الاستخلاف والتمكين
الاستخلاف والتمكين

إذا سألنا ما الغاية أو الحكمة التي خلقنا من أجلها الله؟ يكون الجواب من الناس عامة هو قول الله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. نعم صحيح ولكن الكثير من الناس فهموا من هذه الآية أن مهمة البشر هي الصلاة والصيام والحج والزكاة وغيرها من الأعمال الصالحة المعروفة بين الناس

0:00 0:00
السرعة:
September 27, 2017

الاستخلاف والتمكين

الاستخلاف والتمكين

إذا سألنا ما الغاية أو الحكمة التي خلقنا من أجلها الله؟ يكون الجواب من الناس عامة هو قول الله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. نعم صحيح ولكن الكثير من الناس فهموا من هذه الآية أن مهمة البشر هي الصلاة والصيام والحج والزكاة وغيرها من الأعمال الصالحة المعروفة بين الناس، وغفل هؤلاء الناس عن قصة النبي e عندما كان يقرأ قول الله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وكان عدي بن حاتم يسمع وكان نصرانياً قبل إسلامه، فقال قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدُهم! فقال: «أليس يحرِّمون ما أحلَّ الله فتحرِّمونه، ويحلُّون ما حرَّم الله فتحلُّونه؟» قال: قلت: بلى! قال: «فتلك عبادتهم»! وغفلوا عن قول الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فمهمة البشر هي أن يكونوا خلفاء الله في الأرض في تطبيق أحكامه من عبادات ومعاملات بين الناس، هذه هي المهمة الحقيقية للبشر.

ولكن الناظر لحال المسلمين اليوم يجد أن المسلمين ليسوا خلفاء الله في الأرض في تطبيق أحكامه، بل وأكثر من ذلك، فهم مستضعفون يتسلط عليهم الكفار عن طريق حكام خونة باعوا الدين والأرض والعرض، فماذا يجب أن يفعل المسلمون حتى يرجع لهم سلطانهم المغتصب وعزّهم المسلوب؟؟

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فكما أنّ الله هو الرزاق وهو المحيِ وهو المميت، فإنّ الله سبحانه يُخبرنا بأنه هو الذي يعطي الملك وينزعه من البشر كيفما يشاء، فمثلما أننا مؤمنون بأنه هو الرزاق وهو المحيي والمميت يجب علينا أن نؤمن بأن الله هو الذي ينزع ويعطي الملك للبشر مثلما يعطي الرزق.

فهذا فرعون جمع جيشه وتبع بني إسرائيل الذين آمنوا بموسى عليه السلام ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ أي إن موسى عليه السلام طلب العون من الله سبحانه وتعالى، ولم يطلبه من أحد غيره، مع أن موسى وقومه كانوا مستضعفين ولا يملكون قوة لمجابهة جيش فرعون، مع ذلك لم يطلب موسى العون والمدد إلا من الله.

وبعدها قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.

فما المطلوب مني ومن المسلمين عمله حتى ينزع الله ملك الطواغيت في هذه الأيام ويُعطينا إياه؟ أي ما المطلوب من المسلمين حتى يكونوا مُستخلفين في الأرض وهي المهمة التي خلق الله البشر لينفذوها؟ يقول الله سبحانه في كتابه العزيز: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. أي أن أهم عمل يقوم به الناس باتباع كتاب الله هو القيام بالقسط بين الناس، وذلك لا يتم إلا عن طريق مشروع سياسي يُدير الدولة التي تؤمِّن للناس القسط والعدل أو في حالتنا هذه في الشام، فالمطلوب أن تتبنى الجماعات المقاتلة مشروعاً سياسيا يُؤمِّن للناس القسط بعد أن يتوحدوا. ولكن إذا لم تُؤمِّن هذه الجماعات القسط وفق شرع الله سبحانه وتعالى، فإن الله لن ينزع الملك من الطاغوت ولن يعطينا إياه ولن نكون خلفاءه في الأرض، ففي زمن عمر بن الخطاب كان الفاروق يُحب أخاه زيداً، وكان زيدٌ هذا قد قُتل في حروب الردّة، وذات نهار بسوق المدينة يلتقي الفاروق وجهاً لوجه بقاتل زيد وكان قد أسلم وصار فرداً في رعيته، يخاطبه الفاروق غاضباً: (والله إنّي لا أحبك حتى تحب الأرض الدم المسفوح)!! فيسأله الأعرابي متوجساً: (وهل سيُنقص ذاك من حقوقي يا أمير المؤمنين؟)، ويُطمئنه أمير المؤمنين (لا)، فيغادره الأعرابي بمنتهى اللامبالاة قائلاً: (إنما تأسى على الحب النساء). أي مالي أنا وحبّك إذ ليس بيني وبينك غير الحقوق والواجبات.

وفي زمن عمر أيضاً كان رضي الله عنه وهو المعروف بشدته وقوة بأسه كان يُعد موائد الطعام للناس في المدينة ذات يوم فرأى رجلاً يأكل بشماله فجاءه من خلفه، وقال: يا عبد الله كل بيمينك، فأجابه الرجل: يا عبد الله إنها مشغولة، فكرّر الفاروق القول مرّتين فأجابه الرجل بنفس الإجابة، فقال له عمر: وما شغلها؟، فأجابه الرجل: أُصيبت يوم مؤتة فعجزت عن الحركة، فجلس إليه عمر وبكى وهو يسأله: من يوضئك؟ ومن يغسل لك ثيابك؟ ومن يغسل لك رأسك؟ ومن..، ومن..، ومن..؟ ومع كل سؤال ينهمر دمعه... ثم أمر له بخادم وراحلة وطعام وهو يرجوه العفو عنه لأنّه آلمه بملاحظته على أمر لم يكن يعرف أنه لا حيلة له فيه. هكذا يكون القسط فإن لم نُحقّق القسط بين الناس لن يستخلفنا الله، ولن ينزع الملك من يد الطواغيت ولن يعطيه لنا.

وإذا استعرضنا القرآن الكريم سنجد أنه يحتوي على الكثير من قصص اليهود وكأن الله يقول للصحابة أنه بسبب أفعال اليهود ومعاصيهم وظلمهم لأنفسهم وغياب العدل والقسط عندهم نزعتُ الملك منهم وأعطيته للمسلمين، وإذا فعلتم فعالهم فسأنزعه منكم، وهذا ما حدث.

وأخيراً أقول ما قاله الله تعالى في كتابه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

فما هي الأعمال الصالحة التي يجب علينا فعلها حتى نُستخلف في الأرض؟

الأعمال هي امتلاك مشروع سياسي إسلامي فيه حلّ لمشاكل الأمة وتخليص لمعاناتها وجمعها عليه ومن ثم طلب النصرة من أهل القوة كما فعل النبي e لنُخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن ثم يتحقق فينا قول الله ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾، فهذا هو العمل المطلوب من الأمة من أجل الاستخلاف.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أحمد إدلبي

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو