الفاتح محمد بن القاسم الثقفي دروس وعبر
September 10, 2018

الفاتح محمد بن القاسم الثقفي دروس وعبر

الفاتح محمد بن القاسم الثقفي دروس وعبر

في عام 711م أبحر تجار مسلمون عبر المحيط الهندي من سيلان قرب ساحل السند، لكن سفينتهم نُهِبت وأُخِذوا أسرى، فوصلت أنباء ذلك إلى عاصمة دولة الخلافة، حيث كان الخليفة هو الوليد بن عبد الملك آنذاك، فأرسل رسالة إلى الحجّاج بن يوسف (والي العراق) يأمره فيها بأن يطلب من حاكم السند الاعتذار عن تلك الفعلة، وأن يقوم - الحجَّاج - بتحرير المسلمين المأسورين. فأرسل الحجّاج جيشاً بقيادة شابّ من ألمع أبناء الأمة، يحتل اسمه مكانة مرموقة في قلوب المسلمين، بخاصّة في شبه القارة الهندية، حمل على عاتقه مسؤولية قيادة جيش دولة الخلافة الإسلامية إلى أرض أجنبية، إنه محمد بن القاسم الثقفي (فاتح بلاد السند).

هكذا كان رد الحاكم المسلم الذي يزن الأمور بموازينها، ولا يقلل من عِظم الحدث (اعتداء مارقين على حرمة المسلمين)، لم يلجأ الخليفة إلى الروم أو ملكة بريطانيا للاحتجاج على ما اقترفته الأيدي الآثمة بحق المسلمين... فشتان بين موقف الخليفة الوليد وردة فعله الواجبة وبين ردود فعل حكام باكستان عندما يتم التعرض لحرمات المسلمين في باكستان وغير باكستان على أيدي المحتلين الجدد الأمريكان والعدو اللدود الدولة الهندوسية؛ حيث يلجأ حكامنا الرويبضات إلى مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي وأمريكا، التي هي في الحقيقة هيئات عالمية مارقة تغذي كل اعتداء على الإسلام والمسلمين، في مشهد يؤكد عمالة هؤلاء الحكام وليس سذاجتهم، فهذه الهيئات قد أثبتت ألف مرة أنها هيئات لا تكِنّ إلا الضغينة للإسلام والمسلمين، وتتربص بالمسلمين وتكيد لهم صباح مساء، وهي جميعا ملة واحدة لا فرق بين الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن وأمريكا وروسيا... ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الاَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾.

 إن القائد العسكري أو السياسي الحقيقي، صاحب العقيدة الإسلامية الربانية، لا يقبل التفاوض والحلول الوسط على حقوق المسلمين، فعندما وصل جيش دولة الخلافة ديبال (قرب كراتشي)، سلّم محمد بن القاسم مطالبه إلى حاكمها (راجا)، الذي بدوره رفضها، وبالتالي قاتلهم المسلمون حتى هزموهم وفتحوا ديبال. ولم يكتف القائد الفذّ بذلك، بل أَتْبع محمد بن القاسم نجاحه الأول بفتوحات أخرى، حيث إن واجب المسلمين يقضي بأن يجعلوا كلمة الله عزّ وجلّ هي العليا، وبدافع من العقيدة الإسلامية واصل الجيش الإسلامي تقدمه حتى بلغ (ملتان)، وفي خلال ثلاث سنوات، أي بحلول عام 714م، أُدخِلت السند بأسرها وجنوب البنجاب في ظلّ حكم الخلافة الإسلامية. لم يكن هذا الفتح اعتداء على الغير، يستنكره المجتمع الدولي أو أي منصف كريم، فبفتح الجزء الشمالي الغربي من شبه القارة الهندية نَقل الجيشُ الإسلامي عبّادَ الأصنام من الظلام إلى نور الإسلام، وطلب محمد بن القاسم من موظفي الخلافة الإداريين رعايةَ شؤون الناس بأمانة الإسلام وعدله، فيأخذوا الأموال بحقها من زكاة وجزية... دون إرهاق، ويضعوها مواضعها في سد حاجة الفقراء وتوفير العيش الكريم للرعية. وفي الوقت الحالي، فإن عودة هيمنة الإسلام على شبه القارة الهندية لن يكون ظلما لهم وتجبرا، بل إخراج لهم من ظلمات الرأسمالية الجشعة التي أفقرتهم وأذلتهم، إلى نور الإسلام وعدله، حيث يتمكن كل الناس من الانتفاع بثرواتهم وانتزاعها من حفنة الفاسدين الرأسماليين من حكام وإقطاعيين.

إن هذا الحال الذي نعمل لإيجاده على أرض الواقع في ظل الخلافة القادمة قريبا بإذن الله، كان مثله في زمن دولة المغول التي كانت تحكم بالإسلام، على الرغم من بُعد دولة المغول عن مركز الخلافة العباسية في بغداد، وكان بابور الذي جاء من آسيا الوسطى إلى دلهي عام 1526م أول حكام المغول، وتولى ابنه هُمايون السلطة بعد وفاته (1530-1536م)، وبحسب وثيقة متوفرة في المكتبة الحكومية في (بوبال) فإن بابور قد ترك الوصية التالية لهُمايون، التي تبيّن بأنه رغم نقائصه فقد اهتمّ بتطبيق الإسلام بطريقة عادلة، وفيها:

"انتبه بنيّ، أوصيك بما يلي: يجب أن تقيم العدل، وأن تلاحظ الحساسيات الدينية وشعائر الناس، حتى الأبقار التي يعبدها بعض الرعية، لا تذبحها باستفزاز وتحدٍّ، بل إن ذبحتها ففي أماكن خاصة، فهذا يقربك من رعيتك حتى أهل الذمة منهم. لا تهدم أو تتلف أماكن عبادة أي مُعتقِد، وأقم كامل العدل حتى تضمن السلام في البلاد. يمكن أن يبلّغ الإسلام بطريقة أفضل من خلال سيف الحبّ والمودّة بدلاً من سيف الظلم والاضطهاد. تجنب الاختلافات بين الشيعة والسنة. انظر إلى الصفات المختلفة لشعبك تماماً كأنها صفات فصول السنة".

لقد كان سقوط هذه البلاد نتيجة للمؤامرات الخبيثة المستمرة من قبل المستعمرين، وبسبب ابتعاد شبه القارة عن مركز الخلافة وقتها في إسطنبول، بالإضافة إلى الضعف الذي كان قد بدأ يزحف نحو المسلمين عامة... بعدها رأى الكفار الفرصة سانحة لهم في السيطرة على شبه القارة الهندية، فقام البريطانيون بغزو شبه القارة الهندية عام 1757م، حيث ووجهوا بمقاومة شديدة من المسلمين، واستمرت الحرب يتناوب الفوزَ فيها السلطةُ الإسلامية في شبه القارة الهندية، وبريطانيا المعتدية بمساعدة بعض قوات الكفر من الهندوس والسيخ والبوذيين... وآخرين. ولم تستطع بريطانيا تحقيق السيطرة عليها والاستقرار لهيمنتها إلاّ بعد 27 سنة من الحروب الشرسة مع المسلمين، أي بعد عام 1846م. ولم ينقطع الاستعمار عن احتلال هذه البلاد منذ ذلك الحين، من خلال الاستعمار المباشر العسكري تارة، ومن خلال حكومات وقادة عسكريين عملاء له تارة أخرى، يحققون له ما لا يمكنه تحقيقه من الاحتلال العسكري المباشر. وهكذا عادت الجاهلية إلى هذه البلاد، من خلال الحكم بغير ما أنزل الله، والحكم بالشرعية الدولية والقانون البريطاني والأمريكي التي ورثتها فيما بعد.

وشتان بين سلوك أهل هذه البلاد من المسلمين حين كان السلطان سلطانهم، وبين سلوك حكامنا هذه الأيام، فأثناء فترة الغزو البريطاني، وضعف سلطة ولاية المغول على أجزاء متعددة من الهند، بدأ بعض الحكام يطلبون الدعم والشرعية من الخليفة في إسطنبول، وليس من الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة، كما يفعل حكامنا هذه الأيام في كل مرة يتم فيها الاعتداء علينا. فمثلاً، بعثت ملكة كانور رسالة دبلوماسية إلى السلطان عبد الحميد الأول عام 1779م "توسلت فيها من الخليفة أن يحميها من عدوان شركة شرق الهند الإنجليزية". كما طلب تبّو سلطان (حاكم ميسور) من الخليفة الاعتراف بحكمه، ولم تكن دولة الخلافة في مركز قوة آنذاك تستطيع معه إرسال الجيوش إلى شبه القارة الهندية، لكن الخليفة أرسل رسالة يعترف فيها بتبّو حاكماً لميسور، ولم يرسل أوراق اعتماده إلى حاكم كافر مثل الرئيس الأمريكي ترامب، الذي يتربص بنا الدوائر! فصدق فينا وصف الشاعر:

إني تذكرت والذكرى مؤرقة *** مجداً تليداً بأيدينا أضعناه

أنّى اتجهت إلى الإسلام في بلد *** تجده كالطير مقصوصاً جناحاه

 كم صرّفتنا يدٌ كنا نُصرّفها *** وبات يحكمنا شعب ملكناه

 ورحب الناس بالإسلام حين رأوا *** أن الإخاء وأن العدل مغزاه

 يا من رأى عمر تكسوه بردته *** والزيت أدم له والكوخ مأواه

يهتز كسرى على كرسيه فرقاً *** من بأسه وملوك الروم تخشاه

استرشد الغرب بالماضي فأرشده *** ونحن كان لنا ماض نسيناه

إنّا مشينا وراء الغرب نقتبس *** من ضيائه فأصابتنا شظاياه

إن الخير والنور والعدل الذي وصل على رأس جيش المسلمين بقيادة الفاتح محمد بن القاسم، يمكن استعادته بما لا يقل عمّا كان، وذلك بأن يقف قائد عسكري من بين القادة العسكريين المخلصين في الجيش الباكستاني موقف عز وإباء، فيزيل آثار الاستعمار بالإطاحة بوكلائه من الحكم وتنصيب الحاكم الذي يكون مثل الخليفة عبد الملك بن مروان، بل مثل الخليفة عمر الفاروق، فتُقام دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي بشّر بها رسول الله. هكذا نستعيد المجد الذي أضعناه، الذي لا يزال حكامنا يحولون دون استرجاعه، وبغير ذلك لن تقوم لنا قائمة. فهل عقمت نساؤنا عن ولادة مثل ذلك القائد المنشود، أم أنهم كُثر ولكنهم بحاجة إلى من يعلق الجرس؟! إننا على ثقة أن أحفاد محمد بن القاسم كثيرون في هذا البلد، وأن المسألة مسألة وقت، والأمر بين هؤلاء سباق إلى الخير، فمن منهم يسبق يكون له السبق في الجنة والعز في هذه الدنيا.

﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجرباكستان

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو