الأولمبيات ورمضان والقرآن   (مترجم)    
August 01, 2012

الأولمبيات ورمضان والقرآن (مترجم)  

لنتصور المشهد الآتي، أحمد يوجه ضربة قوية الى رأس محمد ثم يتبعها بلكمة جانبية، فيتراجع محمد في محاولة منه لاستعادة قوته من جديد حيث أنه لا يريدتضييع المدالية الذهبية.

رغم أننا في شهر رمضان حيث تزاد فيه مشاعر الأخوة، إلا أنها تختفي في مثل هذه المباريات الشرسة، فيصبح هم الشخص نفسه ووطنه مهما كان الثمن، حتى وإن كان عبر التصفيات النهائية للملاكمة في دورة الألعاب الأولمبية لعام 2012 في لندن، فيكون أحمد يمثل المغرب مثلا في حين محمد يمثل مصر.

هذه الألعاب الأولومية يشارك فيها الكثير من بلدان العالم الإسلامي مثل السعودية، والأردن، وإندونيسيا, وباكستان، وبنغلادش، كلهم متناسين مشاكل البطالة والفقر وغيرها الكثير التي تواجه بلدانهم. فصار همهم الوحيد الآن هو الوصول إلى القمة في دورة الألعاب هذه، متجاهلين ما إذا كان يجوز للمشاركين المسلمين الموجودين في لندن الإفطار في رمضان خلال هذه الدورة كما أفتى أحد المشايخ بذلك قبل حين.

إن مشاركة بلدان العالم الإسلامي في دورة الألعاب الأولمبية يثير العديد من القضايا القومية. في نفس الحين، يردناحديث رواه أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية"، فقد جاء الإسلام ليبين أنه لا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى، بغض النظر عن أصله أو لونه أو مكان ولادته، فجاء ليحرم المفاهيم الغريبة المستوردة مثل الوطنية والقبلية الآخذة بالانحسار في المجتمعات الإسلامية .

إن هذه الألعاب الأولومبية تستخدم لتأجبج المشاعر القومية حيث تُرفع فيها الاعلام الوطنية ويقوم الحكام بتقديم الهدايا الفخمة والثناء لأولئك الذين (جعلوا الامة تفتخر) كما يدعون من خلال الفوز بالميدليات والأوسمة. اننا جميعا نصوم في شهر واحد ونعبد ربا واحدا ونتجه لنفس القبلة، وفجأة يتم إخبارنا بأننا سعوديون أو باكستانيون أو كويتيون أو إندنيسيون أو غيره من تسميات، فيُفرق الأخ عن أخيه في حدود رسمتها قوى الاستعمار.

وبالإضافة إلى كون القومية محرمة، فإنها تحْرِمُنا كذلك من معالجة مشاكلنا باستخدام الطاقة البشرية والموارد التي حبانا الله بها، لكننا الآن نرى أفغانستان مثلا تواجه المحتلين من أمريكا وبريطانيا لوحدها دون أي مساعدة من جيرانها المسلمين.

وعلى الرغم من أن العديد من بلدان العالم الإسلامي تواجه الفقر المدقع، وكثير منها يُمارس عليهم الظلم كما هو الحال في بورما، والكثير يموتون جوعا كما في كالصومال بالرغم من وفرة الثروات بجانبهم في دول الخليج، الآن يسود القمع في سوريا، فعلى الرغم من المشاكل هذه وغيرها التي تواجهها بلداننا؛ يتم التركيز على دورة الألعاب الأولمبية وعلى خلق النجوم الرياضية التي من شأنها أن تجعل (البلاد فخورة) كما يدعون، والمشاكل التي تعيشها هذه البلاد لا تزال قائمة، والاسوأ من ذلك أنه يتم إهدار الوقت والجهد وحرف الأنظار إلى متابعة الأخبار الرياضية في بلاد بعيدة.

إن الرياضة والتي لها فوائد كثيرة صحية وترفيهية للبشر يتم تحويلها إلى أحداث تجارية تستثمر في العالم أجمع عبر الألعاب الأولمبية وكرة القدم وغيرها من الرياضات. مع ان الله سبحانه وتعالى يحذرنا في سورة التكاثر من الانحراف عن طاعته وعن العمل للآخرة، ويذكرنا بقصر الحياة الدنيا ويحذرنا من تضييعها في مثل هذه التفاهات كدورة الألعاب الأولمبية.

فما هي طموحات وتطلعات لاعب الأولمبيات؟ أليفوز بالجري على هذا أو ذاك!

نعم، هذه هي الطموحات التي يحاولون ترويجها لبعض شباب المسلمين في كثير من بلدان العالم الإسلامي ،حتى أن بعض هذه الطموحات الهدامة تمتد لتؤثر في حكام بلادنا بشكل آخر فتجدهم منغمسين في بناء الصروح الكبرى وكأن هذا هو الدليل الوحيد على نجاح الشعوب. فنرى دبي قد بنت أطول برج في العالم وبنت السعودية في مكة أكبر ساعة في العالم. ولكن عندما يتم مناقشة الأزمات العالمية وعلاج الملاريا وتصنيع الأدوية وحل مشاكل الفقر بشكل عالمي لا تُذكر هذه الدول ولا يتحدث أحد عن دبي ولا عن السعودية ولا عن مصر، فبالعكس نرى أن شعوبنا تتطلع إلى الدول الغربية لإيجاد الحلول لمشاكلهم.

أما في ظل نظام الخلافة، كانت الأمة رائدة في مجال العلم والتكنولوجيا، وعاش الجميع في وئام مع تعدد الأصول والأديان، الأمر الذي عجزت عن إيجاده حضارة الغرب المتقدمة. وفي ظل الخلافة كانت آمال المسلمين مُستمدة من كتاب الله الذي جعلهم محط أنظار العالم في حل مشاكلهم وجعلهم مجتمعا نموذجبا يسعى لتحقيق هدفه وهو حمل الإسلام للبشرية جمعاء.

إن الألعاب الأولومبية الحقيقية هي ليست تلك التى نسمع ونشاهد اليوم، بل الألعاب الحقيقية هي التي بين حضارات الشعوب، ألا وهي المنافسة الحقيقية التي ثؤثر على حياة الناس اليومية، وهذا هو السباق العالمي الذي يجب التركيز عليه. فالأمة الإسلامية والتي جُعل لها القران هاديا، غائبةٌ إلى حد كبير من هذا السباق العالمي، وذلك لأن الدولة الإسلامية التي تطبق الحلول الإسلامية لمشاكل المجتمعات هي غائبةٌ أيضا عن العالم، ولهذا قلدت مجتمعاتنا النظام الرأسمالي في المجال الاقتصادي واستوردت الديمقراطية كنظام حكم لها واستوردت غيرها من القيم الغربية العلمانية.

إن الغرب قد سيطر على كل وسائل الإعلام العالمية ،واستخدم سياسته وجيوشه ومؤسساته العالميةَ لتحقيق هذا الهدف، وهذا ما أبقي الباب مفتوحا أمام شعوب العالم الغربي العلماني للترويج لقيمهم ونظمهم ورذائلهم التي جعلت الملايين يعانون من آثاره، فأصبح العالم يعيش في فقر مع وجود الوفرة الكثيرة حيث سيطرت نخب قليلة للحفاظ على مصالح الشركات.

ألم يأن للمسلمين أن يدركوا مسؤلياتهم التي كلفهم الله سبحانه بها، فينبذوا النظام الديمقراطي الذي يسوده الظلم ويعملو لإعادة الحياة الإسلامية بإعادة دولة الإسلام لتقديم رؤية بديلة للحياة البشرية، ولإنقاذ الملايين من ظلم الرأسمالية والعالمانية؟

قال تعالى " الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد " ، سورة ابراهيم

تاجي مصطفى

الممثل الاعلامي لحزب التحرير في بريطانيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار