الإخلال الكبير في وضع الأسرة (الجزء الثاني):   الليبرالية تقلص حجم الأسرة
October 07, 2018

الإخلال الكبير في وضع الأسرة (الجزء الثاني): الليبرالية تقلص حجم الأسرة

الإخلال الكبير في وضع الأسرة (الجزء الثاني):


الليبرالية تقلص حجم الأسرة


(مترجم)


معنى الإخلال في هذه المقالة هو الاضطراب والفوضى التي تصيب الملايين من الأسر من الغرب إلى الشرق، والتي أصبحت كارثة إنسانية سببها إلى حد كبير بروز أفكار تمكين الأسرة الرأسمالية. وفي شكلها المعاصر، امتزجت الحركة النسائية الكلاسيكية مع النظام الاقتصادي الرأسمالي، ما أدى بعد ذلك إلى حقبة جديدة من اضطراب الأمومة. وقد بحث في الجزء الأول من هذه المقالة أحد أسباب هذا الإخلال، أي تأنيث الهجرة التي يقودها النظام الاقتصادي الرأسمالي في استغلال الأمهات، وهو ما لعب دورًا مباشرًا في التخلي عن عشرات الملايين من الأطفال.


والآن سيستعرض الجزء الثاني كيف أدت الليبرالية، وهي إحدى القيم المتأصلة في الرأسمالية العلمانية، إلى تقلص حجم الأسرة، بل وأدت إلى حضارة مهددة بالانقراض بسبب سياسة "تقدم المرأة وزيادة معدلات التنمية".


"موت الأسرة" في العالم الصناعي العلماني:


لقد أدت أزمة الخصوبة في اليابان إلى التركيز على "موت الأسرة". وهي تخلق مشاكل اقتصادية واجتماعية لم يسبق لها مثيل من قبل، بحسب وصف ماري برينتون، المتخصصة في علم الاجتماع في جامعة هارفارد، لموقع "بيزنس إنسايدر" في العام الماضي. كما أن صندوق النقد الدولي قد حذر الدول الآسيوية الأخرى من أن تكون حذرة من مسار اليابان الذي يوصف بـ"التقدم في السن قبل أن تصبح غنيًا". وقد بين تقرير لشركة "يو بي أس" في عام 2016 أن تغيير المواقف تجاه العمل وأدوار الجنسين قد يجعل عددًا من الدول الصناعية، بما في ذلك أمريكا، تواجه صعوبات اقتصادية مماثلة. إن مخاوف الكثير من المجتمعات الاقتصادية هي أن الاتجاهات الديموغرافية المعمول بها في جميع أنحاء العالم سوف تجعل العديد من أكبر القوى الاقتصادية في العالم تعاني من المصير نفسه الذي تعانيه اليابان. وبعبارة أخرى، يشعر الناس بالقلق من أن الاقتصاد العالمي سوف يتحول إلى النموذج الياباني.


فالسياسة الرأسمالية "تقدم المرأة وزيادة معدلات التنمية" المعمول بها في اليابان، وهي نتاج الليبرالية الاقتصادية، تجبر المرأة على العمل. ولكن مع مساهمة المزيد من النساء في القوة العاملة، بدأت الخصوبة تتراجع. واليوم يبلغ معدل الخصوبة في اليابان 1.41. ونتيجة لذلك، فإن عدد السكان آخذ في الانخفاض، بينما لا تزال ساعات العمل الطويلة الوحشية هي المعيار. وعلى مدى العقدين الماضيين، تم تقديم قصص الأزواج اليابانيين الشباب الذين يقاتلون لإنجاح العلاقات في إطار ثقافة العمل التقليدية التي تفترض أن يكون الرجل هو المعيل وأن تكون المرأة هي ربة البيت، تم تقديمها على أنها معركة خاسرة. ولكن بدلًا من ذلك يضطر الكثير من المتزوجين حديثًا إلى رؤية أوقات فراغهم وهي تنقضي، ويتخلوا عن كل شيء بدءًا من فرصةٍ لليلة تاريخية ربما تكون سببًا في إنشاء أسرة. وفي الوقت نفسه، تعتبر كثير من النساء أن عمل المرأة يمنحها وضعًا أكرم وأفضل من أن تصبح أمًا، ما يؤدي إلى تخليها عن شغفها في أن تصبح زوجًا ذات بنات وبنين.


كما أن أزمة الخصوبة هذه قد عصفت أيضًا بكوريا الجنوبية. فقد أشارت البحوث التي أجرتها دائرة أبحاث الجمعية الوطنية في سيئول في آب/أغسطس عام 2015، إلى الانزعاج من احتمال انقراض كوريا الجنوبية بسبب انخفاض معدل المواليد إلى مستوى جديد منخفض بلغ 1.19 طفل لكل امرأة في عام 2013. وردًا على ذلك، وصفت الدبلوماسية ذلك بأنه تهديد ديموغرافي واسع، أي أن الانقراض سيصيب المنطقة أيضًا، وليس كوريا الجنوبية واليابان فحسب. وتكافح تايوان وسنغافورة أيضًا من أجل تمويل رعاية الأعداد الهائلة من السكان المسنين بسبب انخفاض عدد السكان العام. ومن السخرية والمفارقة أن الدول التي أطلق عليها وصف "معجزة شرق آسيا" بسبب نجاحها في التحول لتصبح منطقة نمو اقتصادي عالية، تواجه الآن خطر انقراض شعوبها بأكملها!!


والواقع في الصين هو تقريبًا الواقع نفسه عند جيرانها. فقد ذكرت صحيفة الشعب اليومية في كانون الأول/ديسمبر عام 2016 أن الصين الصناعية أصبحت أيضًا وبسرعة بلدًا للعزاب والعوانس، فقد بلغ عدد السكان غير المتزوجين عددًا هائلًا يقدر بنحو 200 مليون. وبحسب بحث أجرته شركة "تينسنت" في عام 2016، فإن نحو 36.8٪ من النساء الصينيات غير المتزوجات يعتقدن أن الزواج ليس ضروريًا حتى يعيشن حياة سعيدة. ويعتقد علماء السكان أن استقلال المرأة الصينية الحديثة هو أحد الأسباب الرئيسية لتزايد عدد السكان غير المتزوجين. ومن المؤكد أن الصين - البلد الأكثر اكتظاظًا بالسكان في العالم - سيتناقص عدد سكانه سائرًا في ذلك على خطا الغرب، والشرق أيضًا؛ اليابان وكوريا الجنوبية. كما سيعقب ارتفاع معدل عدد النساء غير المتزوجات انخفاض في معدل المواليد، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى انخفاض كبير في عدد السكان. ويحدث ذلك في كل الدول الرأسمالية المتقدمة. وعندما تعطي المرأة الأولوية للنجاح المادي على حساب بناء الأسرة، ولا تؤمن بالالتزام بالزواج، وحتى إنها تعتبر الأطفال عبئا اقتصاديًا، فإن هذه هي حقيقة أعراضٌ أولية لأمة في حكم الميتة وهي تشيخ منتظرة موتها. إنها أمة لم تعد قادرة على السيطرة على الأضرار الهائلة التي لحقت بحياتها الاجتماعية في مجتمعها - وهو ثمن باهظ تضطر لدفعه ثمنًا للتقدم الاقتصادي الذي تسعى إليه بغض النظر عن النتيجة.


كانت الدول الغربية تعاني فعليًا من هذه الأزمات الاجتماعية قبل دول شرق آسيا بفترة طويلة، ومنهم يمكننا أن نعرف أن "موت الأسرة" لم يكن فقط بسبب الليبرالية الاقتصادية وسياستها التي تتمثل في "تقدم المرأة وزيادة معدلات التنمية"، ولكنه كان أيضًا مرتبطًا بالليبرالية الاجتماعية من خلال قيمها الفردية الخطيرة والتي تسببت في وباء صحي على نطاق واسع. إن هذه الظروف تدمر بشكل جذري الحياة الأسرية وأدت إلى صحاري ديموغرافية في مختلف الدول الأوروبية وأمريكا. وفي كانون الثاني/يناير عام 2018، عينت بريطانيا وزيرة للوحدة للتعامل مع ما وصفته رئيس الوزراء تيريزا ماي "الواقع المحزن للحياة الحديثة" لعدد كبير جدا من الناس، أي أكثر من 9 ملايين شخص يشعرون دائمًا بالوحدة، وحوالي 200000 من المسنين في البلاد لم يجروا أية محادثة مع صديق أو قريب لأكثر من شهر. ومع ذلك، فإن الناس في بريطانيا ليسوا وحدهم من يشعرون بالوحدة. ففي أمريكا، كما جاء في مقال في "هارفارد بيزنس ريفيو": "الشعور بالوحدة هو وباء صحي متصاعد، ونحن نعيش في العصر الأكثر ارتباطًا من الناحية التكنولوجية في تاريخ الحضارة، ولكن معدلات الشعور بالوحدة قد تضاعفت منذ الثمانينات، واليوم أكثر من 40٪ من البالغين في أمريكا قالوا إنهم يشعرون بالوحدة، وتشير الأبحاث إلى أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى من ذلك".


الإسلام يقدم حلًا لحيوية الأسرة واستمراريتها


إن الموجات الحادة من الخلل والاضطراب التي هزت بناء الأسرة في الدول الصناعية العلمانية والتي أدت إلى "موت الأسرة"، أصبحت الآن تُلمس بشكل متزايد في البلاد الإسلامية. ففي ماليزيا، على سبيل المثال، دفعت الإثارة للسعي إلى تحقيق التنمية ووضعها على غرار الدول المتقدمة، دفع ذلك ماليزيا إلى مواجهة "متلازمة شيكاغو الثقافية"؛ حيث تحقق الدولة دخلًا مرتفعًا ولكنه مصحوبٌ بالتدهور الأخلاقي. فقد حذر محمد كمال حسن، أستاذ المعهد الدولي للفكر والحضارة الإسلامية، الحكومة الماليزية من ظهور أعراض مشابهة لما وقع في الغرب. فقد قال: "إنه يحدث أيضًا في ماليزيا، وسوف يكون أسوأ إذا لم يتم احتواؤه لأن القيم الأخلاقية واحترام الذات منخفضة جدًا، وهو أمر مهم يظهر من خلال الجرائم مثل الخطف حتى الموت والقتل والاغتصاب". والواقع أن هذا هو حال الكثير من الدول الصناعية العلمانية في العالم اليوم، حيث كثيرًا ما يصحب التطور السريع أزمة اجتماعية، وانهيار مؤسسة الأسرة، وانتشار الجريمة، والعنف ضد النساء والأطفال، وارتفاع معدلات الانتحار، بالإضافة إلى انخفاض معدلات المواليد التي يرجع سببها بشكل كبير إلى مشاركة المرأة على نطاق واسع في القوة العاملة. وهو انعكاس لوجهة النظر المبدئية الضيقة التي تتبناها الدول العلمانية الرأسمالية والتي تجعل الأولوية للمصالح المادية والاقتصادية على حساب مصلحة ورفاهية الأسرة والمجتمع بشكل عام.


لذلك فإنه ضروري جدًا أن يعود المسلمون إلى الأفكار والمفاهيم الإسلامية وأن يصلوا ليلهم بنهارهم من أجل تطبيق النظام السياسي الإسلامي العظيم وهو ما سيحفظ النوع الإنساني ويحفظ الحضارة الإسلامية العظيمة. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقيباً﴾ [النساء: 1]


فالأفكار والمفاهيم الإسلامية تشكل علاجًا فعالًا للنجاة في هذه الحقبة من الخلل والاضطراب. والمبادئ المهمة للأفكار والمفاهيم الإسلامية لا يمكن أن تصبح مبادئ عفا عليها الزمن، بل إنها ستكون دائمًا قادرة على علاج كافة المشاكل التي تعترض الأسر الحديثة، وهو يوجب علينا التمسك بها بكل قوة. ومن هذه المبادئ:


1. الإسلام يشجع الزواج ويمجده باعتباره الطريقة الوحيدة للحفاظ على النسل.


2. والإسلام يمتلك أيضًا مجموعة من الأحكام الخاصة بالأسرة والتي تنظم دور الزوج والزوجة لإيجاد حياة عائلية متجانسة ومستقرة فضلا عن ترسيخ الطمأنينة بين الزوجين.

3. يؤكد الإسلام على أهمية وسموّ دور الأم بالنسبة للمرأة.


4. إن الهدف من الزواج في الإسلام هو امتثالٌ لأمر الله، أي للحفاظ على النسل وتحقيق السكينة والمودة والرحمة، وليس لمجرد إشباع الناحية الجنسية أو لكونه يتمتع بمكانة مرموقة. ولذلك فإن الإسلام يؤكد بقوة على هذا النموذج، وأهمية وجود عقلية مسؤولة عند تثقيف الأجيال الحاضرة والمقبلة.


5. كما أن الإسلام يوفر الأساس للإيمان والثقة (التوكل) للمسلمين عند السعي للرزق حتى لا يتزعزع استقرار ترتيب الأدوار في الأسرة، أي أن الرجل هو المعيل للأسرة.


6. إن النظام الاقتصادي في الإسلام يصنع اقتصادًا صحيا منتجًا، وهو قادر على التغلب على مشكلة البطالة الجماعية، ويضمن إشباع الحاجات الأساسية لكل فرد من أفراد الرعية، ويمكن كل فرد من إشباع حاجاته الكمالية على أكبر قدر مستطاع. ولضمان ذلك كان أساس هذه السياسات هو توزيع الثروة على جميع أفراد الرعية لضمان إشباع الحاجات الأساسية، ويمنع كذلك الاستغلال الاقتصادي للمرأة وتجريدها من الإنسانية. كما أنه يمكن الرجال من الوفاء بالتزاماتهم للوفاء بحاجات أسرهم المالية، وفي الوقت نفسه فرض على الدولة النفقة على النساء ممن لا يجدن رحمًا محرمًا ينفق عليهن.


7. إن الإسلام يلزم المسلمين بالتوحد في ظل الخلافة الراشدة، لأنها في الواقع هي الدرع الحقيقي للمسلمين الذين يحمي هيكل الأسرة، ويكرم الأمهات، ويُجلّ الأجيال المسلمة ويحفظ كرامتهم. وفي الوقت نفسه، فإن دولة الخلافة ستحمي الأسرة من تداعيات جشع الرأسمالية والفوضى الاجتماعية الناجمة عن الليبرالية.


ولذلك فإن دولة الخلافة ستكون قادرة على بناء استقرار وتجانس الأسرة، وستقضي على أسباب الخلل والاضطراب الذي يصيب الأسرة كما انعكس ذلك في قول عثمان رضي الله عنه: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". والله أعلم.


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
فيكا قمارة
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو