الأزمات الإقتصادية العالمية- ح2
December 19, 2010

الأزمات الإقتصادية العالمية- ح2

مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ذكرت في الحلقة السابقة أن ما يمر به العالم اليوم من أزمات إقتصادية خانقة، هو نتيجة الأنظمة الإقتصادية السائدة في هذه الأيام، وهي في غالبها منبثقة عن المبدأ الرأسمالي، أو خليط منه ومن غيره، وتطرقت إلى الأسباب المباشرة للأزمة الإقتصادية العالمية التي تعصف بالعالم اليوم، وفي هذه الحلقة سأتطرق إلى البند الأول من الأسباب التي جعلت النظام الإقتصادي الرأسمالي يخفق في حل هذه الأزمات بل هو من تسبب بها، والذي يتعلق بالأساس الذي تقوم عليه الرأسمالية وهو عقيدة الحل الوسط.

فالعقيدة الرأسمالية لم تبنَ على العقل، بل بنيت على تفاهم الأطراف المتصارعة في أوروبا وروسيا، من الملوك والقياصرة الذين اتخذوا من رجال الكنيسة مطية لهم، والذين يريدون أن تبقى كل الأمور بيدهم باسم الدين، والمفكرين والفلاسفة الذين كانوا ينكرون الدين او ينادون بفصله عن الحياة، ونتيجة الصراعات المريرة بينهم تم التوصل إلى حل وسط بين الفريقين لوقف هذه الصراعات، من أراد الدين فعليه بالكنيسة ومن أراد الدنيا فعليه بالقيصر: "دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، هذا الحل الذي يستوي فيه المعترف والمنكر للدين، فالدين حسب ما توصلوا إليه ليس له دخل في الحياة الدنيا، والإنسان هو الذي يضع ويختار النظام الذي يرتئيه مناسبا، ومن أراد أن يعبد الإله فله ذلك داخل المعابد والكنائس والمساجد فقط، أي فصل الدين عن الحياة وبالتالي فصلها عن الدولة والسياسة، فلا دخل للدين في السياسة أو الحياة أو الدولة حسب العقيدة الرأسمالية، ومن ينكر وجود الدين أو الخالق فليس له أن يتدخل في شؤون المعابد والكنائس والمساجد، هذا هو الأساس الذي بنيت عليه العقيدة الرأسمالية، وهو الحل الوسط بين المعترف بوجود الخالق والمنكر لوجوده. ومن هنا وجد ما يسمى بالسلطة الزمنية والسلطة الروحية، فكانت السلطة الزمنية "القيصرية" عند أتباع الرأسمالية من نصيب الحكام، والسلطة الروحية "البابوية" من نصيب اصحاب الكنيسة والمعابد ومن في حكمهم من الشيوخ عند الدول القائمة في البلاد الإسلامية الآن، إذ اعتبر هؤلاء أن الدين الإسلامي هو كأي دين. وقد انبثق عن هذه العقيدة الحريات الأربع للأفراد وهي: حرية العقيدة وحرية التملك وحرية الرأي والحرية الشخصية، وهكذا جعل هذا المبدأ للإنسان أن يضع نظامه الذي يريد بناءً على هذه العقيدة، وله أن يتملك كما شاء وكيف شاء، ويعيش بدون ضوابط او قيود ما دام انه لم يتعدَ على حريات الآخرين، مما أوصل الإنسان في بعض الأحيان إلى أدنى من مرتبة الحيوان نتيجة الحرية الشخصية، وقد أعادت الرأسمالية ما عرف بشريعة الغاب من جديد إذ تجعل الأقوى والأذكى يأكل الضعيف والأقل ذكاء نتيجة حرية التملك، فكان الإستعمار بمختلف أشكاله العسكرية والسياسية والثقافية والفكرية والإقتصادية حيث استعمرت الدول القوية البلاد الضعيفة ناهبة خيراتها واستعبدت شعوبها، فكان الشقاء والتعاسة التي تعيشها البشرية في هذا الزمان، نعم بعد هذا الصراع بين الكنيسة والمفكرين وجدت وبنيت العقيدة الرأسمالية على الحل الوسط ولم تبنَ على العقل، ونتج عن هذا الحل أن الإنسان يضع أنظمته بنفسه، ومن ضمنها النظام الإقتصادي الذي نحن بصدد الحديث عنه، فبدأ مفكروا هذا المبدأ بوضع نظريات وأسس هذا النظام فكان آدم سميث 1723-1790 الذي أطلق عليه الكتاب والمفكرون لقب (أبو الإقتصاد العصري) ، وديفيد ريكاردو 1772-1823 وله النظرية المعروفة باسم قانون الميزة النسبية، وتوماس مالتوس1776-1834 والمشهور بنظرياته عن التكاثر السكاني، وهؤلاء الثلاثة من بريطانيا، ولا حاجة للتطرق إلى نقض العقيدة الرأسمالية والسرد التاريخي لنشوء المبدأ الرأسمالي وما نتج عنه من أنظمة ومنها النظام الإقتصادي أو الإقتصاد الحر، لأنها قد قتلت بحثا في كتب حزب التحرير، لكن الذي يجدر الإشارة له هنا هو أن البشر عندما يضعون النظام يكونون متأثرين بالظروف المعيشية والبيئية التي نشأوا بها، ويكونون عرضة للتفاوت والإختلاف والتناقض حسب المكان والزمان، وكل إنسان يحاول أن يضع نظاما يكفل فيه لنفسه مكتسبات على حساب غيره من البشر، وهذا الأمر يلمسه الجميع عندما توضع التشريعات موضع البحث ويكون للأقوى الأثر الأكبر في التشريع، وهذا وحده يجعل المبدأ الرأسمالي ومنه إقتصاد السوق عاجزا عن إيجاد حل للأزمات الإقتصادية، بل هو السبب الرئيس في وجودها، كونه من وضع البشر، فما بالك إذا كان القائمون على هذا النظام من كبار الملاك والإقطاعيين والرأسماليين، فإنهم بالتأكيد سيضعون من الأنظمة والقوانين ما يحفظ لهم أموالهم ويزيدها على حساب الآخرين، وهاهي إفرازات هذا النظام ظاهرة للعيان، فإنك تجد عندهم أفرادا معدودين على الأصابع يملك الواحد منهم ما يعادل ميزانية عدة دول مجتمعة، في حين أن الغالبية تعمل لدى هؤلاء بالراتب الذي لا يؤمن لكثير منهم سوى الحاجات الأساسية لهم، والعاطلين عن العمل بعضهم لايملكون إلا الأرصفة ينامون عليها ولا يجدون ما يقتاتون منه سوى حاويات القمامة، وكبار الرأسماليين هم من يتربع أو يوصل من يريد إلى مراكز اتخاذ القرار، الذين يسنون من القوانين والأنظمة ما يحفظ لهم وضعهم المالي المتنامي، ويطلبون من موظفهيم انتخاب من يرشحونهم لللمناصب القيادية، وربما زوروا الإنتخابات من أجل ايصالهم، وعندما يوصلون من يريدون إلى الحكم ومراكز اتخاذ القرارات فإنهم يطلبون منهم سن قوانين لخدمتهم وتأمين مصالحهم، وكذلك فتح أسواق جديدة لهم في الخارج ليديروا ماكنات مصانع الأسلحة والسيارات والطائرات والإلكترونيات وغيرها التابعة لهم، بل يحثونهم على إشعال الحروب كي تنتعش مبيعات الأسلحة، ويسعون من خلال حكوماتهم إلى تأمين المواد الأساسية التي تقوم عليها صناعاتهم أو تجاراتهم من الخارج بأبخس الأثمان، عن طريق استعمار البلاد والشعوب بالإحتلال العسكري المباشر، أو سياسيا عن طريق شراء الذمم للحكام ومن حولهم، أو اقتصاديا عن طريق أخذ امتيازات البحث والتنقيب واستخراج المعادن والثروات وإغراق البلاد المستعمرة بالديون لتبقى مرهونة لهم، ومنعها من إقامة مصانع ثقيلة، بالإضافة إلى الغزو الفكري وهو الأهم بحيث يجعلون الشعوب المستعمرة تتخلى عن عقائدها ومبادئها، وهذا ما يسهل عليهم الإستعمار بأشكاله المختلفة، وما هذا الكم الهائل من الكتاب والمفكرين والصحفيين والخطباء والمشايخ الذين ينعقون ويروجون لسياسة الإنبطاح والاستسلام إلا مظهرا من مظاهر الإستعمار الفكري، حتى أن كثيرا من المشايخ يدعون إلى عقيدة فصل الدين عن الحياة وبالتالي فصلها عن السياسة والإقتصاد والحكم وهي ذاتها العقيدة الرأسمالية، ويضعون من القواعد والأحكام ما يوافق أهواءهم، حتى أنهم يقولون إن الإسلام قد ترك أمر أنظمة الحكم والاقتصاد للبشر وللتجارب الإنسانية، فيأخذ منها المسلمون ما يرونه أصلح لهم ولدنياهم، وهذا هو عينه عقيدة المبدا الرأسمالي، وكذلك تعمد هذه الدول إلى فصل المناطق الغنية بالثروات عن غيرها من البلاد وإقامة فيها دويلات أشبه بالكنتونات، كي يسهل ابتلاعها كما هو حاصل في مشيخات الخليج، التي جزؤوها بحيث أن بعضها لا تتجاوز مساحته قطعة أرض يملكها الأفراد، كمشيخة (مملكة) البح.... العظمى! ومشيخة قط.... العزى، والكو.... الثالثة الأخرى، تلك والله قسمة ضيزى قبِل بها عُبّاد الإستعمار من المطبلين والمزمرين، وكثير منهم يعتلي منبر رسول الله متباكيا على دماء الصحابة الذين فتحوا ووحدوا تلك البلاد، وداعيا من على المنبر إلى طاعة ولي أمره ونعمته الذي يسجد للإستعمار، ويدعو للحفاظ على التجزئة وعدم ضم الدول لبعضها على إعتبار أنها عقيدة السلف! وتجده يحذر من عبادة محمد وآل محمد وهو يعبد وليّ أمره وآل وليّ أمره، ويبيع آخرته ليس بدنياه بل بدنيا غيره، وهاهي ثروات المسلمين تنهب من كل ناهب ولا يستفيد منها المسلمون، ومع ذلك لا يجرؤ على انكار هذا المنكر الذي يحدث من قبل ولاة أمره، هؤلاء هم أتباع الرأسمالية الغربية وهذا هو النظام الرأسمالي: عدد محدود من الرأسماليين يتحكمون في العالم ويمتلكون مختلف المصانع من أسلحة وغيرها، ويستعمرون الأمم والشعوب وعملاؤهم يدشنون (يركبون ويجمعون) بعد كل هذا سيارة (ظبي1) بالإشتراك مع كبرى الشركات العالمية! فما بالك بتدشين ظبي2 فربما سيحتاجون إلى ثلاث دورات حياتية من عمر البشر حتى يدشنوها!!، ولا يمكن للعالم بعامة والمسلمين بخاصة أن ينعموا في حياتهم إلا إذا تخلصوا من عقيدة ونظام المبدأ الرأسمالي العفن، ومن عملاء الإستعمار الذين يتحكمون بهم، ويقومون بتغيير الأنظمة التي يحكمون بها من جذورها والتي وضعها البشر، والعودة إلى الإسلام كمبدأ من عند رب البشر عقيدة ونظام حياة في الدولة والمجتمع من أحكام إقتصادية وسياسية وغيرها.

نتابع معكم مستمعينا الكرام في حلقات قادمة إن شاء الله.

أحمد أبو أسامة

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.