الديمقراطية والعلمانية لا تفترقان
الديمقراطية والعلمانية لا تفترقان

عندما تمكن الغرب الكافر من هدم دولة الخلافة ظن الكثيرون أنه بإمكانهم تغيير الواقع من خلال الدخول في الأنظمة الحالية والانخراط بها وأنه بإمكانهم القضاء على العلمانية بهذه العملية. وأصبحوا ينادون بالديمقراطية ويقولون للناس إنهم ضد العلمانية لكن مع الديمقراطية لأن الديمقراطية هي وسيلة وليست غاية، وأدخلوا أنفسهم والناس في نظرية أفلاطونية لا حقيقة لها على أرض الواقع خيالية؛

0:00 0:00
السرعة:
March 22, 2021

الديمقراطية والعلمانية لا تفترقان

الديمقراطية والعلمانية لا تفترقان

عندما تمكن الغرب الكافر من هدم دولة الخلافة ظن الكثيرون أنه بإمكانهم تغيير الواقع من خلال الدخول في الأنظمة الحالية والانخراط بها وأنه بإمكانهم القضاء على العلمانية بهذه العملية. وأصبحوا ينادون بالديمقراطية ويقولون للناس إنهم ضد العلمانية لكن مع الديمقراطية لأن الديمقراطية هي وسيلة وليست غاية، وأدخلوا أنفسهم والناس في نظرية أفلاطونية لا حقيقة لها على أرض الواقع خيالية؛ لا هم استطاعوا التخلص من مستنقع الديمقراطية العلمانية ولا هم استطاعوا القضاء على العلمانية، وبقوا في المستنقع. وبعد أن كانوا ينادون بحل المشكلة أصبحوا جزءاً منها ونسوا أن استمرار العملية الديمقراطية والانخراط بها هو الحفاظ على العلمانية بحد ذاتها، فلا يمكن القضاء على العلمانية مع الحفاظ على الديمقراطية ولا يمكن القضاء على الديمقراطية مع الحفاظ على العلمانية، فكلتاهما جزآن لا يتجزآن، ولن أغوص في الموضوع من الناحية الفكرية فآتي بأقوال جون لوك، وتوماس جيفرسون، وجورج هوليوك، وجان جاك روسو... وإنما سأكتفي بإعطاء مثال عن تركيا وأترك لكم الحكم بعدها:

كان مصطفى كمال يؤمن بالعلماينة حق الإيمان، فالرابطة التي تربطه مع الغرب ليست رابطة المصلحة والمنفعة بل هي رابطة الفكرة والمبدأ. لأجل هذا كان يريد أن يضمن العلمانية في تركيا بعد موته. لكن ما هي الجهة التي تضمن العلمانية وما هو النظام الذي يطبقها ويصرف الأنظار عنها، ويشغل الناس بقضايا جزئية لا قيمة لها؟ وعد مصطفى كمال الشعب بالحرية والرفاهية وتداول السلطة و... لكن كيف يتم تداول السلطة وحزبه هو الحزب الحاكم الوحيد في تركيا؟! وفي حال تعرضت العلمانية للخطر مَن الذي يحميها ومن الذي يحمي نفوذ بريطانيا في تركيا؟!

بدأ مصطفى كمال بوضع نفوذه كاملا في الجيش حتى أصبحت عقيدة الجيش هي عقيدة كمالية بحتة وغُيّب فيه الإسلام كاملا. أما من ناحية النظام فقد عمل مصطفى كمال على التشجيع لتأسيس أحزاب سياسية، فكانت أول محاولة هي الحزب الجمهوي التقدمي التركي (Terakkiperver Cumhuriyet Fırkası) الذي أسس على يد كاظم قره باكير في عام 1924م، لكن أُغلق الحزب بعد ستة أشهر من تأسيسه وأُعدم بعض أعضائه بحجة محاولة اغتيال مصطفى كمال وبعضهم سجن. أما المحاولة الثانية فكانت الحزب الجمهوري الليبرالي (Serbest Cumhuriyet Fırka) حيث تأسس الحزب على يد فتحي أوكيار بطلب من مصطفى كمال الذي التقى أثناء زيارته إلى يلوفا بفتحي أوكيار وطلب منه تأسيس حزب سياسي، لكن ما إن تأسس الحزب حتى اجتمع كل المعارضين للنظام العلماني فيه، وبعدها أُغلق الحزب وبقي حزب الشعب الجمهوري هو الحزب الوحيد في تركيا حتى عام 1946 حيث أسس عدنان مندريس الحزب الديمقراطي، وفي عام 1960 قام الجيش بانقلاب عسكري أطاح بعدنان مندريس وحزبه واستولى الجيش على الحكم، لكن لم يبق الجيش هو الحاكم في تركيا فمهمة الجيش هي حماية العلمانية والنفوذ البريطاني في تركيا. وبعدها دعا الجيش السياسيين لتأسيس أحزاب سياسية وعادت العملية الديمقراطية مرة ثانية، وفي عام 1980 قام الجيش بعملية انقلابية مرة ثانية واستولى على الحكم وبعدها دعا الجيش السياسيين لتأسيس أحزاب سياسية وعادت العملية الديمقراطية مرة ثانية وهكذا...

نرى من خلال استعراضنا لتاريخ الجمهورية التركية كمثال أن الانخراط في العملية الديمقراطية هو بحد ذاته علمانية، وأن الديمقراطية هي شكل من أشكال الحكم التي تحمي العلمانية.

فهل أدرك الإسلاميون في عصرنا أنه لا يمكن القضاء على العلمانية بوجود الديمقراطية، وأن الواقع يجب أن يكون هو موضع التفكير لا مصدر التفكير، وأنه يجب على الإسلاميين إنكار هذا الواقع كلياً والعمل لتغييره دون أن ينخرطوا فيه؟!

لقد رأينا أنه ما إن دخلت بعض الجماعات الإسلامية في العملية الديمقراطية حتى نسيت الخلافة ونسيت القضاء على العلمانية لأنهم انشغلوا بالمشاكل التي أنتجتها العلمانية. فما إن يحلوا مشكلة حتى تظهر عندهم مشكلة ثانية! وهكذا داروا بدوران المشاكل وانشغلوا بها وأصبح همهم البقاء في السلطة. فكانوا قبل وصولهم للحكم دعاة الإسلام وحماة الإسلام وبعد وصولهم أصبحوا أساتذة رياضيات يحسبون بالعمليات الرياضية الأصوات التي تبقيهم في السلطة!!

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد دردة

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو