الفقر لا تنفيه كثرة الودائع المالية في البنوك بل تثبته
الفقر لا تنفيه كثرة الودائع المالية في البنوك بل تثبته

قال والي ولاية جنوب دارفور، آدم الفكي محمد الطيب، إن نيالا ليس بها فقر، مدللاً بأن نيالا بلغت جملة الودائع المالية فيها عبر بنك السودان أكثر من ترليون و365 ملياراً، وأضاف "يبقى الفقر وين ورينا مدينة في السودان فيها 22 بنكاً غير الخرطوم". (اليوم التالي).

0:00 0:00
السرعة:
November 25, 2018

الفقر لا تنفيه كثرة الودائع المالية في البنوك بل تثبته

الفقر لا تنفيه كثرة الودائع المالية في البنوك بل تثبته

قال والي ولاية جنوب دارفور، آدم الفكي محمد الطيب، إن نيالا ليس بها فقر، مدللاً بأن نيالا بلغت جملة الودائع المالية فيها عبر بنك السودان أكثر من ترليون و365 ملياراً، وأضاف "يبقى الفقر وين ورينا مدينة في السودان فيها 22 بنكاً غير الخرطوم". (اليوم التالي).

رغم هذا التصريح من الوالي الفكي إلا أن فعاليات الدورة المدرسية الـ28 التي تقام هذه الأيام في ولاية جنوب دارفور كان الحدث الأبرز فيها، هو تسلم والي جنوب دارفور مبلغاً مالياً من (أولاد الدرداقات) وهم أطفال لا يلتحقون بالمدارس لظروفهم الصعبة بل يدخلون سوق العمل بحثا عن لقمة العيش لهم ولأسرهم التي أضناها النزوح واللجوء... بالإضافة إلى تسلم الوالي مبلغاً ماليا من بائعات الشاي وصانعات الفخار والأصايص بمدينة نيالا. ثم إن الاتحاد العام لطلاب الولاية فرض رسوماً بقيمة جنيهين على كل طالب بالولاية، فذهب الطلاب إلى منزل الوالي في نيالا لتسليمه المبلغ وعلق الوالي، خلال مخاطبته الحشد الطلابي، قائلاً إن الغرض من المساهمة هو الشعور بالمسؤولية المجتمعية تجاه القضايا الوطنية في الولاية وليس جمع المال، واصفاً المشاركة بالرمزية والمهمة.

والمتتبع لهذه الرسوم والجبايات يجد إجحافا كبيراً في حق ابن البلد الذي لا يجد قوت يومه إلا بشق الأنفس، وبدلاً من أن تساعده الدولة تأخذ ما بيده باسم الدورة المدرسية القومية، ضاربة عرض الحائط بمعاناة ابن البلد الذي لا سند له ولا معين وهو يعاني فقرا مدقعاً...

تضارب تصريحات الوالي مع واقع هذه الجبايات ترينا عقلية "البلطجة" والتضليل والجباية التي تحكم بها هذه البلاد، وكل هَمّ المسئولين هو إفراغ ما في جيوب الفقراء أصلا، ومع ذلك يحدثونك عن عدم وجود الفقر... إن الفقر أيها الوالي يعرفه المطحونون به، أولئك الذين أثقلت كاهلهم الرسوم والضرائب وارتفاع فواتير الكهرباء والغاز ومصروفات المدارس وأسعار السلع التي تتضاعف كل يوم! حياتنا يا سادة أصبحت جحيما لا يطاق وأنتم تنكرون ذلك وتتنكرون...

إننا لن نخدع في مسرحية النفاق التي تخرجها لنا وسائل إعلام الحكومة لتوهمنا بأن الحاكم أو الوالي تحول بقدرة قادر إلى حمل وديع وينبوع حنان يتكلم مع الفقراء والبسطاء بأعذب الكلمات ليتسلم مبالغ مالية لإنجاح الدورة المدرسية ممن أوجعهم العوز وفي المقابل يعلن أن الولاية لا تعاني فقرا لكثرة الودائع والبنوك.

مهما كثرت البنوك والودائع فإن النقود لا تلد نقوداً، بل لا بد من تدويرها في حلبة النشاط الاقتصادي، ثم تنقلب إلى سلع وخدمات، وتتفاعل مع عوامل أخرى لتحقيق النمو والتطور، أما زيادة الودائع فلا تمنع الفقر بل تساهم في زيادته لأن البنك لا يخسر أبدا بل من يخسر هم المدينون فيزيدون نسب الفقر.

نعم الفقر واقع معاش تزيد دائرته وتتسع كل يوم بشكل كبير بسبب تدهور الاقتصاد وارتفاع الأسعار مع انخفاض القدرة الشرائية للجنيه السوداني. إن ظاهرة الفقر ظلت تطل برأسها في القرى والحضر لكنها تنتشر في المناطق الريفية في السودان أكثر من الحضر، مع أن تكلفة المعيشة أدنى في تلك المناطق، لأن الإنتاج هناك ينحصر في الزراعة والرعي، وتباع منتجاتهم بأثمان بخسة، لذلك فهم أقل قدرة على تحسين أوضاعهم الاقتصادية.

لن يقضي على الفقر كثرة البنوك الربوية، المبنية قروضها على ضمانات لا يقدر عليها إلا الأغنياء. ورب المال في نظام الفائدة (الربا) أقل اهتماماً بنجاح المشروع، ولا تهمّه الأمانة والخبرة والمقدرة في العمل، لأن أكثر ما يهمّه هو أن يكون المقترض غنيّاً، وأن تكون فائدته ثابتة، ورأس ماله مضموناً، ثم إنه في الأول والآخر نشاط ربوي محرم.

يُقضى على الفقر بتطبيق أحكام الإسلام المتعلقة بأنواع الملكيات من الملكية العامة التي تشرف الدولة عليها مثل المعادن ومواد الطاقة وذلك باستخراجها وتصنيعها وتوزيع عوائدها على الرعية على شكل خدمات أو سلع، واهتمام الدولة بالزراعة واستغلال كل الأراضي ومنع ترك الأرض بدون استغلال أكثر من ثلاث سنوات... هذه الأحكام الشرعية المغيبة عن الاقتصاد هي المفتاح الحقيقي لحل مشكلة الفقر.

الاقتصاد الإسلامى هو اقتصاد حقيقي بينما اقتصاد الرأسمالية اقتصاد وهمي طفيلي، فقد عاشت البشرية على مدى 13 قرنا (عصر الخلافة) لم تعرف خلالها الأزمات الاقتصادية، لا مديونية، ولا فقر، ولا تضخم... ولا حل جذرياً إلا بإقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة التي تطبق الإسلام في كافة أنظمة الحياة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذة/ غادة عبد الجبار – أم أواب

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو