله الشّاق والمتواصل لتوفير حاجيات الأسرة أو لأنّه تخلّى عنه للزّوجة واختار العيش بين أصحابه في المقاهي ورمى بهموم الأسرة على عاتق الأمّ... مشكلات كثيرة وكبيرة تؤدّي في معظمها للطّلاق فتنهار الأسر، ويتشرّد الأولاد...

ونتيجة لهذا التفكّـك والتشتّت يشعر أفراد العائلة بالضّياع والعيش غير الآمن، فيضعفون ويعجزون عن حلّ المشاكل وهو ما يدفعهم إلى البحث عن أيسر الطّرق وأقربها حتّى لو كانت غير شرعيّة وتعود عليهم بالوبال والخسران.

لأنّه يعلم ما للأسرة المسلمة من أهمّيّة بالغة في صقل الأبناء وتربيتهم وإعدادهم رجالا للمستقبل، لم يدّخر الغرب طريقة ولا منهجا إلّا وسلكه لينفث سمومه لتفكيكها والقضاء عليها... فركّز جهوده على المرأة مربّية الأجيال وسعى في إفساد مفاهيمها الصّحيحة وتشويهها بما لديه من مفاهيم فاسدة تقودها إلى التّخلّي عن أعظم عمل لها خصّها به ربّها: تربية الأبناء وإعدادهم: "الأمّ مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق". فنصب الميادين وأقام المؤتمرات وعقد النّدوات حتّى ينشر أفكاره التّحرّريّة التّخريبيّة. تقول الأستاذة الأمريكيّة كاثرين فورث: "إنّ المواثيق والاتّفاقات الدّوليّة التي تخصّ المرأة والأسرة والسّكّان... تصاغ الآن في وكالات ولجان تسيطر عليها فئات ثلاث: الأنثويّة المتطرّفة وأعداء الإنجاب والسكّان والشّاذّون والشّاذّات جنسيّا. وإنّ لجنة المرأة في الأمم المتّحدة شكّلتها امرأة اسكندينافيّة كانت تؤمن بالزّواج المفتوح ورفض الأسرة وكانت تعتبر الزّواج قيدا وأنّ الحرّيّة الشّخصيّة لا بدّ أن تكون مطلقة... ولقد انعكس هذا المفهوم للحرّيّة في المواثيق التي صدرت عن هذه اللّجنة. فالتّوقيع على اتّفاقيّة سيداو يجعل معارضة الشّذوذ الجنسيّ - حتّى ولو برسم كاريكاتوري - عملا يعرّض صاحبها للمساءلة القانونيّة لكون هذه المعارضة "معارضة لحقوق الإنسان"... هذا ما يريده الغرب الذي لن يرضى إلّا إذا اتّبعت أمّة الإسلام ملّته؛ يكيد باللّيل والنّهار للنّيل من حضارتها واجتثاثها من جذورها الإسلاميّة. لكن الله سبحانه سيجعل كيد الغرب في نحره ويبطل أعماله ومكائده وسيعيد للأمّة رشدها فيلهمها عودة مباركة لتحكّم شرعه فيها وتؤسّس لمجتمع تسيّره المفاهيم الخالصة النّقيّة فيربّي أبناءه عليها... ينشأون نشأة سليمة متّزنة تجعلهم خير قادة لخير أمّة أخرجت للنّاس...

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زينة الصّامت

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو