العيش في الظّلمات نتيجة حتميّة لعدم تطبيق شرع الله كاملا
May 09, 2019

العيش في الظّلمات نتيجة حتميّة لعدم تطبيق شرع الله كاملا

العيش في الظّلمات نتيجة حتميّة لعدم تطبيق شرع الله كاملا

يقول عزّ وجلّ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. في هذه الآية ضرب الله سبحانه وتعالى للمؤمن مثلا بليغا بيّن له فيه أن لا حياة للإنسان بدون هدي ربّه وشرعه، وأنّه إن احتكم لغيره وسيّر حياته بغير ما أنزل الله فهو ميّت. فالمؤمن كان تائها حائرا لا يعرف طريق النّجاة فأحيا الله قلبه بالإيمان وهداه سبيل النّجاة ووفّقه لاتباع الهدى.


جاء في تفسير البغوي "معالم التّنزيل" فَأَحْيَيْناهُ، أَيْ: كَانَ ضَالّاً فَهَدَيْنَاهُ، كَانَ مَيِّتاً بِالْكُفْرِ فَأَحْيَيْنَاهُ بِالْإِيمَانِ. قيلَ: النُّورُ هُوَ الْإِسْلَامُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾، فممّا لا شكّ فيه أنّه لا يستوي من هو في نور الله يتبع هداه ولا يحيد عنه بمن هو في ظلمات الجهل بعيدا عن شرع الله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ يقول قتادة مفسّرا "أمّا الأعمى والبصير فالكافر والمؤمن وأمّا الظّلمات والنّور فالهدى والضّلالة".


فحياة الإنسان لا يمكن أن تُسيَّر تسييرا صحيحا ولا تستقيم إلّا بنور الله وهديه ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ أي أنّ الإنسان كما قال ابن عاشور رحمه الله مفسّرا هذه الآية "إذا اتّبع الهُدى الوارد من الله على لسان رسله سَلِم من أن يعتريه شيء من ضلال... أمّا إن غاب عنها هذا النّور فإنّها تتحوّل إلى ظلمات وعيشة ضنكا ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾".


فلا طمأنينة ولا أمن ولا راحة ولا انشراح لصدر الإنسان ما دام بعيدا عن هدي خالقه. وما تعيشه البشريّة اليوم من ضيق في الصّدور وخوف ووحشة وضياع إلّا نتائج حتميّة لبعدها عن أحكام خالقها - وكيف لها العيش دون شقاء وقد تخلّت عن شرع ربّ الأرض والسّماء؟! - فمهما ظهر على النّاس من نعم (لباس، أكل، متع...) فهم غير سعداء وصدورهم حرجة ضيّقة يحيون في قلق وأرق وألم لأنّهم لم يَخلُصوا إلى طريق اليقين والهدى وهذا هو: ضنك العيش!


يحيا النّاس اليوم عديد المشاكل ويجابهون الكثير من المصاعب التي لم يجدوا لها حلولا... فطرقوا عديد الأبواب يبحثون عن مخرج لما هم فيه، لكن دون جدوى! توجّهوا لصناديق الاقتراع ينتخبون هذا ويرفضون ذاك آملين في تغيير واقعهم فلم يحصدوا إلّا ضنكا وفقرا وظلمة حالكة تتفاقم كلّ يوم!


إنّ ما تعانيه الأمّة والبشريّة عموما هو نتيجة حتميّة لغياب الإسلام عن الحياة وعن سوء فهم أحكامه ومفاهيمه نتيجة حلول الحضارة الغربيّة وفرضها لمفاهيمها وترويجها - كذبا وبهتانا - فكرة قصور الإسلام عن مواكبة العصر وعجز أحكامه عن حلّ المشاكل وتسويقها لنظامها الرّأسماليّ الذي جعلته وحده القادر على تسيير العالم وقيادته.


لقد وعى الغرب جيّدا واقع الإسلام وأنّه نظام يصلح لأن يحكم كلّ البشر بغضّ النظر عن معتقداتهم وأديانهم، وأعراقهم وأجناسهم وألوانهم، وبإمكانه أن يصهرهم في بوتقته، وهذا يعني عنده أنّ إقامة الخلافة سيصاحبها ظهور مبدأ الإسلام كنظام حياة وحضارة، وسيشكّل منافساً حضارياً له. أدرك أنّ الحضارة الغربيّة أفلست وأشرفت على السّقوط وفي إقامة الخلافة زوال لسيطرتها وانحسار لنفوذها فسعى في حربه على الإسلام ومعركته الأبديّة معه إلى كسر إرادة الأمّة في التّغيير الجذريّ الذي بانت بشائره من خلال ثورات الأمّة - التي نادت بالتّحرّر من استعماره - وشنّ حروبه على الشّعوب يقتّل ويهجّر ويتعدّى على الأرض والعرض خشية أن تقوم هذه الشّعوب على حكّامها العملاء الأوفياء له فتفلت من قبضته ويضيع عنه حكمه فيها. كما خطّط إلى تقسيم بلاد المسلمين من جديد حتّى يثبّت ما قام به في اتّفاقيّة سايكس بيكو من تفرقة وتجزئة للأمّة الواحدة التي حوّلها إلى شعوب متناحرة متصارعة ساعيا من وراء كلّ ذلك إلى القضاء على فكرة الأمّة الإسلاميّة الواحدة التي تحكمها دولة واحدة، وبذلك يضرب فكرة إقامة الخلافة الرّاشدة فيها ويقضي عليها.


خلق الله الإنسان وأحسن خلقه وكرّمه بالعقل وفضّله ليعبده وحده لا يشرك به شيئا ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فحقُّ الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا كما بيّن رسولنا e ذلك لمعاذ بن جبل. فالعبادة تقتضي "الانقياد التّامّ لله تعالى، أمرا ونهيا واعتقادا وقولا وعملا، وأن تكون حياة المرء قائمة على شريعة الله، يحلّ ما أحلّ الله ويحرّم ما حرّم الله، ويخضع في سلوكه وأعماله وتصرّفاته كلّها لشرع الله، متجرّدا من حظوظ نفسه ونوازع هواه، ليستوي في هذا الفرد والجماعة، والرّجل والمرأة". (ابن تيمية).


تتجلّى روعة التّشريع وحسنه عند تطبيق الإسلام كاملاً دون حذف أو نقصان فهو كعقد أحكمت حلقاته فإن انفكّت تبعثرت وضاعت... فأحكام الإسلام تعاضد بعضها بعضاً ليكتمل بمجموعها البناء ويزهو، فمن اتّبعها نال رضوان الله ومن حاد عنها تاه في ظلمات الكفر والشّرك ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ فالإسلام نظام متكامل متجانس أنزله الحكيم العليم ليعالج مشاكل النّاس في كلّ آن وحين.


لقد أوجب الله على المسلم أخذ الإسلام كلّه دون استثناء، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فعدم تطبيق الإسلام كلّه يسبّب الشّقاء للإنسان، وإن عُطِّل حكم من أحكامه الشّرعيّة أصاب البشريّة ضياع خيرٍ كبير سنّه الله لتنعم به ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. فعلى المسلمين العودة لتحكيم شرع ربّهم فيهم وأخذه جملة دون التّخلّي عن حكم واحد منه فيضربون بفكرة التّدرّج في تطبيق الشّريعة عرض الحائط لأنّها ساهمت في عدم تطبيقها، وعن طريق هذه الفكرة الخبيثة اطمأنّ المسلمون أنّ الحكم بأيدي أمينة وتخاذلوا عن تغيير واقعهم ورضوا به، وبعد فترة اكتشفوا عكس ذلك وأنّ هذا "الإسلام المعتدل" صنيع الغرب ويسير في فلكه يطبّق مخطّطاته، وعليهم رفض تطعيم هذا النّظام الرّأسماليّ الكافر ببعض الأحكام الشّرعيّة حتّى لا يساهموا بذلك في إطالة عمر هذا النّظام الفاسد.


إنّ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله تعني أنّ العبوديّة لله وحده؛ فهو ربّ النّاس خلقهم وهو الذي يأمرهم وينهاهم، ويحييهم ويميتهم، ويحاسبهم ويجازيهم، فلا معبود سواه، قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فمن يحكم بغير ما أنزل الله ويعرض عن أحكامه غضب الله عليه وحلّ به عقابه ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾... فالله سبحانه له الخلق والأمر، وهو أحكم الحاكمين.


لن يصلح حال المسلمين والبشريّة قاطبة ولن يرفع عنهم البلاء وتسلّط الأعداء إلاّ إذا عادوا إلى ربّهم يلزمون كتابه وسنّة رسوله e، فيسلكون سبيله المستقيم الذي رضيه لهم وأمرهم به. ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾، فواجب على جميع المسلمين المناداة بتحكيم شرع الله والعمل على إقامة حكم الله في الأرض.


الإسلام خير الشّرائع وأكملها، ختم الله به الرّسالات وجعله صالحا للنّاس جميعا وفي كلّ زمان ومكان وحفظه من التّحريف، يلائم كلّ الأوضاع ويبيّن كلّ شيء. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾.


قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الفتاوى): (ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله؛ لا بين المسلمين، ولا الكفّار، ولا الفتيان، ولا رماة البندق، ولا الجيش، ولا الفقراء، ولا غير ذلك؛ إلا بحكم الله ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك؛ تناوله قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾).

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التّحرير
زينة الصّامت

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو