March 18, 2009

الضرائب- الأستاذ عبد الرحمن المقدسي   

فطر الله الإنسان وأودع في فطرته حبه للمال، وسعيه بقوة لتحصيله، وحرصه الشديد على تنميته وزيادته، فالمال يأخذ حيزا كبيرا من التفكير في حياة الإنسان. ويصيبه القلق إذا ما تأخر عنه المال أو لم يكفه لقضاء حاجاته ومصالحه . ولما كان هذا هو حال الإنسان في حبه للمال وتعلقه به ولما كان الإنسان مخلوقا في هذه الحياة لعبادة الله عز وجل كان لا بد له من نظام يجلب له الهناء والسعادة في الدنيا والآخرة. وخاصة في ما يتعلق بحبه للمال وكسبه وإنفاقه على وجه يضمن له قضاء مصالحه ، وسد جوعاته ورغباته دون إفراط أو تفريط ، دون قضاء حاجة على حساب أخرى ، وهذا النظام بالطبع لا بد أن يكون من عند العزيز الحكيم سبحانه جلت وعظمت قدرته ، الذي ضمن للإنسان به قضاء جميع حاجاته في كافة مجالات حياته وضمن له به تنمية ملكه والسعي لتحقيق كماليات حياته ، وضمن له به حدّه وحدوده في سعيه لكسب ماله وإنمائه وإنفاقه على وجه يتبادل الناس فيه مصالحهم بحيث لا يؤثر على مصالح الآخرين بالسلب بل بالإيجاب والنفع المتبادل بينهم .

وفي هذا المجال نتناول جانبا من هذا النظام في ما يتعلق بالضرائب في نظر الإسلام بعد إلقاء الضوء على نظام الضرائب المطبق في بلاد المسلمين والذي اكتوت بناره الأمة الإسلامية وما زالت ، والذي جعل الحياة ضنكا لا يطاق ، وحرمانا ليس له مثيل.

 فقد عرت الضريبة بأنها " فريضة نقدية يتحملها المكلفون بصفة نهائية وبدونمقابل كأداة مالية تلجا إليها الدولة من اجل تحقيق أهدافها." " " فريضة نقدية يلتزم الفرد بأدائها إلى الدولة وفقاً لقواعد تشريعية وبصفة نهائية لغرض تغطية النفقات العامة وبدون مقابل ". " هي الأموال التي أوجبها الله على المسلمين، للقيام بالإنفاق على الحاجات والجهات المفروضة عليهم، وفي حال عدم وجود مال في بيت المسلمين، للإنفاق عليها ".

إن نظام الضرائب هذا قد جلب الفقر والجوع والبطالة والتدهور الاقتصادي، فضريبة المبيعات مثلا ستدفع إلى رفع أسعار السلع، وبالتالي إلحاق الضرر على المستهلك ومحدودي الدخل والموظفين. والى تسريح بعض الأيدي العاملة، وتقليل أجرة العمال، والتأثير على الإنتاج كما وانتفاعا. فقد دأبت الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين والمستمدة من النظام الرأسمالي إلى فرض ضرائب في جوانب كثيرة في حياة الناس ما جعلها دول جباية لا دول رعاية . فإذا نظرت إلى نظام الضرائب فإنك تجد أنواعه الكثيرة، ونسبه العالية. فهناك ضريبة الأراضي ـ ضريبة الأرباح ـ ضريبة الرؤوس ـ الضريبة الجمركية ـ الضريبة الشخصيةـ ضريبة الدخل ـ ضريبة العائد على رأس المال ـ الضريبة العينية ـ الضرائب غير المباشرة ـ ضريبة القيمة المضافة ـ الضرائب المباشرة ـ الضرائب المتعددة ـ ضريبة المبيعات ـ ضريبة الممتلكات وغيرها من الضرائب التي تأخذ جورا وظلما من الرعية ، وملاحقة الأنظمة الجاثمة على هذه الأمة للناس في نظام الضرائب قد الحق الضرر بعامة الناس وجلب لهم الحرمان من قضاء حاجاتهم الأساسية من مأكل ومسكن وملبس، بسبب الزيادة في أسعار السلع والخدمات نتيجة لفرض ضرائب على الناس وبنسب عالية لا يطيقها صاحب السلعة ولا المصنع لها ولا المستهلك لها ، والأمر ليس مقتصرا على السلع لوحدها ، فالدولة تفرض ضرائب على مرافق متعددة من جوانب الحياة الخدماتية . فمثلا بلغ عدد الضرائب والرسوم المفروضة على الناس في الأردن ما يقارب 81 ضريبة ورسما. إن هذه الضرائب تفرض على الناس بحجة المصلحة العامة ، مع أنها في حقيقتها استجابة لتوجيهات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، وتحقيقا لمصالح الزمرة الحاكمة الآنية الأنانية . فتأخذ الدول بالتفنن في أخذ الأموال من الرعية ظلما وبهتانا لسد ديونها التي تقترضها من صندوق النقد الدولي وهذا المال المقترض يذهب للحاكم وزبانيته ليعاقروا الخمر وارتكاب الفاحشة ، وبناء القصور واليختات ، والرحلات الترفيه ولعب القمار وغير ذلك من الموبقات والمنكرات وحين السداد يلجأ النظام إلى تحميل الناس هذه الديون بفرض ضرائب عليهم في كافة مجال حياتهم ، حتى أصبح المسلم الذي يحكم تحت ظلمهم يكابد العيش ليحيى أي حياة تبقيه على قيد الحياة ، بل يعش الكثير من أبناء المسلمين في مأكلهم ومسكنهم وملبسهم على الديون .

فبأي حق تأخذ الدولة مالا على السلع حال استيرادها أو تصديرها ، وبأي حق تأخذ الدولة مالا على الأموال التي تنقل من المتوفى إلى ورثته أو الموصى إليهم تحت مسمى ضريبة التركات ، وبأي حق إذا ما أردت شراء سلعة من مدينة لأخرى في نفس المحافظة لا بد من توثيق شرائك بفتورة ضريبية لا بل يحصل هذا في نفس المدينة حال تبادل السلع ، حتى تستطيع الدولة اقتطاع أكبر نسبة عالية من المال من الناس ظلما وعدوانا .

إن نظاما مستمدا من الرأسمالية التي تفصل الدين عن الحياة وعن الدولة وتجعل التشريع لهذا الإنسان العاجز سيكون خطرا على عيش الناس واقتصادهم ، وسيغرق الناس بمشاكل لا نهاية لها في جميع مجال حياتهم و في مجال كسبهم وإنفاقهم ومعاشهم .

وما دام المسلمون يسكتون على تطبيق هذه الأنظمة والتي حرمتهم من أقل القليل من العيش ليحيوا مجرد حياة. فإن الأمر سيزداد سوءا على سوء ، وضيقا على ضيق ، وظلما على ظلم إلا إذا انعتق المسلمون من هذه الأنظمة الخائرة ولجأوا إلى النظام الذي نزل من فوق سبق طباق والذي يحرم أخذ الضرائب من الناس إلا في حالات الضرورة ولتحقيق المصلحة العامة . ويراعى في الإسلام في فرض الضرائب على الناس ما يلي :

  • المرافق التي يضرب من أجلها الضرائب هي:

1. نفقات الجهاد

2. نفقات الصناعة الحربية

3. نفقات الفقراء والمساكين وابن السبيل

4. نفقات رواتب الجند والموظفين والقضاة والمعلمين وغيرهم

5. النفقات المستحقة على وجه المصلحة والإرفاق بالأمة

6. نفقات الحوادث الطارئة من مجاعات وزلازل وطوفان ..

  • تأخذ الضرائب من الأغنياء ، فلا تأخذ من من لا يملك ما يفضل عن حاجاته الأساسية من مأكل ومسكن وملبس .
  • تأخذ الضرائب بقدر معين لا يزيد عن المطلوب تحقيه فيما يتعلق برفع الضرر وتحقيق المصالح في المرافق المذكورة.
  • لا يوجد ضرائب دائمة وإنما مؤقتة وفي حدود المرافق المذكورة فقط.

" ... ولا يجوز للدولة أن تفرض ضرائب غير مباشرة ، كما لا يجوز أن تفرض ضرائب على شكل رسوم محاكم ، أو على الطلبات المقدّمة للدولة ، أو على معاملات بيع الراضي وتسجيلها ، أو على المسقـفات ، أو الموازين، أو غير ذلك من أنواع الضرائب غير السابقة ، لأن فرضها من الظلم المنهيّ عنه، ومن المكس الذي قال عنه رسول الله r: << لا يدخل الجنة صاحب مَكْس >> رواه أحمد والدارمي وأبو عبيد. "

وتجدر الإشارة إلى أن في دولة الخلافة بيت مال خاص في تغطية هذه المرافق وغيرها من مصالح الناس.

وإنه في ظل الواقع الذي نعيش من وجود ٍ لخبرات في باطن الأرض وظاهرها ومن وجود للتقدم العلمي القادر على الاستفادة من هذه الخيرات وفي ظل العدل الذي سيتوج على الحكم في ظل الخلافة الاسمية فإنه يمكن القول أن لا يكون هناك ضرائب تفرض على الأغنياء في المرافق الآنفة الذكر . فإذا كان على زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز مالا في بيت مال المسلمين يفيض ويجد سبيلا على الفقراء ليأخذوا منه لعدم وجود فقير على زمانه ، فكيف اليوم حيث الخيرات العميمة ، والتقدم العلمي المذهل الذي به يمكن الاستفادة من هذه الخيرات ، هذا عدا عن أن الخلافة القادمة ستكون إن شاء الله على منهاج النبوة وهذا يعني وجود العدل المنيع الذي يملأ حياة الناس بالهناء والعيش الرغيد .

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.