December 29, 2010

الأزمات الإقتصادية العالمية- ح3

مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


مستمعينا الكرام نتابع معكم حديثنا حول الأزمات الاقتصادية العالمية وفي هذه الحلقة سنتحدث عن الخطأ الثاني الذي يجعل النظام الرأسمالي يخفق في معالجة الأزمات الاقتصادية.


وهذا الخطأ هو المزج بين النظام الاقتصادي والعلم الاقتصادي.


فأغلب بل كل الذين يتصدون لمعالجة الأزمات الإقتصادية في الأنظمة القائمة حاليا في العالم يمزجون بين العلم الإقتصادي والنظام الإقتصادي، مع أن العلم الإقتصادي يهتم بزيادة الإنتاج وتحسينه، والنظام الإقتصادي يتعلق بأسباب التملك وحيازة المال وتوزيع الثروة، وينبثق عن وجهة النظر في الحياة أي عن العقيدة، وهو يختلف من مبدأ إلى مبدأ، لذلك تجد أن المبدأ الإشتراكي -الذي اصبح أثرا بعد عين- ينقض النظام الإقتصادي الرأسمالي، ويتجلى ذلك في كتاب رأس المال لكارل ماركس 1818-1883 الأب الروحي للنظرية الشيوعية في القرن التاسع عشر الميلادي، وكذلك المبدأ الرأسمالي يرفض النظام الإقتصادي الإشتراكي الذي يلغي الملكية الخاصة إلغاء كليا أو جزئيا ويحقق نوع من المساواة الفعلية ويعتبر توزيع الإنتاج من خلال المجموع، ولكون المبدأ الإسلامي مغيب عن الساحة لعدم وجود دولة تطبقه وتحمله، فلا أحد من الذين يتصدون لمعالجة الأزمات الإقتصادية في الأنظمة القائمة في العالم اليوم يتطرق للنظام الإقتصادي الإسلامي.


والفرق بين نظام ونظام واضح حتى في الأحكام أو القوانين الجزئية، فالربا الموجود في النظام الإقتصادي الحر غير موجود في النظام الإقتصادي الإسلامي، وشركات الأموال "المساهمة" الموجودة فيه غير موجودة في الإقتصاد الإسلامي أو الإشتراكي، والملكية العامة الموجودة في النظام الإقتصادي الإسلامي غير موجودة في النظام الرأسمالي، وكذلك فإن النظام الإقتصادي الاشتراكي يحدد الملكية الخاصة بالكم لا بالكيف، والرأسمالي لا يحددها لا بالكم ولا بالكيف (حرية التملك)، بينما النظام الإقتصادي في الإسلام يحددها بالكيف لا بالكم، وكذلك الزكاة في الإسلام غير موجودة عند الرأسمالي أو الإشتراكي، والخصخصة الموجودة عند الرأسماليين يوجد عكسها عند الإشتراكيين وهو التأميم، في حين أن الإسلام يحرم الإعتداء على الملكية الخاصة باسم التأميم، ولا يجيز أيضا تحويل الملكية العامة إلى ملكية خاصة باسم الخصخصة، وكثير غير هذه الأحكام، والذي يجدر الإشارة له هنا أن تشابه هذا النظام مع ذاك في بعض الجزئيات لا يعني التطابق أو أن هذا النظام هو جزء من ذاك كما حاول البعض تصوير أن الإشتراكية من الإسلام او مطابقة له.


أما العلم الإقتصادي فهو عالمي لا يختص بأمة دون أمة، فإنتاج وتحسين إنتاج القمح أو الحليب أو البيض او تهجين الأغنام والأبقار لتصبح أكثر انتاجا للحليب واللحوم، أو تصنيع السفينة أو القطار او الطائرة أو الدبابة هو علم يؤخذ من دون قيد او شرط وتشترك فيه جميع الأمم وهو عالمي، وإن كان له علاقة بوجهة النظر الخاصة اي بالعقيدة فإنه يُلحق بالنظام كصناعة الخمور وبناء النوادي الليلية وغيرها، كما وتتسابق الأمم بمعرفة أسرار أي علم أوصناعة قديمة أوحديثة، لامتلاكها بغض النظر عمن إكتشفها أو صنعها، وهذا مشاهد محسوس لكل إنسان، فصناعة وركوب الطائرة يشترك فيه المسلم والرأسمالي والإشتراكي والهندوسي واليهودي والمسيحي وغيرهم، فلا إعتبار للعقيدة أو وجهة نظر الإنسان بها. والملاحظ أن كثيرا من المنظرين أو المضبوعين بالنظام الرأسمالي والذين تسببوا بالكوارث الإقتصادية لشعوبهم عن قصد أو بدون قصد، يقولون عن أنفسهم أنهم علماء إقتصاد وأن هذا العلم بحاجة إلى علماء وليس إلى مفكرين، وهم يقصدون بالعلماء هنا الأساتذة في العلم الإقتصادي، وليس المفكرون والمجتهدون، ويعرفون العلم الإقتصادي بأنه: "العلم الذي يبحث في الاستخدامات المتعددة للموارد الاقتصادية لإنتاج السلع والخدمات وتوزيعها للاستهلاك في الحاضر والمستقبل بين أفراد المجتمع"، فهم يخلطون بين العلم المتعلق بالإنتاج والنظام المتعلق بالتوزيع، مع أن موضوع المشكلة الإقتصادية هو توزيع الإنتاج وليس زيادته، والأزمات تنتج من سوء التوزيع وإدارته وليس عن الندرة النسبية للسلع والخدمات كما يقول الرأسماليون، والذي يعالج الخلل في التوزيع هو النظام وليس العلم، وفهم النظام وحسن تطبيقه هو من اختصاص السياسيين المفكرين والمجتهدين وليس من اختصاص العالم في شؤون المحاسبة، فاختصاصهم في المحاسبة أو في القواعد التجارية أو في الطرق الإنتاجية المتعلقة بكثافة العمالة او رأس المال او التكنولوجيا وما شاكلها لا يؤهلهم في الحديث عن علاج الأزمة الإقتصادية، فالمفكرون والسياسيون إذا كانوا ينطلقون من وجهة نظر معينة في الحياة، هم الذين يعالجون مشاكل شعوبهم وبلدانهم، إذا كانوا في مركز القيادة لدولهم، فالأزمة الإقتصادية في الأساس هي مشكلة سياسية، ناتجة عن خلل أو خطأ في النظام المطبق، وليست ناتجة عن الخطأ في مسك الدفاتر التجارية والمحاسبية، فعندما يكون الحاكم الذي يملك القرار السياسي مخلصا، ويطبق نظاما معينا يملك الحل، فإنه يطبق هذا النظام ويحل المشكلة، وأذكر قصة عن بن جوريون أول رئيس وزراء لدولة العدو الاسرائيلي عندما طلب من العلماء والمهندسين الزراعيين استصلاح صحراء النقب فأجابوه بتقرير بعد شهر بأنه لا يمكن استصلاحها، فمزق التقرير في وجوههم وقال أنا قلت استصلحوها: كيف؟ هذا عملكم، ولم أطلب منكم تقريرا عن امكانية استصلاحها او عدمه، وفعلا خلال فترة بسيطة تحولت هذه الصحراء إلى جنات، فكان شريان مشروع «نقب النمو» الذى موله صندوق بناء إسرائيل «كاكال» مع وزارة الزراعة الإسرائيلية والوكالة الصهيونية، وانصب على تنمية القطاع القروى فى النقب بإقامة مزارع متفرقة تستهدف الإنتاج الزراعى والسياحى، فاشتمل مشروع «نمو النقب» الإسرائيلى على حقول الدفيئات لإنتاج الخضروات والفواكه الأرضية كالطماطم والفراولة والبطاطا مع منح كل وحدة زراعية مخزن تبريد ومعمل تغليف لتسويق منتجاتها، كما اهتموا بزراعة الحمضيات على مياه الصرف المعالجة، وكانت هناك برك مياه فى وادى ومرتفعات النقب لتربية الأسماك، مع أغراس زيتون مروية بالمياه المالحة ومراعٍ وغرف ضيافة لاستقبال السائحين!، وكذلك لينين -اول زعيم لروسيا الشيوعية- عندما طلب منه المزارعون أن يستورد لهم تراكتورات زراعية، قال لهم لن نستوردها حتى ننتجها نحن، اعملوا بأظافركم وأيديكم إلى أن ننتجها ونوفرها لكم!، وقد طبق النظام الإقتصادي في الإسلام أكثر من عشرة قرون لم تحدث خلال تطبيقه أي أزمة داخلية أو أزمات عالمية، فعندما كانت تواجه المسلمين مشكلة متعلقة بقلة الإنتاج فإنهم يحلونها من خلال السياسة الإقتصادية أو العلم الإقتصادي، كما حصل مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام المجاعة او الرمادة، فإنه بعث للمناطق التابعة له من مثل العراق والشام ومصر، يطلب فيها إغاثة اهل الحجاز، فكانت الإستجابة على وجه السرعة، حتى أن عمرو بن العاص قال ردا على رسالة أمير المؤمنين: أبشر يا أمير المؤمنين، سوف أبعث لك قافلة أولها عندك وآخرها عندي، ففي هذه القصة نستنتج أن عمر بن الخطاب أحسن تطبيق الإسلام في هذه الجزئية، فكان الحل الذي وضعه الإسلام حلا جذريا أصليا من صلب الإسلام، وليس ترقيعيا أو مؤقتا، وعمر لم يكن عالم اقتصاد بل كان حاكما سياسيا يطبق نظاما خاصا منبثقا عن عقيدة خاصة، ولا يقال أن الحياة الإقتصادية كانت سهلة وغير معقدة في ذلك الوقت، لا يقال ذلك لأن الناس والبلاد قبل الإسلام وفي البلاد التي لم يدخلها الإسلام ظلت تعاني من المشاكل الإقتصادية كما كانت اوروبا في العصور الوسطى إذ كانت تسمى عندهم عصور الظلام نتيجة ظلم الحكام والكنيسة لهم، وكذلك بعد زوال الحكم الإسلامي الآن، وهذه الأمثلة عن القادة الثلاث المختلفين في عقائدهم وأفكارهم وغير هذه الأمثلة كثير ترينا أن التقدم في الناحية العلمية هو مرهون بامتلاك الحاكم لقراره السياسي فقط، والذي يمنع المسلمين اليوم من امتلاك الصناعات هو من يملك القرار السياسي في البلاد وليس العلماء، فالتأخر العلمي هو مسؤولية الحكام في الدرجة الأولى والأخيرة وليست مسؤولية العالم الذي لايملك قرار انشاء مصنع للدبابات او للطائرات أو مفاعل نووي، وأما معالجة الأزمة أو المشكلة الإقتصادية المتمثلة في توزيع الإنتاج فإنها متعلقة بالتشريع وليس بالعلم، وها نحن المسلمين بخاصة والعالم بعامة أصبحنا نعاني من الأزمات المتتالية نتيجة الأخذ بالنظام الرأسمالي وعدم تطبيق الإسلام، ومع وجود دول متقدمة صناعيا وعلميا كأمريكا إلا أن الأزمة الإقتصادية الحالية أول ما بدأت بها لأن المشكلة في النظام المطبق وليس في الإنتاج.


وكما أن هناك فرق بين علم الطب والتشريعات الطبية وبين علم الهندسة والتشريعات الهندسية، فكذلك هناك فرق بين علم الإقتصاد والنظام الإقتصادي، فالطب والهندسة وما شابهها من علوم تؤخذ في الكليات العلمية وتؤخذ نتيجة لإخضاع المادة للتجربة ومن ثم الملاحظة والإستنتاج، ويتخرج منها الأطباء والمهندسون والمحاسبون وغيرهم، لكن التشريعات المتعلقة بهذه العلوم لاتخضع للتجربة بل تؤخذ من وجهة النظر في الحياة، فحكم الإجهاض وحمل الأنابيب من غير الزوج والتبرع بالأعضاء التي تتوقف عليها الحياة قبل الموت وبعده، هي تشريعات تتبع وجهة النظر في الحياة، لكن الطبيب يتعلم الإجهاض ويتعلم طريقة الحمل بالأنابيب ويتعلم زراعة الأعضاء، فهو يقوم بها في الحالات التي يسمح له المشرع بذلك، فقد يمنعها المشرع في بلد ويسمح بها المشرع في بلد آخر، حسب دين وعقيدة كل بلد، فهناك فرق بين إجراء عملية الولادة وبين سبب الحمل، فإجراء عملية الولادة علم يقوم به أيا كان بغض النظر عن عقيدته، ولكن سبب الحمل يجب أن يكون مشروعا حسب وجهة النظر الخاصة للإنسان، وهي تشبه الفرق بين خاصية المادة او السكين وبين استعمالها، فصناعة السكين بشكل جيد هو من باب العلم، لكن المجال الذي تستخدم فيه، يتعلق بالتشريعات أي بالنظام، فيجوز عند البعض أن تذبح فيها شاة ولا يجوز عند آخرين، ولايجوز أن تقطع فيها لحم الخنزير عند قوم ويجوز عند آخرين، وهذا ينطبق على صناعة الأسلحة وصناعة أسلحة الدمار الشامل، فإنه يجب تصنيعها وامتلاكها في الإسلام لإرهاب العدو ولكن لا يجوز استخدامها عشوائيا بدون ضوابط، اي أن النظام لايجوز أخذه إلا من المبدأ أو الدين الذي يتبناه الإنسان، والنظام الإقتصادي الرأسمالي، هو نظام كفر يحرم على المسلمين أخذه أو تطبيقه أو الدعوة إليه تحت أية ذريعة كانت، أما العلم الإقتصادي الذي يتعلق بتحسين الإنتاج وزيادته، فيجوز بل يجب أخذه من أي كان، ولا أريد أن أطيل في تفصيل الفرق بين العلم والنظام كي لا نشتت ذهن القارئ في مسائل أخرى وهي مفصلة في كتب حزب التحرير.


هذا بالنسبة للخطأ الثاني المزج بين النظام الاقتصادي والعلم الاقتصادي ونتابع معكم مزيدا من الأخطاء في الحلقات القادمة إن شاء الله


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.