الفلاح الحقيقي: رحلة تبدأ في رمضان
الفلاح الحقيقي: رحلة تبدأ في رمضان

مع دخول شهر رمضان إلى حياتنا كل عام، فإنه يحمل معه تحولاً؛ لحظة من الوضوح حيث نبتعد عن روتيننا اليومي ونطرح على أنفسنا أسئلة أعمق. إنه شهر نعيد فيه تقييم علاقتنا بالله سبحانه وتعالى، وأولوياتنا، واتجاه حياتنا. في هذا الوقت المقدس، نبدأ في التفكير: ماذا يعني الفلاح حقاً؟ لفترة وجيزة، يبدو أن ملهيات الدنيا تتلاشى. نصوم، ونزيد من العبادة، ونتصدق، ونطلب المغفرة. فجأة، نشعر أن الأشياء التي استهلكت وقتنا ذات يوم - المكانة المجتمعية، وطموحات العمل، والممتلكات المادية - أقل أهمية. بدلاً من ذلك، نشعر بإحساس عميق بالإنجاز في عبادتنا، وفي ارتباطنا بالقرآن،

0:00 0:00
السرعة:
March 07, 2025

الفلاح الحقيقي: رحلة تبدأ في رمضان

الفلاح الحقيقي: رحلة تبدأ في رمضان

(مترجم)

مع دخول شهر رمضان إلى حياتنا كل عام، فإنه يحمل معه تحولاً؛ لحظة من الوضوح حيث نبتعد عن روتيننا اليومي ونطرح على أنفسنا أسئلة أعمق. إنه شهر نعيد فيه تقييم علاقتنا بالله سبحانه وتعالى، وأولوياتنا، واتجاه حياتنا. في هذا الوقت المقدس، نبدأ في التفكير: ماذا يعني الفلاح حقاً؟

لفترة وجيزة، يبدو أن ملهيات الدنيا تتلاشى. نصوم، ونزيد من العبادة، ونتصدق، ونطلب المغفرة. فجأة، نشعر أن الأشياء التي استهلكت وقتنا ذات يوم - المكانة المجتمعية، وطموحات العمل، والممتلكات المادية - أقل أهمية. بدلاً من ذلك، نشعر بإحساس عميق بالإنجاز في عبادتنا، وفي ارتباطنا بالقرآن، وفي لحظات الإخلاص مع الله سبحانه وتعالى.

ولكن بمجرد انتهاء شهر رمضان، يبدأ الاختبار. يبدأ الهيكل والانضباط الذي بنيناه في التراخي، وسرعان ما تستعيد الدنيا قبضتها علينا. لذلك يصبح السؤال الحقيقي: كيف نتمسك بالعقلية التي يغرسها رمضان فينا؟ كيف نحافظ على التركيز على الفلاح الحقيقي - الفلاح كما حدده الإسلام - ليس فقط خلال شهر رمضان، ولكن طوال حياتنا؟

ما هو الفلاح الحقيقي؟

يعلمنا العالم من حولنا أن الفلاح يقاس بما نمتلكه، أو مقدار ما نكسبه، أو الألقاب التي نحققها، أو الثناء الذي نتلقاه من الآخرين. لكن الله سبحانه وتعالى يعرف الفلاح بشكل مختلف تماماً: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.

هذه الآية تجبرنا على إعادة النظر في كل ما تم تدريبنا على تصديقه بشأن الفلاح. إذا كانت كل جهودنا تركز على الدنيا - حياتنا المهنية، ثروتنا، سمعتنا - ولكنها لا تقربنا من الجنة، فإنها في النهاية لا معنى لها.

فالفوز الحقيقي هو النجاة من النار ودخول الجنة.

خلال شهر رمضان، تصبح هذه الحقيقة أكثر وضوحاً. نختبر بشكل مباشر أن الرضا لا يأتي من تراكم الثروة أو المكانة المجتمعية، بل من التقرب من الله. الاختبار الحقيقي هو ما إذا كنا نسمح لهذا الفهم بإعادة تشكيل نهجنا بالكامل في الحياة بعد انتهاء شهر رمضان.

كيف نحقق الفلاح كمسلمين؟

إذا كان الفلاح الحقيقي هو نوال رضا الله سبحانه وتعالى، فلا يمكن أن يكون مفهوماً نحدده بشروطنا الخاصة. يجب أن يكون متجذراً في طاعة الله في كل جانب من جوانب الحياة - عبادتنا، حياتنا الأسرية، معاملاتنا المالية، سلوكنا المجتمعي، ودورنا في الأمة.

يحصر كثير من الناس فكرة العبادة في مجرد أعمال العبادة الفردية - الصلاة والصيام والذكر - متناسين أن العبودية الحقيقية لله أوسع من ذلك بكثير. إن الفلاح يكمن في العيش وفقاً لما أمر به الله، وليس فقط في الممارسات الشخصية، بل في كيفية تعاملنا مع العالم من حولنا. ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾.

تذكرنا هذه الآية أن الفلاح ليس مجرد اعتقاد بل هو عمل. إنه يتعلق بالعيش طوال حياتنا وفقاً لأحكام الله، وتنفيذ أوامره في علاقاتنا، وعملنا، ومعاملاتنا المالية، وفي مسؤولياتنا تجاه المجتمع.

قال النبي محمد ﷺ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ» (رواه البيهقي)

يؤكد هذا الحديث أن العبادة لا تقتصر على الصلاة والصيام، بل تشمل أداء جميع الواجبات في الحياة - العمل، والأسرة، وخدمة الأمة - بإخلاص وإتقان. الفلاح هو أن يتماشى كل قرار مع ما يرضي الله، سواء أكان في الزواج، أو تربية الأطفال، أو كسب الثروة، أو فرض العدل في المجتمع.

الفلاح الحقيقي لا يوجد في حالة مؤقتة من الروحانية المتزايدة، بل يوجد في الخضوع لأوامر الله في كل جزء من الحياة، في كل يوم من أيام السنة.

غالباً ما يعزز شهر رمضان الروابط العائلية؛ نفطر معاً، نصلي معاً، يشجع بعضنا بعضاً على الأعمال الصالحة، ولكن بمجرد انتهاء الشهر، نعود إلى روتيننا المعتاد، وتصبح هذه اللحظات نادرة.

الفلاح لا يتعلق فقط بتأمين الآخرة؛ بل يشمل توجيه أسرنا نحو الصلاح. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾.

الفلاح الحقيقي يوجد في تربية الأسر التي تعطي الأولوية للإسلام، والتي تركز حياتها حول طلب رضا الله، والتي تدرك أن هذه الدنيا مؤقتة.

يقضي الكثير من الناس حياتهم في مطاردة الوظائف، معتقدين أن الاستقرار المالي يساوي الفلاح. لكن رمضان يذكرنا بشيء أعمق، وهو أن الثروة لا تكون ذات قيمة إلا إذا تم استخدامها في سبيل الله.

قال النبي ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِعَبْدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ أَخِيهِ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ». (رواه أحمد وابن ماجه)

الفلاح ليس في جمع المال، بل في كسبه وإنفاقه فيما يرضي الله. إذا كان نجاحنا المالي يأتي على حساب المساس بقيمنا، أو إهمال عبادتنا، أو إيذاء الآخرين، فهذا ليس فلاحا، بل هو إلهاء.

إن الإسلام لا يشجع على تعريف فردي للفلاح، ففلاح المؤمن مرتبط بفلاح الأمة. ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾.

إن من يهتم بنجاحه الشخصي فقط ويتجاهل حالة الأمة قد أساء فهم الإسلام. إن الفلاح الحقيقي يعني الدفاع عن العدالة وإحياء الدين والعمل على عودة الإسلام كأسلوب حياة.

إن الاختبار الحقيقي للفلاح ليس رمضان نفسه بل ما يحدث بعده. كثير منا يعودون إلى الروتين القديم، ويفقدون التركيز والوضوح الذي جلبه لنا رمضان. ولكن إذا فهمنا الفلاح حقاً على أنه طلب رضا الله، فإن رمضان سيكون نقطة البداية وليس الذروة.

قال النبي ﷺ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ» (رواه النسائي)

إن الفلاح لا يوجد في لحظات النشوة الروحية، بل في الالتزام بالإسلام مدى الحياة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنحنا الفلاح الحقيقي، ليس فقط في رمضان، ولكن في كل لحظة تليه. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى، آمين.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

ياسمين مالك

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو