الأزهر الشريف بينَ الأمس واليوم
May 22, 2019

الأزهر الشريف بينَ الأمس واليوم

الأزهر الشريف بينَ الأمس واليوم

يظنُّ كثيرٌ من المسلمينَ وخصوصاً المسلمونَ الذينَ يعيشونَ في شرقِ وجنوبِ شرقِ آسيا، أنَّ جامعةَ الأزهر القائمةِ الآن في مصر هي نفسها جامعُ الأزهرِ الشريف، وهذا الظنَّ لا شكَّ أنَّه خاطئ، فجامعُ الأزهر تم تحويلهُ إلى جامعةٍ حديثةٍ تضمُ مختلفَ الكلياتِ العلمية، ويتمُ تدريس العلومِ الشرعيةِ في إحدى هذه الكليات، فليس صحيحاً أنَّ جامعة الأزهر في العصرِ الحديث متخصصةٌ في تدريسِ العلوم الشرعيةِ، بل هيَ جامعة كباقي الجامعات القائمةِ في العالمِ الإسلاميّ التي فيها كلية "للشريعةِ وعلومِ الدين" كما يسمونها، فقد بدأَ تحويل الجامع "الأزهر الشريف" إلى جامعةٍ منذُ بدأ الاستعمار يغزو بلاد المسلمين وسيطرَ عليها، ومنها احتلال مصر وتنصيب حكامٍ عملاء له، جُلَّ عملهم إعلانُ الحربِ على الإسلامِ والمسلمين، فمع نهايةِ القرنِ التاسع عشر وبدايةِ القرنِ العشرين شهدَ جامع الأزهرِ بدايةَ تحول، كان الغرضُ منه تحويل "الأزهر الشريف" إلى مؤسسةٍ ذات كيانٍ تعليميّ يأخذُ بالنظمِ الحديثةِ، وتزعّم عدد من العلماء هذا الإصلاح، تقدمهم محمد عبده تلميذُ جمالِ الدينِ الافغانيّ، الذي كانَ عضوا في المحفل الماسوني، حيث شُكّل أولُ مجلسِ إدارة لهذهِ المؤسسةِ في السادسِ من رجب سنة 1312 هجريّة، تلاهُ صدورُ القانونِ رقم 10 لسنة 1911، والذي نَظَّم الدراسة وجعلها مراحل، واستمرارا لتحولِ هذهِ المؤسسةِ صدرَ القانون رقم 49 لسنة 1930، والذي أُنشئت بمقتضاهُ الكلياتُ الأزهرية الثلاث، وهي كليات: أصولِ الدين، والشريعة، واللغة العربية، ونصَّ القانون على إمكانيةِ التوسع في إقامةِ كلياتٍ أخرى، فأُدخلت العلوم غير الشرعية بالمعاهدِ الأزهرية، مثل: الرياضيات، والعلوم، والدراسات الاجتماعية، ثم تلاهُ القانون رقم 26 لسنة 1936، حيث استحدثت مرحلة رابعة وهي الدراساتُ العليا تماما كباقي الجامعاتِ الحديثة التي تمنح الشهاداتِ الأكاديمية بمراحلها الثلاث، ومرَّ هذا التحول بقانونٍ سميَ قانون التطوير، وصدرَ في الخامسِ من تموز/يوليو لسنة 1961 تحت رقم 103 بشأنِ إعادةِ تنظيمِ الأزهر.. وبمقتضى هذا القانون تحول "الأزهر الشريف" بشكلٍ كلي من جامعٍ أو جامعةٍ إسلاميةٍ إلى جامعةٍ علميةٍ تضمُ عدداً من الكلياتِ العلميةِ لأولِ مرةٍ مثلَ كليات: التجارة والطب والهندسة والزراعة، وكذلكَ فقد فتحت أبوابُ الدراسةِ بالجامعةِ كلية للبنات ضمت عندَ قيامها شُعبا لدراسةِ الطبِ والتجارة والعلوم والدراسات العربية والإسلامية والدراساتِ الإنسانية.

أما نشأةُ "الازهرِ الشريف" والقرون التي مرَّ فيها من العطاءِ وفي تخريجِ الفقهاءِ والعلماءِ، فقد كان الغرضُ من إنشائهِ في بدايةِ الأمرِ الدعوة إلى المذهبِ الشيعيّ، ثم لم يلبث أن أصبحَ جامعةً لتعليمِ الإسلامِ كلهِ بمذاهبهِ المختلفة، وقد أقيمت الدراسة فعلياً بالجامع الأزهر في أواخرِ عهدِ المعزِّ لدينِ اللهِ الفاطمي، عندما جلسَ قاضي القضاة أبو الحسن بن النعمانِ المغربيّ سنة 365هـ في أولِ حلقةٍ علميةٍ تعليميةٍ، ثم توالت حلقاتُ العلمِ بعدَ ذلك، وسميَ بالجامعِ الأزهر نسبةً إلى السيدة فاطمة الزهراء رضيَ الله عنها والتي ينتسبُ إليها الفاطميون، وكانَ من أشهرِ العلماءِ الذين ارتبطت أسماؤهم بالأزهرِ الشريف: ابن خلدون، وابن حجر العسقلاني، والسخاوي، وابن تغري بردي، وموسى بن ميمون والحسنُ بن الهيثم ومحمد بن يونس المصري، والقلقشندي.

لقد تغيرت رسالةُ الأزهرِ من تخريجِ علماء حقيقيين، إلى تخريجِ علماء هم أقربُ إلى رجالِ الدين من العلماء المتفقهين بدينهم والعاملينَ لرفعته، فلم ينطبق عليهم قول رسول الله  e «وَإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ». وقد وردَ على صفحةِ الأزهر في التعريفِ برسالةِ الأزهر التالي "...وفي العصرِ الحديثِ ومع النهضة التي بدأها محمد علي، لم يكن هناكَ إلا طلابُ وخريجو هذهِ الجامعةِ ليكونوا نواةً للمعاهدِ التعليميةِ المختلفةِ، والتي أنشأت لتكونَ تعليماً على النمطِ الأوروبيّ الحديث، كما كانوا نواةَ البعثاتِ التعليميةِ لأوروبا لنقلِ المعارف الحديثة... وقد توسعت نظمُ التعليمِ في الجامعةِ ولم تقف عندَ حدودِ المكانِ والزمان، وانتقلت إلى الوجهةِ الحديثةِ والعصريةِ، ولم تعد رسالتها قاصرةً على الوعظِ والإرشادِ والتعليم، بل انتقلت إلى آفاق أبعد لتكونَ لها الريادة في البحثِ العلميِّ وفي خدمةِ الأمةِ الإسلاميةِ والدفاعِ عن قضاياها، ونشرِ الإسلامِ الوسطيّ في مواجهةِ تياراتِ التشددِ والتطرفِ في شتى أنحاءِ العالم." وهكذا أصبحت رسالةُ الأزهر تنسجم مع التوجهِ العالميِّ في الحربِ على الإسلام، وتنسجم مع سياساتِ الأنظمةِ العلمانيةِ القائمةِ في العالم الإسلامي التي تحاربُ الإسلامَ والعاملينَ له باسم الحرب على (الإرهابِ) ومكافحةِ (التطرف).

أما طريقةُ التعليمِ فقد تغيرت هي أيضاً، فبعد أن كانت طريقة التلقي الفكري الصحيحةِ في التدريسِ، والتي من خلالها تخرجُ المفكرينَ والمجتهدينَ، حيث تكون الدراسة من أجل العمل بما يعلم، تغيرت هذهِ الطريقةُ إلى الطريقةِ الاكاديميةِ التي تعتمد على تدريسِ المنهاجِ وحفظهِ من أجلِ اجتيازِ الامتحانات، وقد وردَ على صفحةِ الأزهرِ نفسها "كانت حلقاتُ التدريسِ هي طريقة وأساس الدراسةِ بالأزهر، حيث يجلسُ الأستاذُ ليقرأَ درسهُ أمامَ تلاميذهِ والمستمعينَ إليهِ الذين يتحلّقون حولهُ، كذلكَ يجلس الفقهاء في المكانِ المخصصِ لهم من أروقتهِ، ولا يتم الاعترافُ بالأستاذِ ليتولى التدريسَ إلا بعدَ أن يجيزه أساتذته طبقا لنظامِ اختبارٍ كلهُ شفهي في أحد عشرَ علما، ويصدر له رسم تصدير بالإقراء من الخليفة".

أما منهاجُ الأزهر الذي كان يُخرجُ الفقهاء فقد تغير هو أيضا حتى أصبحَ يُخرج أئمةَ مساجد، جُلَّ عملهم إمامةُ النَّاسِ في الصلاةِ وتجويد للقرآنِ في المناسبات، على الرغمِ من جوازِ إمامةِ الصبيِّ في الصلاة! لا يفقهونَ من الإسلام إلا ما كانَ يفقههُ طلابُ المدارسِ في المراحلِ الابتدائيةِ، فاقتصرَ تعليمهم للفقهِ وعلومهِ على أحكامِ الطهارةِ والصلاةِ وشيء من تنظيمِ العلاقةِ الزوجيةِ وأحكامِ الميراث، ولا يتمُ تدريس نظامِ الإسلامِ بشموليتهِ، من نظامِ حكمٍ ونظامٍ اقتصاديٍ ونظامِ عقوباتٍ ونظامٍ اجتماعيٍ...الخ، بل وزادَ الأمرَ سوءاً حينَ لجأَ الأزهرُ إلى "تحديثِ" مناهجِ التعليم حتى تتناسب مع ما يرتضيهِ الغرب، من دين لا دخلَ لهُ في الحياةِ، ومن دين لا تتعارضُ أحكامهُ مع أحكامِ النظامِ الرأسماليِّ، فلجأَ الأزهر إلى تعليم إسلامٍ على المقاسِ الغربيِّ "معاصر"، وهذا يؤكدهُ الذي وردَ على صفحةِ الأزهر "... وفي كلياتِ الشريعةِ، يُدرسُ الطلابُ منهجاً جديداً هو: "القضايا المعاصرة" الذي يتناولُ كل القضايا المستجدة، والرسائل العلمية التي تُسجل في الجامعةِ تتناول هذه القضايا.. هكذا نشأنا في الأزهر على أن الفقهَ يكتبُ في كل زمن، ولا بدَّ أن يكتب في كل زمنٍ فقه يلائمه، كما تؤمن الجامعة أنَّ النصوصَ محدودة، والوقائع غير محدودة، أي لا بدَّ أن تستوعب النصوص كل الوقائع وكل المستجدات".

إنَّ تغيير سياسة التعليمِ وغايتها ومناهج التعليم وطريقةِ الدرس تمخضَ عنه كوارث بحق "الأزهر الشريف" من أبرزها أفول نجم الأزهر كمنارة علم يقودُ الأمةَ بالإسلامِ ويحملُ الإسلامَ رسالةً عالميةً، إلى مؤسسةٍ أكاديميةٍ تبررُ للغربِ وعملائهِ أعمالهم التي يحاربونَ بها الإسلامَ والمسلمين، ومن أبرز فتاوى الأزهر التي تؤكد أنَّه مؤسسة أصبحت بيدِ الحكامِ الخونةِ فتواه المشهورة بحلِ إبرامِ اتفاقية سلام "كامب ديفيد" التي أبرمها الرئيسُ المصري أنور السادات مع كيان يهود المحتلِ للأرضِ المباركةِ فلسطين، وفتواهُ التي تبيحُ البنوكَ والتعاملِ بالربا وحرمةِ الخروجِ على الحكامِ الذين يحكمونَ بغير ما أنزلَ الله، وإصدار فتوى ضدَّ الجماعاتِ الإسلامية التي تعملُ للإطاحةِ بهؤلاءِ الحكامِ العملاء، وإصدار فتوى تجيز انضمام النظام المصري إلى الحملة الصليبية التي قادتها أمريكا لاحتلال العراق، وانخراط الأزهر في حملةِ حوارِ الأديانِ الذي يُقصدُ منه مساواةُ الإسلامِ بالدياناتِ المحرفةِ الأخرى من يهوديةٍ ونصرانيةٍ، وآخر بدعه مطالبة شيخِ الأزهر أحمد الطيب من الحاكمِ العسكري في مصر "السيسي" قتلَ كل من يخالفه، وادعاء آخر بأن السيسي نبيُ هذا العصرِ والعياذُ بالله، وفتاوى كثيرة أثارت الجدلَ بين أوساطِ العلماءِ والمتعلمين، ولو كان الأزهر يعي معنى قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ لما تجرأ على مخالفة الأحكام الشرعية القطعية والمعلومة من الدين بالضرورة!

إنَّ للمؤسساتِ العلميةِ شأناً عظيماً في الإسلام، فهي الوسيلةُ الوحيدةُ التي يتم بناء الشخصيات الإسلامية ورجال الدولةِ وحملةِ الدعوةِ للعالم فيها، والذين يتخرجون منها هم من يقودون الأمة القيادة الفكرية الصحيحة، فهو واجبهم في المقام الأول وهم القادة الحقيقيون للأمة التي عماد نهضتها الفكر الشرعي، وهم خير من يعلم بأحكام الشرع وعلومه ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ لذلكَ وجبَ الاعتناءُ بهذهِ المؤسساتِ من الدولةِ التي تحكمُ بالإسلام، وعلى النقيضِ من ذلك، فإن الدولَ التي لا تحكمُ بالإسلام، وهي جل الدول القائمة في العالم الإسلامي، فهي تستخدمُ المؤسساتِ التعليمية للتغريبِ ونشرِ الفكرِ العلمانيِّ ويتم استخدام علماء السلاطين والمؤسسات التي تلبس عباءةَ الدين، يتم استخدامهم للتبرير للحاكمِ شرورَ أعمالهِ والتلبيس على الناسِ شئون دينهم، بانسجامٍ تام مع مشروعِ أمريكا جورج بوش "شرق أوسط كبير" الذي نصَّ على ضرورةِ علمنةِ العالم الإسلامي والبدء بإفسادِ المسجد والمدرسةِ، وهكذا كان، فقد أصبحت مراقبةُ المساجد وما يقالُ فيها دائماً ويتم إلزامها بخطب مركزية ترسلها الحكومات العميلة والتي جلُّ همها الحربُ على الإسلامِ والمسلمين، وإبعادِ المسلمينَ عن دينهم وتجهيلهم فيه، أما المدارس والجامعات، فقد أصبحت فارغةً من مناهجِ التعليمِ التي تخرج العلماء والمبدعين والمفكرين، فمناهجها عقيمة، وأصبحت سياساتُ التعليمِ تقومُ على تخريجِ أجيالٍ فاشلةٍ لا تفلح في دنيا أو دين، إضافةً إلى تحويلِ الجامعاتِ والمدارس إلى ما يشبهُ النوادي الرياضيةِ أو الليليةِ التي يختلط فيها الشباب مع الفتيات بشكل فاضح.

إنَّ طريقةَ إنقاذِ الأزهر الشريف لا تكون إلا عبرَ رفعِ أيدي المتسلطين عليهِ من حكام رويبضات وعلماءِ سلاطين، وبإرجاعهِ إلى ما كان عليه، من خلالِ الاعتناءِ بمناهجِ التعليمِ فيه التي تنتج الفقهاء والمجتهدين، وبتعيين علماء أكفاء لا يخافونَ في اللهِ لومةَ لائمٍ وبرصدِ ميزانية كافية له ليتمكنَ من تعليمِ الطلابِ الملتحقينَ فيه بالمجان ومن دونِ أقساطٍ ونفقاتٍ باهظة كما هو حاصل الآن، وهذا لا يتصور أن يحصل إلا بعدَ إقامةِ الدولة الإسلاميةِ التي تحكم بالإسلامِ وتكونُ سياستها تخريج العلماءِ والفقهاءِ الذين يفقِّهون النَّاس شئونَ دينهم حتى تصقل المجتمعَ بالإسلام، وتقوم سياستها الخارجيةِ على سياسةِ حملِ الإسلامِ رسالةً للعالمِ أجمع تحتاجُ للعلماءِ من أجل تحقيقِ تلك الغاية، فإلى ذلك فليتنافسِ المتنافسون، قال الإمام الغزالي رحمه الله: "الدين والسلطان توأمان، ولهذا قيل الدين أس والسلطان حارس، فما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع".

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجر – ولاية باكستان

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو