الحِمى في المنافع العامة- الأستاذ أبو عبيدة
March 05, 2009

الحِمى في المنافع العامة- الأستاذ أبو عبيدة

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله ربّ العالمين الذي قدّر في الأرض أقواتها ، ووضع فيها للنّاس والأنعام أرزاقها . والصلاة والسلام على سيّد الخلق وإمام المرسلين سيدنا محمد . وبعد :

لقد أنزل الله تعالى دين الإسلام إلى الناس كافة ، وشرع فيه من الأحكام التي من شأنها أنْ تُخرج الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن عبادة العباد والعيش بحسْب شرائعهم وقوانينهم إلى عبادة ربّ العباد والعيش بحسْب شريعته وأحكامه .

ومن هذه الأحكام التي شرعها الله لعباده أحكام الـمُلكيّة ، إذ تميّز الإسلام عن غيره من المبادئ والأنظمة بأن جعل الملكية على ثلاثة أقسام : ملكية فردية خاصة ، وملكية للدولة ، وملكية عامة للناس . فكما أن الله شرع وأذِن للفرد أن يتملك ؛ فيتملك ما يقوى به على تدبير شؤونه وقضاء حاجاته ، وكما أن الله شرع وأذِن للدولة أن تتملك ؛ فتتملك ما تقوى به على تدبير شؤونها وقضاء حاجاتها ، فكذلك شرع الله للناس ملكية عامة يقوون بها على تدبير شؤونهم وقضاء حاجاتهم ، بحيث يكون لجميع الناس حق الانتفاع بها . فالمنافع العامة هي الأعيان التي جعلها الإسلام لكل الناس يشتركون في حق الانتفاع بها ، أي جعلها مملوكة للجماعة ، كالمراعي والمساجد والطريق العام والبحار والأنهار وغيرها .
وأما الحمى في المنافع العامة فهو أن يقوم أحدٌ من الأفراد أو الدولة بحماية شيءٍ من الملكيات العامة وحيازته لنفسه ومنع الجماعة من بالانتفاع به . وأصل الحمى عند العرب أنّ الرئيس منهم كان إذا نزل منزلاً مخصباً استعوى كلباً على مكان عال ، فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب فلا يرعى فيه غيره . فالحمى هو المكان المحمي الذي يُمنع منه الغير . فجاء الإسلام ومنع الناس أن يحموا شيئاً من الأشياء العامة التي ينتفع بها جماعة الناس ، فيحوزونها لهم وحدهم دون غيرهم . وقد وردت أحاديثُ كثيرة ٌ تدلّ على هذا منها قوله صلى الله عليه وسلم ( لا حمى إلا لله ولرسوله ) رواه أبو داود . وقوله ( ثلاث لا يُمنعن : الماء ، والكلأ ، والنار ) رواه ابن ماجة .

وهذه الأعيان التي جعل الله ملكيتها عامةً يشترك في الانتفاع بها جميع الناس تنقسم إلى ثلاثة أقسام ، وهي :
1. المرافق التي لا تستغني عنها حياة الجماعة اليومية .
2. الأعيان التي تكون طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الأفراد بحيازتها .
3. المعادن العدّ التي لا تنقطع . أي الكثيرة غير محدودة المقدار .

أما النوع الأول فهي الأعيان التي تتعلق بها حاجة الجماعة اليومية ، بحيث إن فُقدت فإنّ الجماعة تتفرق في طلبها والبحث عنها وتوفيرها كالماء والمراعي مثلاً ، حيث كانت القبائل تتفرق في طلبها عند فقدها . ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث ( الناس شركاء في ثلاث : الماء والكلأ والنار ) رواه أبو داود . فهذه الأعيان التي ذكرها الحديث طبيعتها أنها تتعلق بها حاجة الجماعة اليومية فجعلها الإسلام مملوكة للجميع يشتركون في الانتفاع بها .
ويلحق بها كلّ آلة تستعمل فيها ؛ فمثلاً آلات استخراج وضخ المياه وأنابيب وشبكات توصيلها لمنازل الناس ، وكذلك آلات ومحطات توليد الكهرباء وأعمدتها وأسلاكها وشبكات توصيلها إلى منازل الناس ، كلها تكون ملكية عامة ، والسبب في ذلك أمرين إثنين : الأول أنّ هذه الآلات والمعدات قد استعملت في الأعيان التي تعلقت بها حاجة الجماعة اليومية ، والثاني أنها قد أقيمت في الطريق العام والذي هو من الملكية العامة للناس . لذلك فإنّ مثل هذه الآلات والمحطات والشبكات يحرم أن يتملّكها أحد لا أفراداً ولا شركات ، ويحرم على الدولة أن تملكها لأحد ، ففي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم ( من منع فضل الماء ليمنع فضل الكلأ منعه الله فضله يوم القيامه ) رواه أبو عبيد في الأموال . وما رواه الإمام أحمد عن إياس بن عبد ( لا تبيعوا فضل الماء فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء ) .
أما إذا كانت هذه الأعيان وما يلحق بها من آلات ومعدات لا تتعلق بها حاجة الجماعة اليومية ، وكذلك أن لا تكون قد أقيمت في الطريق العام بل وضعت في أملاك أصحابها فإنها حينئذ تكون ملكية فردية لأصحابها يجوز تملكها وبيعها للناس ، كالآبار الصغيرة وآلات السقي وغير ذلك .

وأما النوع الثاني فهي الأعيان التي تكون طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الأفراد بحيازتها . وهذه الأعيان تشبه النوع الأول من ناحية أنها مرافقُ عامة يشترك في الانتفاع بها جميع الناس ، إلا أنها قد تتعلق بها حاجة الجماعة اليومية وقد لا تتعلق ، بل إنّ ما يميزها هو أن طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الأفراد بحيازتها وتملكها ، كالبحار والمحيطات والمضائق والقنوات ، والمساجد والطرقات ، وأماكن الحج مثلاً ، ففي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم ( مِنى مَناخ من سبق ) رواه أبو داود وأحمد . فالحديث يدلّ على أنّ هذا المكان مملوك لجميع المسلمين ، فمن سبق إلى أي مكان فيها وأناخ فيه فهو له ، لأنها مشتركة بينهم وليست مملوكة لأحد حتى يمنع الناس منها .
ويلحق بهذا النوع كل شيء يقام فيها ويأخذ منها حيزاً أخذاً دائمياً ، لأنها تكون بذلك قد اختصت بهذا الحيز اختصاصاً دائمياً ، وهذا من الحمى الذي يحرمه الإسلام . مثال ذلك القطارات وسكك الحديد ، وشبكات المياه وأنابيبها وشبكات الكهرباء وأعمدتها وأسلاكها . فهذه كلها وأمثالها تكون من الملكيات العامة ، لأنها تأخذ حيزاً من الطريق العام أخذاً دائمياً .

وأما النوع الثالث المعادن العدّ التي لا تنقطع . فهي المعادن الكثيرة غير محدودة المقدار ، سواء كانت ظاهرة يتم التوصل إليها من غير مشقة كالملح ، أو كانت في باطن الأرض تحتاج إلى مشقة وعمل . وسواء أكانت صلبة جامدة كالذهب والحديد والرصاص ، أم كانت سائلة كالنفط ، أم كانت غازية كالغاز الطبيعي . فهذه المعادن العدّ تكون من الملكية العامة لا يجوز أن يتملكها أحد أو أن تعطي الدولة امتياز استخراجها لأفراد أو شركات . ودليل ذلك ما رواه الترمذي عن أبيض بن حَمّال المازني ( أنه وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقطعه الملح فقطع له ، فلما أن ولّى قال رجل من المجلس : أتدري ما قطعت له ؟ إنما قطعت له الماء العدّ . قال : فانتزعه منه ) . أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استرجع الملح من أبيض بن حَمّال عندما عرف أنه عدّ كثير غير محدود المقدار .
فهذه المعادن تقوم الدولة بمباشرة استخراجها والقيام بكل ما يلزمها من أعمال نيابة عن المسلمين ، ويكون كل ما تستخرجه منها هو ملكية عامة يوضع في باب الملكية العامة في بيت مال المسلمين .

هذه هي أقسام الملكية العامة ، وهي أعيان جعلها الإسلام ملكاً ومنفعةً لجميع الناس ، وحرّم على الأفراد أو الشركات أو الدولة تملكها ، أو منْع ِ الناس منها أو بيعها لهم بثمن أو أخذ الأجرة عليها . لاّن الدولة لا تملكها حتى تبيعها أو تؤجّرها للناس . وإنما هي نائبة عن الناس في رعاية شؤونهم ومصالحهم . فتقوم الدولة بالتصرف بهذه الأعيان و وارداتها نيابة عن المسلمين ، باجتهادها ضمن أحكام الإسلام ، بما تراه محققاً لمصلحتهم ونفعهم .

حيث تقوم الدولة بتوزيع منتجات وواردات الملكيات العامة على النحو التالي :
1. الإنفاق على ما يتعلق بالملكية العامة . كديوان الملكية العامة ، بناياته ومكاتبه وأبحاثه وموظفيه . وعلى الخبراء والمستشارين والعمال . وعلى الآلات والمصانع اللازمة للاستخراج والتصفية والتصنيع . وعلى آلات وشبكات الماء ومحطات الكهرباء . وعلى الطرق والسكك الحديدة وغير ذلك .
2. التوزيع على أفراد الرعية . الذين هم المالكون الحقيقيون لهذه الملكيات العامة ؛ فتقوم الدولة بتوزيع منتجات وواردات وأرباح هذه الملكيات عليهم باجتهادها بحسْب ما تراه محققاً لمصلحتهم . فتوزع عليهم من الأعيان نفسها كالماء والكهرباء والطاقة كالنفط والغاز ، وقد توزع عليهم نقوداً من أرباحها ، وقد تنفق منها على ما هو مصلحة لهم كإنشاء الجامعات والمستشفيات أو حتى أكثر من ذلك بجعل التعليم والتطبيب مجاناً للناس تغطي الدولة نفقاته من هذه الملكيات نيابة عن المسلمين .
3. الإنفاق على ما فرض الله على المسلمين الإنفاق عليه . كما هو معلوم أن الله تعالى قد فرض على المسلمين الإنفاق على بعض الفروض ، كفرض الجهاد والإعداد ، وفرض أغاثة المنكوبين والفقراء والمحتاجين ، وغيرها . فإذا عجزت ميزانية الدولة عن تغطية نفقات مثل هذه الأمور فإنّ وجوب الإنفاق عليها ينتقل إلى عامة المسلمين ، فتقوم الدولة نيابة عنهم بالإنفاق عليها من ديوان الملكيات العامة . أو بضرب الحمى على بعض أعيان الملكيات العامة وتخصيص وارداتها للانفاق على هذه الأبواب كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك الخلفاء الراشدون من بعده . ودليل ذلك قوله في الحديث الذي ذكرناه ( لا حمى إلا لله ولرسوله ) رواه أبو داود . وما رواه أبو عبيد عن نافع بن عمر ( أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حمى النقيع ـ وهو موضع معروف بالمدينة ـ لخيل المسلمين ) . وكذلك حمى أبو بكر الرَّبذة لإبل الصدقة واستعمل عليه مولاه أبا أسامة . وحمى عمر كذلك الشرف والرَّبذة واستعمل عليه مولى له يقال له هني .

والناظر إلى حال هذه الأنظمة في عالمنا اليوم ، سواء الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين التي تحاول تقليد الغرب في الأخذ من دساتيره ونظمه الرأسمالية ، أو الأنظمة القائمة في بلاد الغرب نفسها . يرى الفرق الشاسع في كيفية التعامل والتصرف بالملكيات والمنافع العامة بينهم وبين الإسلام .
ففي حين أن الإسلام قد جعل هذه المنافع ملكيةً عامةً للناس وحرّم أنْ يتملكها أحد فيمنع فضلها عن الناس . نرى كيف أنّ النظام الرأسمالي قد أستباح هذه الملكيات فاختصت الدولة بتملكها أو ملكتها للأفراد من رؤوس الأموال أو الشركات ، وليس هذا فحسْب بل استعملوها كسبيل لتحصيل الأرباح وجباية الثروات من الناس . الأمر الذي أدى أن تركزت هذه الملكيات والثروات الهائلة في أيدي حفنة من الناس في حين أن فضلها كان يمكن أن يعالج مشاكل الناس من فقرٍ وبطالةٍ وغلوّ أسعار والاستقراض المهلك للناس وغير ذلك .
ففي بلد نفطيّ كالسعودية مثلاً ليس غريباً ما نراه حاصلاً عندهم كيف أنّ الثروة قد تركزت في أيدي قليلة من الأمراء وأصحاب الشركات في حين أن نسب الفقر والبطالة عندهم للناس قد بلغت أعلى مستوياتها ، والسبب في ذلك هو استباحة هذه الثروات التي جعلها الله ملكية لجميع الناس من قبل هؤلاء الأفراد فمنعوا فضلها عن باقي الناس .
وليس غريباً أيضاً ما هو حاصلٌ عند الغرب كيف أن الفقر لا بل التشرد في الشوارع بلا مأوى ولا طعام يطال الملايين من الناس عندهم ، مع أنها دول تـُعدُّ أغنى دول العالم . ولكن يبدو أن الغنى عندهم المقصود به كما كشفته وأظهرته الأزمة المالية التي حلّت بهم ، هو غنى القلة القليلة من رؤوس الأموال التي استحوذت على الثروة واستباحت ما وضعه الله في هذه الأرض رزقاً للناس .

إنّ الإسلام ليس علاجاً لمشكلات هذه الأنظمة وما خلفته من مصائب على رؤوس شعوب الأرض كافة . بل الإسلام هو البديل الحضاري العادل الذي سوف يطمس كل معالم هذه الأنظمة الرأسمالية ومخلفاتها قريباً بإذن الله .
فهو النظام العادل من عند ربّ العالمين ، فما أن تراه شعوب العالم مطبقاً سارياً في دولة فيدركوا خيره وفضله وعدله على الناس فإنهم سرعان ما تراهم يلقون ما بجعبتهم كمن يلقي الطعام النتن الكريه ويهرولوا إلى طيب العيش وخيره .

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.