الضرائب غير الشرعية هي المكوس المحرمة
الضرائب غير الشرعية هي المكوس المحرمة

لأصل في أموال المسلمين الحرمة، لعموم قوله ﷺ: «كلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» متفق عليه. والحرمة تنسحب على الدولة تماما كما تنسحب على الأفراد، فكما يحرم على المسلم أن يأخذ مال أخيه بغير رضاه، فإنه يحرم على الدولة أخذ مال الأفراد بغير رضاهم، قال عليه الصلاة والسلام: «أَلَا لَا تَظْلِمُوا، أَلَا لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (الألباني، تخريج مشكاة المصابيح، صحيح).

0:00 0:00
السرعة:
December 24, 2021

الضرائب غير الشرعية هي المكوس المحرمة

الضرائب غير الشرعية هي المكوس المحرمة

الأصل في أموال المسلمين الحرمة، لعموم قوله ﷺ: «كلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» متفق عليه.

والحرمة تنسحب على الدولة تماما كما تنسحب على الأفراد، فكما يحرم على المسلم أن يأخذ مال أخيه بغير رضاه، فإنه يحرم على الدولة أخذ مال الأفراد بغير رضاهم، قال عليه الصلاة والسلام: «أَلَا لَا تَظْلِمُوا، أَلَا لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (الألباني، تخريج مشكاة المصابيح، صحيح).

ولا يجوز للدولة الأخذ من أموال الناس إلا ما أجازه لها الشرع، وهي الأموال المستحقة شرعا على رعايا الدولة، والتي سمّاها الشارع حقّاً للدولة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، وقال ﷺ: «أُمِرتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا؛ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» متفق عليه. وهذه الجبايات التي تفرض على رعايا الدولة هي بالأساس الزكاة والخراج والجزية وخمس الغنائم وخمس الركاز. وما عدا ذلك، فلا يجوز للدولة أن تفرض جبايات إضافية أي ضرائب إلا بالشروط التالية:

  1. ألا يكون في بيت المال ما يكفي حاجتها.
  2. أن تكون الدولة قد استوفت جباية حقوقها، أي أنه لا يجوز لها التفريط في بعض أموالها (كالمعادن مثلا) ثم تفرض الضرائب على الناس بحجة عدم كفاية الموارد.
  3. أن تكون الضرائب فقط لسد النفقات الواجبة على بيت المال في حال وجود المال فيه وعدمه وهي نفقات الجهاد والإعداد له وما يلحقه من مصانع وصناعات، ونفقات الفقراء والمساكين وابن السبيل والرواتب والنفقات على المرافق الضرورية التي يلحق الأمة ضرر من عدم الإنفاق عليها.
  4. أن تكون الضرائب مؤقتة، أي بقدر الحاجة وليست دائمية.
  5. أن تفرض الضرائب الإضافية على أغنياء المسلمين فقط وليس على كل الرعية. فالضرائب تؤخذ من المسلمين مما يفضل عن إشباع حاجاتهم الأساسية والكمالية بالمعروف حسب حياتهم التي يعيشون عليها.

فإن جَبَت الدولة شيئاً من أموال الناس خارج هذا الإطار، فهو حرام وهو غصبٌ لأموال الناس بغير حق، وهو المكس المحرم، قال عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ» (السيوطي، الجامع الصغير، صحيح)، وفي رواية بزيادة، «يَعْنِي الْعَشَّارَ»، أي الذي يفرض ضريبة العشور وهي الجمارك على تجار المسلمين، وهي ضريبة غير مشروعة. وقد اعتبر عليه الصلاة والسلام المكس من الذنوب العظيمة المستقبحة، حيث قال عن ماعز الذي رُجم في الزنا المحصن: «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ، لَقُبِلَتْ مِنْهُ» (الألباني، السلسلة الصحيحة، صحيح)، وفي رواية: «اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ» أي أن ذنب صاحب المكس يعادل ما ترتكبه أمة من الذنوب!

وعلى الرغم من عظم هذه الجريمة، نجد دولنا اليوم تستسهلها، حيث بلغ الأمر أن تصل نسبة الضرائب في موارد الدول ما يقارب 90% (مثال: ميزانية المغرب لسنة 2022)، أي أنها فرطت في كل مداخيلها، وأصبحت تعتاش فقط من جباية ما في جيوب الناس، وليس هذا عن عجز وعدم كفاية، فبلاد المسلمين من أغنى بلاد الأرض على الإطلاق، ولكن لأنهم فرطوا في مداخيل الدولة بين تمكين للاستعمار من خيرات بلاد المسلمين وبين جعلها مستباحة للحكام وحواشيهم. أي أنهم يضيعون أموال الدولة ثم يدّعون العجز ومن ثم الحاجة لفرض الضرائب على رقاب الناس، غنيهم وفقيرهم!

والمحزن أنه وعلى الرغم من ارتفاع نسب الضرائب المفروضة على الناس (فالضريبة على القيمة المضافة وحدها تصل إلى 20%، والضريبة على الدخل قد تصل إلى 40%، و... )، وعلى الرغم من تنوع هذه الضرائب حتى جعلوها تشمل كل مناحي الحياة اليومية، فإن الدول لا تزداد إلا فقراً وعجزاً واستدانة، فلا هي تنتفع بما تجبيه، ولا هي تتركه في أيدي الناس يستعينون به على سد حاجياتهم، وليس ذلك إلا لسفه الحكام وسوء تصرفهم، فالضرائب الشرعية على رغم قلتها (نسبة زكاة الأموال 2.5% فقط)، ولكن حين كان يحسن استعمال موارد الدولة عموماً كان الخير يعمُّ ويفيض، وتعجُّ كتب التاريخ بالأمثلة على ذلك ولعل أشهرها، حين لم يجد عمال الزكاة من يستحقها في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، علماً أن فترة حكمه لم تتجاوز السنتين إلا بقليل. أورد أبو محمد بن عبد الحكم في سيرة عمر بن عبد العزيز، أن يحيى بن سعيد قال: "بَعَثَنِي عمر بن عبد الْعَزِيز على صدقَات إفريقية فاقتضيتها وَطلبت فُقَرَاء نعطيها لَهُم فَلم نجد بهَا فَقِيرا وَلم نجد من يَأْخُذهَا مني، قد أغْنى عمر بن عبد الْعَزِيز النَّاس فاشتريت بهَا رقاباً فأعتقتهم وولاؤهم للْمُسلمين". وأورد أبو عبيد القاسم في كتابه الأموال، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن، وهو بالعراق: "أنْ أَخْرِجْ للناس أُعطياتهم، فكتب إليه عبد الحميد: إني قد أخرجت للناس أُعطياتهم، وقد بقي في بيت المال مال. فكتب إليه: أن انظر كل من أدان في غير سَفَهٍ ولا سَرَفٍ فاقْضِ عنه، فكتب إليه، إني قد قضيتُ عنهم وبقي في بيت مال المسلمين مال. فكتب إليه: أن انظر كل بِكْرٍ ليس له مالٌ فشاء أن تُزوِّجه، فَزَوِّجْهُ وأَصْدِقْ عنه، فكتب إليه: إني قد زوَّجت كل من وجدتُ، وقد بقي في بيت مال المسلمين مالٌ. فكتب إليه بعد مخرج هذا أن انظُر من كانت عليه جزيةٌ فَضَعُف عن أرضه فَأسْلِفْه ما يقوى به على عمل أرضه، فإنا لا نريدهم لعامٍ ولا لعامين".

لقد كان غياب دولة الإسلام وبالاً على المسلمين، فضاعت حقوقهم، وتدهورت أوضاعهم، وأصبحت بلادهم نهباً لكل طامع، وفريسة لذئاب الأرض، يرى المسلمون أراضيهم وأموالهم وأبناءهم تُنتزع منهم انتزاعاً وهم لا يملكون دفع يد ظالم. إلا أننا نوقن أن هذا الغياب إنما هو غياب مؤقت، وإن عودة هذا الكيان الحامي قريبة بإذن الله، وقد ملأت تباشيرها الأرض، ولعلها أقرب مما يتصور الكثير منا.

فاللهم اجعل لنا نصيباً في ذلك، واستعملنا في طاعتك، واجعلنا من جندك، وأكرمنا بالعيش في ظل شرعك.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مناجي محمد

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو