الإسلام عقيدة روحيّة وسياسيّة والحلول التي قدّمها للإنسانية ليست خياليّة أو نظريّة
May 11, 2019

الإسلام عقيدة روحيّة وسياسيّة والحلول التي قدّمها للإنسانية ليست خياليّة أو نظريّة

 الإسلام عقيدة روحيّة وسياسيّة
والحلول التي قدّمها للإنسانية ليست خياليّة أو نظريّة

إنّ فصل السّياسة عن الدّين تمَّ على يد المستعمر الغربيّ بعد أن هدم الخلافة وحكم البلاد الإسلاميّة، وفرض سيطرته على ربوعها، حيث بثَّ عقيدته وهي فصل الدّين عن الدّولة وعن السّياسة، وركّز وجهة نظره وهي النّفعيّة، فتحوّلت العقيدة الإسلاميّة لدى قسم كبير من المسلمين من عقيدة سياسيّة إلى عقيدة روحيّة، كما لم تعد وجهة النّظر الّتي تشكّلها وهي الحلال والحرام، لها وجود في واقع الحياة وإن كانت موجودة فردياً.

لقد أنزل الله سبحانه وتعالى الإسلام على نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم وفيه تنظيم لعلاقة الإنسان بربّه بالعقيدة والعبادات، وبنفسه في الأخلاق والمطعومات والملبوسات، وبغيره من بني الإنسان في المعاملات والعقوبات. فالإسلام عقيدة تُعيّن وجهة نظر الإنسان في الحياة، وقاعدة فكريّة يُبنى عليها كلّ فكر، وهي قيادة فكريّة تنبثق عنها جميع معالجات مشاكل الحياة أي هي النّظام الّذي ينبثق عن العقيدة.

فالإسلام عقيدة ونظام، له طراز خاصٌّ في الحياة متميّز عن غيره من المبادئ والأديان، إذ من خصائص هذا المنهج الإسلاميّ أنّ فيه نظاماً اقتصاديّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً وتعليميّاً... والوعي على هذا المنهج يقتضي فهم طريقة الإسلام في معالجة مشاكل الإنسان والابتعاد عن كلّ ما اختلط في الأذهان أنّه من الإسلام من المفاهيم الغربيّة المضلّلة والآراء المغلوطة والأفكار المسمومة، كتلك الّتي نناقشها في مقالتنا هذه بأنّ الإسلام دين كهنوتيّ كغيره من الأديان يُطبّق في العبادات فقط، أمّا في سائر أمور الحياة فيُفصل الدّين عن الحياة ولا علاقة له بالدّولة أو السّياسة، أي لا علاقة له بتنظيم شؤون حياتنا، ليصبح الإسلام ووفق المفاهيم الغربيّة مجرّد طقوس وشعائر يقوم بها المسلمون في أوقات معيّنة وفي مناسبات خاصّة، حتّى كاد المسلمون يشكّكون في حقائق الإسلام النّاصعة الثّابتة، ومعالجاته الصّحيحة وصلاحيّته للحياة في كلّ زمان ومكان، حتّى أصبحنا نسمع من أولئك المضبوعين بالغرب وحضارته المزيّفة، أنّ الإسلام عبادة وأخلاق فقط، وأنّ الإسلام فلسفة خياليّة وأنّه لا يصلح للحياة ولهذا العصر بالذّات!

والنّاظر في تاريخ الإسلام ولسيرة الرّسول صلى الله عليه وسلم يدرك كيف دخلت الكثير من الأمم في الإسلام لمجرّد رؤيتهم لعدله وحسن تنظيمه فأقبلوا عليه أفواجاً، فقد طبَّق الرّسول صلى الله عليه وسلم الإسلام عقيدةً ونظاماً وكان يرعى شؤون المسلمين ويفصل الخصومات بينهم وهو يدعوهم إلى الصّلاة، ويُنفّذ العقوبات ويُقيم الحدود ويَعقد المعاهدات مع الدّول المجاورة ويعلن الحرب على أعداء الإسلام وهو يدعو للصّيام، فلم يأمر بعبادة الله في الصّلاة والصّيام والزّكاة فقط بل في البيع والشّراء وتوزيع الأموال وإنمائها وتملّكها وإقامة الحدود والجهاد، فجعل عبادة الله في كلّ أمرٍ من أمور الحياة ولم يأخذ جزءاً ويترك آخر، فالدّعوة إلى إقامة الدّين تكون دعوة إلى عبادة الله، والّتي يجب أن تنصرف إليها الهمم وتُبذل لها الجهود، وطريق الرّسول صلى الله عليه وسلم في ذلك هي حكم شرعيّ أَخذُه واجب.

ولكن الحاصل اليوم هو مخالفة صريحة وواضحة لهذه الطّريقة الشّرعيّة في معالجات مشاكل الحياة والّتي استُعيضت بطريقة ما تقتضيها سياسة الواقع وما تفرضه الظّروف، فأصبح تحرير بلاد المسلمين من أيدي الكفار يكون بالتّبرّعات وحدها، وعودة الإسلام إلى واقع الحياة تكون بالأخلاق وحدها وتطبيق حرمة الزّنا بالوعظ والإرشاد وحده، ممّا أدّى إلى أن يعيش المسلمون اليوم حياة غير إسلاميّة، كما انتشر بين المسلمين رأيٌ يقول بعدم التّعاطي بالسّياسة مطلقاً وعدم الاهتمام بها، وهذا لا يليق بالمسلم الكيِّس الفطن، فضلاً عن أنّه رأي مخالف للشرع الّذي يوجب على المسلم عكس ذلك ولأنّ هذا يؤدي إلى أن نترك الاشتغال بالسّياسة للكفّار الّذين يكيدون للإسلام ونطلق أيديهم في العالم، بينما الأجدر بالأمّة الإسلاميّة الاشتغال بالسّياسة الدّوليّة والتّأثير فيها حتّى تسترجع هيبتها ومكانتها من جديد، ولن يتحقّق ذلك إلّا إذا حملنا الإسلام حملاً سياسياً، يعني أن نحمل الإسلام قاصدين أن نُمكّنه من أن يسوس شؤون حياتنا بنُظمه، وهذا يقتضي إبراز ما في الإسلام من معالجات وما في غيره من فساد، وإبراز الطّريقة الّتي تتمّ المعالجات على أساسها في الإسلام والّتي بها تتمّ رعاية المصالح والشّؤون.

فأحكام الإسلام فرضها الله علينا لنحيا حياة كريمة ولنكون أعزّاء في ديننا ولنحقّق العدالة في الأرض بين جميع البشر مسلمين وغير مسلمين. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

رنا مصطفى

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو